٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

التحقيق في مذبحة حلبجة فرصة لتحديد مصادر تسليح صدام حسين

المصدر: KDP.info

جون سيمبسون

محرر الشؤون العالمية لبي بي سي

 

قبل نحو 25 عاما قتلت القوات العراقية الافالمدنيين باستخدام الاسلحة الكيمياوية في بلدة حلبجة الكردية، وتجرى الآنخطوات لحديد اي دولة – وربما تحديد اي مصنع – امد السلطة العراقية بهذهالاسلحة.

كانت نتيجة الهجوم الكيماوي الذي شنتهالقوات العراقية على حلبجة في 16 مارس 1988 أسوأ مذبحة تشهدها البلاد، حيثشوهدت الجثث ملقاة في كل مكان.

عندما كنت اقترب كنت أرى الضحايا في وضع يشير الى أنهم كانوا يحمون شخصا آخر، رضيعا أو طفلا أو زوجة، لكن الجميع فارقوا الحياة.

لم تكن هناك سبل للوقاية من غازات الاعصاب التي استخدمها رجال صدام حسين دون تمييز على حلبجة لتلقين الأكراد درسا قاسيا.

وكنت قد شهدت من قبل اثار الحرب الكيمياوية البشعةعلى الجنود خلال الحرب الايرانية العراقية، وكان ذلك أمرا بشعا. غير انمعاينة ما خلفه استخدام هذه الغازات البشعة ضدالرجال والنساء والاطفالالعزل كان بشعا للغاية.

واحيانا كانت اثار الغازات التي استخدمتها القواتالجوية العراقية فورية، فقد شاهدت منزلا قصفت بقنبلة سقطت من سقف احدىالغرف عندما كان عدد من الاشخاص يتناولون الطعام.

ولقي الجميع حتفهم في غضون ثانية او ما شابه. وتوفي شيخ كبير وهو يقطع كسرة خبز، وكان اخر مبتسما وبدا انه توفي اثناء ابتسامته.

آخرون ماتوا ببطء وهم يعانون من ألم شديد.

رأيت جثة سيدة في وضع انحناء بالغ وكانت مؤخرة رأسها تلامس قدمها، ورصدت اثار قيء ودماء على ملابسها واثار الالم على وجهها.

لماذا توفي هؤلاء؟

 

 

السبب هو انه خلال الاسابيع الاخيرة من الحربالايرانية العراقية، رحبت حلبجة بتقدم القوات الايرانية مهللة بالفرح، وقررصدام حسين وابن عمه علي حسن الماجد، الشهير بـ "علي الكيماوي"، تلقينهمدرسا وجعلهم عبرة للاخرين.

استهدفت القوات الجوية العراقية البلدة بمجموعة منالمواد الكيمائية المؤثرة على الاعصاب امثال في اكس وسارين وتابون واكثرهاتأثيرا كان غاز الخردل السام الذي يعود استخدامه الى الحرب العالميةالاولى.

وتعرض اليوم بعض القنابل التي استخدمت في هذاالغرض في متحف حلبجة، حيث ان العديد منها كان مزودا بمروحة داخلية تعمللمزج المواد الكيمائية.

وسبق الهجوم الغازي يومان من القصف مثار الجدل،حيث بدا كأنما علي حسن الماجد اراد تهشيم النوافذ في البلدة حتى لم تتحهناك اي مقاومة للغاز قدر الامكان.

كنت قد ذهبت الى حلبجة جوا برفقة مجموعة صغيرة من الصحفيين الاجانب على متن طائرة تابعة للقوات الجوية الايرانية.

واغتنمت الحكومة الايرانية الفرصة للترويج واظهار بشاعة الجرائم التي ارتكبها صدام حسين بحق شعبه امام العالم.

ومنعت السلطات الايرانية الناجين من القصف من العودة لدفن موتاهم، لنتمكن من رؤية الضحايا.

كم عدد الذين ماتوا في حلبجة؟

تجولت كي أحصي العدد وبرفقتي اخصائي بلجيكي بالحرب الكيمياوية.

لكن الوقت قصير فقد علم العراقيون بوجودنا، وتعرضتالمروحيات التي تنقلنا الى اطلاق نار، وعادت القوات الجوية العراقية ربماومعها المزيد من الاسلحة الكيمياوية لاستخدامها ضدنا.

 

قتل نحو خمسة آلاف شخص وسط حلبجة.

ثمة محاولات لتحديد عدد القتلى وان بدت متسرعةوغير كافية، لكن بدا أن هناك نحو خمسة الاف جثة ملقاة على الارض في البلدة،فيما سقط قتلى اخرون على مشارف البلدة حينما سعى اخرون لعبور الجبالباتجاه ايران.

هذا الرقم يقبله الكثير من الخبراء بشأن الهجوم.

