المؤتمر الوطني في اربيل… واقع...ومطالب

خسرو بيربال
يبدو واضحا ابتداءا ان من اهم المشاكل التي تعاني منها دول العالم الثالث ومنها العراق في ظل المعادلات الدولية الراهنة هي عدم القدرة على اتخاذ الاستراتيجيات المناسبة لها على جميع المستويات بشكل عام وعلى المستوى الدولي والاقليمي بشكل خاص وبالتالي عدم القدرة على التعامل مع المعطيات الدولية والداخلية ومن هنا يتفق المتابعين والمحللين للشأن العراقي ان هنالك الكثير من المشاكل والمعوقات التي باتت تعترض العملية السياسية في العراق وسبل تطويرها داخليا وخارجيافي جوانب سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وامنية على الرغم من تحقق بعض الانجازات فيها والتي باتت تنعكس بأثارها السلبية على المشهد العراقي وما زالت بحاجة الى حلول منطقية وموضوعية واعية يفترض الاجماع عليها.
من حق الكورد ابتداءا القلق على مستجدات وتطورات ومتغيرات العملية السياسية في المرحلة الراهنة, بل تخوف الجميع من امكانية تغيير المواقف من حكومة الشراكة الوطنية المفترضة, فالجميع دون استثناء اصبحوا تواقين لوضع آليات وحلول جذرية لكل مشاكل العراق المتراكمة والعالقة والمرحلة والمستجدة.؟
في وقت يبدو فيه أن استمرار الصراع بأشكاله المختلفة بين مختلف الدول ومنها دول الجوارالعراقي بفعل تناقض وتقاطع الاهداف والمصالح والايديولوجيات, يتطلب ابتداءا ايضا فهم واستيعاب التأثيرات الخارجية والداخلية على المشهد الوطني العراقي, في وقت يبدو فيه لبعض المتابعين ايضا ان مكامن القوة الوطنية العراقية ومن باب وزاوية متفائلة مازالت, رغم كل الظروف السابقة والحالية المتنوعة والمتعددة والمعقدة, وان كل هذه الازمات والمشاكل والتحديات والضغوطات لدى البعض قد لا تثير القلق الدائم, وانما بالامكان حلها من خلال الوعي والادراك والاحساس السليم والموضوعي المستمر لمواجهتها بمسؤولية جماعية توافقية بين جميع مكونات العملية السياسية وضمن توجهات وطنية هادفة ومتوازنة, قد تؤمن مستقبل آمن للعراق, وعلى الرغم من هذه المهمة ليست مهمة سهلة, بل هي مهمة صعبة الا في الوقت نفسه ليست بالمستحيلة!!
* من هنا يبدو واضحا ضمن هذا الاتجاه الاخير ان تجرى الاستعدادات لعقد مؤتمر وطني في اربيل, بناء على رغبة وارادة الكثير من الاطراف السياسية لحل اشكاليات الازمة الراهنة داخليا وخارجيا, بل يبدو واضحا ان الرئيس مسعود البارازاني الذي عرف بحكمته وقدرته وموضوعيته على ايجاد الحلول المناسبة للأزمات العراقية السابقة والذي كان له الفضل الاول في حل اشكالية سابقة تمثلت بتشكيل حكومة شراكة وطنية من خلال اتفاقية اربيل, يراهن العراقيين جميعا على الرئيس البارازاني بفضل علاقاته السياسية المتوازنة والواقعية مع الكثير من اطراف العملية السياسية ولأعتبارات مهمة اخرى تكمن في اعتماد الرئيس البارازاني للدستور بأعتبار الفيصل والحكم والخيار الوحيد لحل الاشكاليات والازمات, بل السعي على الدوام الى ضرورة عقلنة استخدام القوة العسكرية وعدم استغلالها في الاحتراب الداخلي لأغراض سياسية, وتفضيله للحلول الدبلوماسية واعتماد لغة الحوار والثقافة في صنع القرار واحلال السلام المفترض في ربوع العراق, اذ ان مجمل الافكار الاستراتيجية للرئيس البارازاني قادرة فعلاًللتعبير عن الافكار والتوجهات والتقديرات السياسية المتوازنة والمناسبة من اجل تحقيق اهدافها, ومن هنا يستبشر كل العراقيون خيراًمن امكانية نجاح هذا المؤتمر والمراهنة عليه, اذ ان الرئيس البارازاني ومن هذا المنطلق سيبدأ مشاوراته مع جميع الاطراف السياسية بغية استكشاف اولي للمواقف والوقوف على مدى استعدادات تلك الاطراف لتقديم التنازلات والسعي الجاد والمستمر لحل الازمة الراهنة, بل ليبدو واضحا ان الهدف الاساس من لقاءات الرئيس البارازاني القادمة ستكون في البحث عن الآليات والاجندات التي يمكن ان تتفق عليها القوى والمكونات العراقية لجعلها اساسا لتوسيع اطار تلك الاجتماعات نحو عقد مؤتمر وطني موسع, وعلينا ان نعترف ان دون ايجاد توافقات كاملة ونقاط التقاء حقيقية ومشتركات حول الاليات والاجندات يبدو من المكبر الحديث عن مؤتمر وطني بالقريب العاجل, مما قد يعني في حالة عدم انعقاد مثل هذا المؤتمر ايضا امكانية تحقق المشروع الطائفي المقيت بل حرب طائفية قد تكون على الابواب والعودة الى عقدة النظام الدكتاتوري والتمحور والتخندق فيه والغاء وتهميش الاخرين, وتبقى كافة الخيارات والاحتمالات واردة!!
