مقتل تورغوت اوزال بالسم اصبحت حقيقة واقعة

رشيد فندي
لم يعد شيئ يخفى امام جبروت التكنولوجيا المعاصرة وقوتها الضاربة، لا بل اصبحت هذه التكنولوجيا تسبر اغوار الماضي وتفتش عن خفايا التاريخ وعن الجرائم التي ارتكبت بحق المظلومين والتي ظن مرتكبوها انها دفنت مع جثامينهم الى الابد.ولكن التكنولوجيا الحديثة تأبى الخضوع والخنوع امام اولئك المجرمين.
عندما توفي الرئيس التركي (توركوت اوزال) على حين غرة في عام 1993، حامت شبهات وانتشرت شائعات حول موته متسمما، اي قتله بالسموم وان موتته ليست ميتة طبيعية كسائر البشر في سنة عادلة سنها الله جل وعلا على الجميع.
ولد توركوت اوزال في مدينة ملاطية في عام 1927، وهي مدينة مختلطة بين العديد من القوميات، وهو وان لم يكن كرديا، الا ان جدته لأمه كانت كردية، وان (اوزال) نفسه كان قد صرح بذلك ابان حكمه، و اضاف الى ذلك بقوله ان جدته الكردية تلك كانت تغني له في صغره بعض الاغاني الكردية التي كان يطرب لها، ويبدو انها كانت من نوع الاغاني التي تدندن بها الامهات لاطفالهن لا غير. اكمل (اوزال) دراسته في تركيا وحصل على درجة الهندسة في بلاده ودخل العديد من الوظائف قبل ان يدخل خضم السياسة، ثم يؤسس حزب (الوطن الام) في الثمانينيات من القرن الماضي، وعندما فاز حزبه في الانتخابات، تولى (اوزال) رئاسة الوزارة في تركيا في عام 1983، وما ان استلم الحكم حتى توجه بكل قوته نحو إنعاش الاقتصاد التركي وخطا بذلك خطوات كبيرة نحو الاحسن ’وقفزت صادرات تركيا قفزات نوعية الى الامام، وبدأ بتصنيع الدولة التركية ووجه الاقتصاد نحو الخصخصة ونجح في ذلك ايما نجاح، ونقل تركيا من دولة غير صناعية فقيرة الى قوة اقتصادية مهمة في العالم وخاصة في منطقة الشرق الاوسط، ثم اردف خطوته تلك بالتوجه نحو المشكلة الرئيسية في تركيا وهي المشكلة الكردية، وتيقن بان تركيا سوف لن تستقر سياسيا ولن تتطور اقتصاديا من دون حل المشكلة الكردية وكان يصرح بذلك في مجالسه الخاصة، وكان حديثه هذا يقض مضاجع العسكرتاريا التركية المعروفة بتصلبها ازاء القضية الكردية ومحاربتها لتلك الحركة منذ تأسيس الجمهورية التركية في عشرينيات القرن الماضي، ووصل حقد الجنرالات الترك على الكرد في زمن اوزال ان احدهم صرح تصريحا غريبا وطريفا يشبه الفكاهة في نفس الوقت، حينما قال : لو ان الكرد اسسوا لهم قرية في الارجنتين لذهبنا هناك لمحاربتهم !!،. بقي (اوزال) رئيسا للوزراء الى عام 1989 حيث انتهت مدة حكمه وانتخبه البرلمان التركي رئيسا للجمهورية في ذلك العام، ليكون الرئيس الثامن للجمهورية التركية، وانتهج نفس السياسة السابقة بقدر ما تسمح به صلاحيات رئيس الجمهورية حسب الدستور التركي، واستحكم العداء بينه وبين الجنرالات، وكانت سياسته الداخلية تتجه في نفس الوقت نحو تقليم اظافر الجنرالات ما وسعه ذلك.
في احدى حفلات الزواج لابنه او ابنته، التي كان يحضرها الجنرالات، قام الفنان الكردي الشهير (ابراهيم تاتليس) بتقديم وصلات غنائية باللغة التركية بتلك المناسبة، فناداه (اوزال) وطلب منه تقديم بعض الاغاني الكردية، ولما بدأ (تاتليس) بالغناء الكردي، قام الجنرالات غاضبين وغادروا الحفل احتجاجا على ذلك!!
وساءت العلاقة بينه وبين العسكر خاصة بعد ان اعلن (اوزال) عن عزمه في اجراء اتصالات مع حزب العمال الكردستاني وحل المشكلة الكردية في تركيا جذريا وقام بالاتصال ببعض الشخصيات الكردية للتوسط في اجراء الاتصالات بصدد ذلك، لذا رأى الجنرالات ان هذا الرئيس لا تلين له قناة ولا يمكن احتواؤه، لذا يبدو انه دبرت له سموم قاتلة وضعت في كأس لعصير البرتقال في إحدى المناسبات، وبعد تناوله اياها توفي في اليوم التالي، اي في يوم 17 نيسان من عام 1993.
كان (اوزال) متدينا، فبعد زيارته للبوسنة ومعظم سكانها من المسلمين ومشاهدته للمجازر التي ترتكب بحق مسلميها من قبل الصرب، هدد الصرب بارسال القوات التركية ضدهم ان لم يوقفوا تلك المجازر بحق مسلمي البوسنة، كما كان إنسانيا، فعندما التجأ الكورد الى كل من ايران وتركيا بعد انتفاضة عام 1991 وتهديد صدام حسين وعلي حسن المجيد للكرد بتعقبهم والاقتصاص منهم، صرح اوزال قائلا: لو فكر صدام بتعقب الكرد فسيجدنا امامه !!
فبناء على هذه الحقائق كلها وغيرها تم التيقن من ان (اوزال) لم يمت موتة طبيعية، كسائر البشر وجميع الاحياء على هذه الكرة الارضية، بل دس له السم من قبل جهات حاقدة عليه، وقد اثبتت زوجته تلك الواقعة بقولها (ان انشغال اوزال قبل وفاته بايجاد حل سلمي نهائي للمشكلة الكردية ورفضه القيام بعمليات غير قانونية لمواجهة المتمردين الاكراد قد اثار استياء المؤسسة العسكرية).
ظلت الشكوك تراود المعنيين بالسياسة التركية بالاضافة الى عائلته حول سبب موت اوزال المفاجئ وشددت من ضغوطها على الحكومة التركية الحالية برئاسة (رجب طيب اردوغان)، الى ان قررت الجهات القضائية المعنية بفتح قبره بعد 19 سنة من وفاته، وتم تشكيل لجنة طبية مختصة، لاجراء الفحوصات الضرورية لتكتشف انه مات مسموما بتناوله اربعة انواع من السموم القاتلة.
ان هذه القضية ستؤدي الى التحقيق واستدعاء المتهمين بتدبير هذه الجناية الكبيرة بحق رئيس الدولة وذلك لجهوده الحثيثة من اجل حل اهم مشكلة سياسية تعصف بتركيا منذ امد طويل، وهي المشكلة الكردية، وسيكون تقديم اولئك الجناة للمحكمة واصدار الاحكام بحقهم درسا بليغا لكل الذين يعمدون للاغتيالات السياسية والقتل بالسموم لمخالفيهم في الرأي، ولم يعد الامر ميسورا لجميع اولئك الطغاة والعتاة والقساة لارتكاب جرائمهم.