وبعد ربع قرن من المذبحة لم تنقشع حالة الرعب بعد،فما زالت بقايا غاز الخردل الذي استخدم موجودة في المخابئ التي كان يحتميبداخلها المواطنون خلال اعمال القصف.

فعلى النقيض من غاز الاعصاب الذي يتبخر، يعد غاز الخردل أثقل وزنا في الهواء، فهو يتساقط ويشكل جيوبا ما زالت تشكل خطورة اليوم.

ويبحثهاميش دي بريتون-غوردون، خبير الحربالكيمياوية البريطاني، الذي دأب على العمل في مؤسسة بورتون داون، وهي منشأةعلمية عسكرية بريطانية، مع الحكومة الكردية طرق منع التلوث الكيمياوي فيحلبجة.

وقال: "نواجه مشكلة هنا عندما يبنون ابنية جديدة،فهم يحفرون الاساسات ويصلون الى جيوب غاز الخردل هذه وسرعان ما يموت كل منيقوم بهذه المهمة."

واضاف "انها مهمة واحدة نأمل في تقديم مساعدةبشأنها، مع توفير مراقبة مشددة، واذا لدينا اي دليل على وجود غازات فيالمنطقة فسرعان ما سنتخذ التدابير اللازمة لضمان عدم تعرض المواطنين لها،وبمجرد تطهير حلبجة ستكون القدرة على تنمية المكان ممكنة مقارنة بمعدلالتنمية في بقية البلاد."

وقال دي بريتون غوردون انه ربما يكون من الممكنايضا تحديد الاطراف التي امدت حكومة صدام حسين بالكيمياويات اللازمةللاستخدم في حلبجة.

واضاف "نتوقع ان نعثر على عينات من غاز الخردل فيالمقابر الجماعية كما فعلنا في المخابئ. واذا استطعنا ان نحللها الى عناصرجزيئاتها الرئيسية، سيكون بمقدورنا تحديد الجهة وحينئذ سيكون بامكاننامضاهاتها مع العينة."

ويعتقد ان ذلك سيتيح امكانية انجاز العمل بنجاح فيتحديد اي دولة، او حتى مصنع، امدت السلطات بالمواد الكيمياوية الاصليةلغاز الخردل، في حين لن يكون من الممكن تتبع خطى غاز الاعصاب.

وقال "سيكون من الصعب الحصول على عينة اختبارية منالمصانع المتهمة بصناعة هذه المواد. لكن اذا أعطونا عينات واتفقت معها،سيكون ذلك دليلا دامغا يمكن للمحكمة الجنائية الدولية وجهات اخرى التحقيقبشأنه.

وأَضاف "لكننا ندرك انه مازال هناك بعض المخزونالكيمياوي في العراق الذي يمكن التعامل معه، وهي معلومات مصدرية متاحةويمكن الحصول على عينة من هناك ومضاهاتها مع ما توصلنا اليها هنا لتوفيرادلة شاملة، لذا فمن الناحية الفنية ذلك ممكن."

نظرة فاحصة

 

ادى الهجوم الى اصابة الكثير من سكان حلبجة بتشوهات.

حتى الان لا توافق الحكومة الاقليمية الكردية علىمثل هذه الخطط. وتقول انها ترغب في اجراء مشاورات مع طائفة من الشركاتوالمواطنين بالبلدة قبل الموافقة على السماح لفتح هذه المقابر الجماعية."

وقال قباد طالباني وزير شؤون مجلس الوزراء فيالحكومة الاقليمية ونجل الرئيس العراقي الحالي جلال طالباني: "اعتقد اننانلتزم امام انفسنا وامام الضحايا بالقاء نظرة فاحصة على ما حدث، وكيف حدث."

وبمجرد تحديد الشركات الاجنبية التي امدت السلطات العراقية بالمواد، ربما ستتخذ اجراءات قانونية بشأنها؟

وتبدو روسيا، وما تملكه من قدرة هائلة على الحرب الكيمياوية، قد امدت صدام حسين بالمواد التي طلبها.

لكن هل أثمرت الاحدات والمعاناة في حلبجة عنايجابيات؟ الغريب ان ذلك حدث بالفعل. فاعلان ما حدث أذكى الضمير الانسانيفي الخارج، وبعد ثلاث سنوات أفضى ذلك مباشرة الى فرض بريطانيا والولاياتالمتحدة منطقة حظر طيران فوق شمال العراق.

ومنع ذلك صدام حسين من شن هجوم على الاكراد، ومن ثم استطاعوا تحقيق ازدهار على نحو مستقل بعيدا عن سيطرة بغداد.

كما استفادت المنطقة، بعد ذلك، من الثروات التيتمتلكها البلاد، غير ان احدا لا يمكنه نسيان ما حدث في ذلك اليوم عام 1988. ولا تزال مناقشته الهجوم الكيمياوي في المدارس تدفع التلاميذ الى البكاء

 

أخبار ذات صلة