وعلى ضوء بعض ما تقدم فأن على الجميع وفي مقدمتهم السيد نوري المالكي, ان يعي قبل غيره مخاطر المرحلة الراهنة ومايمكن ان تؤديه لاحقاًمن احتقانات وافرازات وابعاد سلبية وخطيرة على المشهد العراقي الداخلي والخارجي, وان يتعامل مع امكانية عقد هذا المؤتمر بروح المسؤولية الوطنية المفترضة, بل يتطلب الامر منه بأعتباره رئيساللوزراء وهي رسالة اوجهها له شخصيا والتي تعبر عن آراء كل العراقيين وطموحاتهم, من ضرورات الاضطلاع ابتداءا بمسؤولياته مباشرة تجاه الوطن والشعب, ومساهمته من موقعه في أنجاح هذا المؤتمر ودعمه وصولا لأيجاد تصور مستقبلي لطبيعة البيئتين الداخلية والخارجية واستيعاب كامل لمكوناتها ولطبيعة التهديدات السياسية والضغوطات والتحديات التي باتت تواجه الحالة العراقية الجديدة والمشهد الامني فيها بوجه خاص والتي لا يمكن الفصل بينهما اطلاقا, وبغير ذلك فأن العراق بوضعه الحالي دون ايجاد حلول وآليات وبرامج واجندات مناسبة سيبقى معرضا لخطر الانهيار والتفكك والاحتراب الداخلي الذي لا يحقق اطلاقا مصلحة احد من العراقيين في هذه المرحلة والمرحلة اللاحقة, بوجه خاص, في ظل هذا الواقع, المطلوب من المؤتمر في هذه المرحلة ابتداءا ضرورة توفر الارادة السياسية والرغبة لدى كل القوى الرئيسية والفاعلة في المجتمع على عقده, لوضع آليات واطر وسياقات متفق عليها قبل عقده, والتي في مقدمتها رسم وبلورة ستراتيجية وطنية ملائمة للعراق, تستجيب للمتطلبات الوطنية الحالية والمستقبلية, بل البدأ بتفكير منهجي جماعي جديد قادر على مواجهة التحديات والتهدديات الواقعية والمفترضة, بل البحث عن آليات واجندات اكثر شمولية وواقعية تحقق مصالح الجميع من خلال احداث نقلة نوعية في الحياة السياسية العراقية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والامنية, المطلوب في هذه المرحلة بل من واجب الحكومة الاتحادية, كما اشار الى ذلك الرئيس البارازاني ان تبادر الى التعامل بعقلانية من اجل ايجاد الحلول والتي عملت على تفاقم الازمة والتهميش والتهديد والالغاء, بل يتطلب الامر ومن اجل تخطي هذه الازمة العصيبة, تصحيح مسار العملية السياسية نفسها والاحتكام الى الدستور والاتفاقات ولم الشمل وضرورة تبني اسلوب الحوار من اجل تحقيق عيش كريم لحياة حرة يستحقها شعب العراق, والمطلوب من هذا المؤتمر ابتداءا وجود رغبة وارادة حقيقية لدى قيادات المكونات السياسية لحل المشاكل والازمات بشكل موضوعي وجذري, بل المطلوب قبل انعقاد هذا المؤتمر تنقية الاجواء بين الاطراف السياسية لتعزيز ارضية الثقة المشتركة وتهيئة اجواء مباحثات سليمة لطرح جميع القضايا والتراكمات السلبية السابقة والاتفاق على وضع جدول زمني لحلها, بما في ذلك التأكيد على مبدأ مساواة الجميع في الحقوق والواجبات امام القانون والدستور, بل اعادة النظر في بعض آليات تنفيذ بعض القوانين بما يضمن عدالتها والابتعاد عن اي معيار للأنتقائية والازدواجية فيها, والمهم ايضا الحفاظ على متطلبات استمرار العملية السياسية وتطورها واغناء ملامحها واطرها فذلك مطمح الجميع, ومن هنا ايضاًالمطلوب من هذا المؤتمر طرح اسباب الازمات والمشاكل المعلقة