٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

المشهد الكوردستاني الحزين و ثقافة المقابر الجماعية في العراق

المصدر: KDP.info

 

د. سامان سوراني 

من المعلوم بأن ظهور فلسفة المقابر الجماعية في العراق تعود الي التعامل الضدي والسلبي مع الآخر المختلف من قبل الأنظمة الشوفينية التي كانت متمترسة وراء الهويات و عسكرة المجتمعات و التي مارست التهويل الايديولوجي بأعتبار الآخر المختلف "جيب عميل" و مصدر "المصائب والشرور".
هذا المنطق الضدي قام برمي المسؤوليات عن أخطاءه و كوارثه الجسيمة علي الآخر المختلف للتهرب من القيام بأعمال المراجعة النقدية والمحاسبة العقلانية، والحصيلة كانت التستر علي الأخطاء والكوارث لتفعل فعلها بصورة مضاعفة. فتم تحويل الثوابت والشعارات العنصرية بصورة تدريجية الي أصنام تعبد و أقانيم تقدّس.  
بالأمس أصبحنا شاهد عين لمشهد كوردستاني حزين، إذ جرت بحضور الرئيس مسعود بارزاني و جمع غفير من ذوي الآخر المختلف مراسيم لدفن رفات 730 إنساناً تعود لضحايا مسالخ الأنفال والإبادة التي أكتشفت في مقبرة مهاري الجماعية في الديوانية (181 كم جنوب العاصمة العراقية بغداد). الضحايا هم مواطنين كورد مسالمين من ناحيتي قرهنجير و قادر كرم الكوردستانية دفنهم النظام البعثي اللاإنساني أواخر الثمانينيات من القرن الماضي أحياء في صحاري العراق الجنوبية، لكي يرفع من شأن دعواته العنصرية و الفاشية في التطبيع والقولبة أو في التطهير والتصفية و لکي ينفذ برامجه الإمبريالية والشمولية في "عراق البعث العربي".
مسالخ الأنفال والمجازر الجماعية التي نفذها نظام البعث بحق الكوردستانيين خلال الفترة من 23 شباط 1988 الي السادس من أيلول نفس العام يمكن أن تعرّف بواحدة من أكثر صفحات القمع الحكومي وحشيةً و عنفاً في تاريخ العراق الحديث. فسيادة أفكار العنف والقسوة في العراق خلال العقود الثلاثة التي سبقت مسالخ الانفال هيأت الأرضية لسياسة قلع جذور الآخر المختلف و إلغائه و حدوث مثل هذه الجرائم المرعبة.
وما دفعني أن أكون فخوراً بعوائل الضحايا كإنسان هو عدم رفعهم شعار الثأر لضحاياهم بل مطالبتهم بالمحاكمة العادلة لكل من شارك في هذه العملية الإجرامية و كل من مهّد الطريق لتنفيذها من فيالق الجيش النظامي العراقي (الفيلقان الأول والخامس) والقوات الخاصة و القوة الجوية العراقية و صنوف الحرب الكيمياوية والبيولوجية وكذلك الميليشيات الحزبية وقوات المرتزقة و دوائر الأمن والمخابرات والاستخبارات العسكرية.
نعم إن زمن العقل الأمبراطوري في هذا العصر، عصر الإنسان الرقمي و الفاعل الميديائي قد ولّي، نحن الآن في مرحلة إصلاح هذا العالم، الذي لا يحتاج بعد الآن الي عقل أحادي، تحكمي، إنفرادي ليحكم بلاده بعقلية ما قبل عصر الزراعة. لنساهم کمؤمنين بأسس الديمقراطية بشكل بناء في بلورة قيم جديدة للشراكة البشرية، لأن المواقف المتطرفة والحلول القصوي و إدعاءات القبض علي الحقيقة و تجسيد القيم و إحتكار التمثيل للوطن، كما يسعي اليوم بعض من الذين يرأسون الحكومة الفدرالية في سبيلها، تعيد إنتاج المآزق أو صناعة الكوراث وتدعم ثقافة المقابر الجماعية. و لکي لا يتكرر الجرائم التي مورست بحق الشعب الكوردستاني في الماضي القريب يجب أن تكون القيادة الكوردستانية حاسمة مع من يريد أن يعيد سيناريوهات الماضي الأليمة ويقوم بالعودة الي الأوراق القديمة.  علي القيادة الكوردستانية رصّ الصّف الكوردستاني والعمل الدؤوب من أجل تقوية سياسة الاحترام المتبادل بين كافة الأطراف والمكونات الكوردستانية والعراقية و الإهتمام بالتعرف على الضحايا والتعامل العلمي مع القبور الجماعية والضغط علي الحكومة العراقية المؤمنة بالدستور لتنفيذ قرارات المحاكم العراقية ومجلس النواب بتعويض ضحايا الانفال والابادة الجماعية.
وعلي الحكومة الاتحادية الإبتعاد من العقليات و المذاهب أو المقولات و التصنيفات أو السياسات والإستراتيجيات التي تصب في مصب الفكر القوموي لكي تولد المآزق وتلغم المشاريع الفدرالية أو لكي تحيل الحياة في العراق الي حقول ألغام. فما عاد يجدي أو يثمر تدبير العراق بعقلية وحدانية يدعي أصحابها إحتكار المشروعية الدستورية، وإنما يجب أن تدار بعقلية الشراكة و لغة التوسط و سياسة الإعتراف بالآخر المختلف و تعدد الأبعاد و منطق التحول، كما هو شأن العقلانية التداولية بطابعها التركيبي، المرن والمفتوح علي تعدد المقاربات والمستويات والمجالات والإختصاصات سواءً علي المستوي الإتحادي أو الاقليمي.
مرة أخري نقول بأن الواقع العراقي لا تجدي إدارته بالمنطق القوموي ولا بالنظام الاستبدادي أو بالعقل الصولي أو النخبوي، بل بالفكر المتمرس بعقلانية جديدة مرنة تصدر عن الإحساس بالمسؤولية تجاه ضحايا العقل الشوفيني و تؤمن بلغة الحوار والتسوية أو بمنطق الشراكة الحقيقية والمداولة. الدستور يجب أن يكون الحاكم والضامن أيضاً لحقوق شعب كوردستان، لكي لا يستطيع رئيس الحكومة الإتحادية أو حزب من الأحزاب خرق أسس الديمقراطية. لماذا عدم الإعتراف بالحقيقة القائلة، بأن الوصاية الحصرية والأحادية أو النبوية الرسولية علي الوطن والقيم قد فشلت، كما يمارسها الذين يدعون إحتكار النطق بأسم العراق أو تمثيل هويته حصراً، لأنهم لا يملكون الجرأة علي كسر نرجسيتهم المذهبية و الزحزحة عن مركزيتهم القومية، للخروج من قوقعتهم و تهويماتهم الإصطفائية.
وختاماً: "إذا ظل ثقافة و سياسة تدمير الحس والوجود الكوردستاني قائمة في العراق الفدرالي، فسيكون التعبير عن الديمقراطية و حقوق الإنسان والشراكة والإعتراف بالآخر المختلف في هذا البلد ضرباً من ملاعبة الأفاعي السامة" 

أخبار ذات صلة