على طاولة المناقشات الوطنية السياسية لحل ما تتمخض عنه من افرازات, وضرورات الاتفاق الجماعي بين مكونات العملية السياسية على مقررات محددة وواضحة, وسيادة مبدأ الالتزام الموضوعي والفعلي للقرارات التي يتفق عليها وتحديد سقوف زمنية وجهات مناسبة للمتابعة والتنفيذ, بما في ذلك مراجعة متكاملة وطرح مضامين الاتفاقات السابقة ومنها اتفاقية اربيل والعمل على وضع توقيتات زمنية محددة وآليات واضحة لتنفيذ ما تبقى منها, وذلك ما يتفق عليه جميع المحللين والمتابعين للشأن العراقي, بل الرجوع الى الدستور الذي ما زال يعتبر خيمة ومظلة الجميع والفيصل والحكم, المطلوب في هذه المرحلة الحساسة والمحرجة قبل انعقاد مؤتمر اربيل الاتفاق على وضع اللمسات الحقيقية والجذرية لبرنامج وطني شامل جامع, يحدد الاولويات المطلوبة والتوقيتات الزمنية والمستلزمات وضمانات التنفيذ, ونذكر السيد نوري المالكي ثانية ابتداءا قبل غيره ان الخطر الحقيقي على سياسة اي حكومة يكمن في احد محاوره الاساسية غياب اجماع الجبهة الداخلية عليها, وان هذه الحكومة او اي حكومة اخرى, (فلسنا نستهدف شخصا محددا او حكومة محددة) انه لا سبيل لها ان ارادت فعلا وحدة ومصلحة شعبها العليا, فهي مطالبة بالانصياع الى ارادة ورغبة الشعب في مطالبها الدستورية في التنفيذ والتحديث والاصلاح والتجديد بما يخدم الشعب لا غير, والعمل بجدية على عدم تهميش وخروج اي قوة في المجتمع تطالب بحقوقها وحرياتها بما ضمن الدستور لها, وصولا الى الاجماع الحقيقي والثابت على السلوك والمواقف, بل وضمان مشاركة المواطنين عبر احزابهم وممثليهم في الحكومة والبرلمان على صنع القرار وتنفيذه, بل ان المشاركة السياسية الفعلية لكل اطياف واحزاب اي مجتمع في رسم وصنع القرار السياسي والاقتصادي والامني, لا زالت وسيلة مهمة لأمتصاص الحماس الى جانب الحكومة, والى تنويع الحلول المطروحة للمشاكل والازمات التي يمكن ان تواجه السلطة او الحكومة داخليا وخارجيا بل هي احد اسباب استقرار السلطة سياسيا, ان الاستجابة للرغبة والارادة الشعبية ومطالبها الدستورية يبقى الخيار الوحيد, للتأكيد على صحة وسلامة ونهج ومواقف وممارسات اي حكومة, واخيراًالمطلوب من هذا المؤتمر ابتداءا ان تحقق عقده ان تكون الاليات والبرامج التي ستوضح له ان تعكس ارادة ورغبة وطموحات ومصالح وحقوق كل العراقيين دون استثناء او تمييز, وكلنا امل في استعدادات الرئيس البارازاني في عقد هذا المؤتمر الذي نتمنى له كل النجاح والتوفيق لأحداث الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والامني المطلوب, وفي احداث نقلة تاريخية نوعية في تاريخ العراق المعاصر, وصولاًلتحقيق كل طموحات واماني ورغبات واردة الشعب العراقي في الحياة الحرة الكريمة, وان يكون اللقاء في هذا المؤتمر من اجل الارتقاء بالعملية السياسية وانضاجها وتصحيح مساراتها وتطويرها, ورسالتنا الاخيرة لكل قادة الكتل السياسية القول, ان ارقى درجات المحبة ان نلتقي لنرتقي, ولتبقى آلة الرئاسة سعة الصدر...وافشوا السلام تسلموا...وانشروا السلام بينكم تحابوا...وافشوا السلام كي تعلوا...وذلك يأمله كل الشعب العراقي من مؤتمر اربيل.




