دور سياسة التعليم في بناء المجتمع الكوردستاني المعاصر

د. سامان سوراني
في عالم سمته السيولة والتسارع باتت الأزمات تحصل علی إيقاع سريع وعلی غير صعيد كما تشهد الحروب والإنتفاضات في الشرق الأوسط والفضائع الإرهابية في غير مكان.
بالرغم من أن إقليم كوردستان الآمن والمستقر محاط بمناطق ساخنة أو بعواصف بركانية، لكن هذا لا يمنعنا بأن نٶمن بالنظرية القائلة “أن المجتمعات تبنی قطعة قطعة، في كل قطاع أو حقل بحيث ينخرط جميع الفاعلين في أعمال التنمية والبناء”.
أي أن الإدارة الفعؔالة هي التي تدير مجتمعاً، يتصرف فيه أفراده ومجموعاته ، کفاعلين ومسٶولين بقدر ماهم مختصّون ومنتجون للثروة أو المعلومة أوالخدمة أو السلطة، بحيث تكون القرارات حصيلة التداولات والتأثيرات المتبادلة.
تعود فكرة التعليم بوصفه إطلاقاً وتنشئة إلی بدايات الفلسفة الإغريقية، التي كانت تهدف إلي تكوين الإنسان عقلاً وشخصاً وذهناً ونفساً وتمكينه من الدخول الی فضاء العقل العام، أي فضاء البحث الفكري والنقد الإجتماعي.
فمن المعلوم بأنّ بناء مجتمعات حيّة يبقی ضرب من الخيال إذا ما تُرك العلم والمعرفة جانباً، وأنّ المعايير التي تقاس بها عصرية أيّ مجتمع هي تطوره التقني ومستواه العلمي والتربوي. فالبحث العلمي هو نتيجة تعليم مزدهر، وهكذا بالنسبة الى عمليات التحديث والنمو الاقتصادي والاجتماعي، إذ لا يمكن وقوع التحديث من دون أن يأخذ العلم والتقنية دورهما في أيّ مجتمع يرنو إلى التقدم والمعاصرة.
ويمكن إعتبار البحث العلمي بآلية ضرورية للوصول الی حلول ناجعة لمشكلات وقضايا حياتية كالإسكان والتربية والصحة وتأمين المياه والزراعة والنقل والبيئة والتلوث أو أمور أمنية كالحرب والسلام، ناهيك عن قضايا مرتبطة بالتنمية والخطط المستقبلية في دراسة الفضاء والغور في علوم الحاسوب والبرمجة وعلم الهندسة الوراثية،
وهو وسيلة مهمة لتنوير المجتمعات البشرية للأخذ بأسباب المعرفة والاستفادة منها. و بإمكان التقنية أن تحوّل التراكم المعرفي للمجتمع، الذي هو عنصر فاعل في الحياة المعاصرة، الی منفعة ملموسة بهدف التحكم في الطبيعة وعناصرها لصالح الإنسان.
إن عدم ممارسة البحث العلمي أو إهماله سوف تنعكس بشكل سلبي علی عملية التعليم الجامعي وفي النهاية تجعل من الجامعات مراكز لتفويج خريجين غير قادرين على تلبية متطلبات سوق العمل وهكذا يتحول الخريج، الذي لايستطيع اليوم أن يواكب كل مستجد في علوم تخصصه بعد إنفصاله من الجامعة، الي عاطل عن العمل والی عالة علی المجتمع الذي يری نفسه في طور النشوء والنمو.
التعليم هو عملية إعادة إنتاج للمجتمع ذاته ولا يمكن لمجتمع أن يعلّم أبناءه سوى ما يعلمه أو يؤمن به.
إقليم كوردستان بحاجة الی نهضة علمية مبنية علی الرؤية المستقبلية والعدل، فأساس النهضة، التي نحن بأشد الحاجة اليها، هو إعلاء الثقافة والحفاظ على الهوية الكوردستانية أولاً وأخيراً والاهتمام بالتعليم والبحث العلمي وتهيئة المناخ والحياة الكريمة للباحثين والعلماء وتقدير عملهم والسعي في تعميم العدل و تطبيق القوانين علی الجميع. فالمجتمع الذي لا يدرك بأن العصر الذي نعيشه هو عصر العلم والمعرفة، لا يستطيع أن يبني دولة ثابتة الأقدام.
نحن نعلم بأنه من الصعب علی مجتمع ما إذا كان ممسوس بالتطرف الديني ومحاط بالخيوط العنكبوتية الناعمة للتيارات الإخوانية والسلفیة أن يمنع نفوذ تلك المشاعر الی قلب المؤسسات التعليمية.
علی المؤسسات التربوية في إقليم كوردستان إذاً إرساء دعائم ومبادئ الفلسفة التربوية بما يتلائم مع النهضة الإنسانية والديمقراطية التي يشهدها العالم والعمل الدؤوب في سبيل تغيیر المناهج الدراسية في مختلف المراحل الدراسية بشكل تدريجي لكي تترسخ نواة الديمقراطية ومفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان والتعايش السلمي والمساواة والحرية والحق في الحياة وحق الحياة الكريمة لدی الجيل الجديد والمجتمع العصري بهدف مسايرة المتغيرات الاجتماعية والفكرية في العالم المتحضر.
فالتعليم يجب أن يبتعد عن التلقين، الذي يؤدي في النهاية الی تشكيل عقل أصم يعمل كمخزن للمعلومات وليس كطاقة رائعة للتفكير.
أما النظام المدرسي الحكومي، فله بالرغم من سعي الحكومة في تطويره، مشكلات شتی، منها بؤس الأبنية وقصر الوقت المتاح وتدني مستويات المدرسين والحشو المبالغ في المقررات التعليمية وقلة الصلة بين التعليم وحاجات ومهارات العمل المتاح وإنفكاك الصلة بين المعرفة والأخلاق الرفيعة فضلاً عن الشعور بالمسؤولية الاجتماعية.
الأجيال القادمة بحاجة إلى بناء ثقافي صحيح. فلكي لا نظل نفكر بالمقلوب ونعود الی الوراء أو نتأخر عن الإنخراط في العالم الجديد بثوراته وتحولاته وإنعطافاته التقنية أو المعرفية أو الثقافية، نری من الضروري عقد ندوات تربوية وفتح ورشات تدريبية خاصة للمعلمين والمدرسين، كونهم حلقة الوصل بين الفلسفة التربوية والمتلقي، بغية تجهيزهم بمفاهيم جديدة يتناسب مع أهداف خلق ثقافة لمجتمع مدني يؤمن بالمفاهيم الديمقراطية والإنسانية، تلك المفاهيم التي تنبني علی تعزيز فكرة المواطنة الكوردستانية بأساليب تواصلية بعيدة عن المنازع والممارسات والمؤسسات الأصولية والنرجسية النخبوية.
وهكذا سوف يكون الفكر في إقليم كوردستان قادراً علي إجتياز مراحل متعددة الحقول والإتجاهات للمساهمة في إتقان صناعة التنمية وهندسة العلاقات الإجتماعية بفتح خطوط للتعايش والتواصل أو خلق مجالات للتداول والتبادل. ومن لا يحسن فهم حاضره لا يحسن توظيف الماضي من أجل الإعداد للآتي.
ختاماً، "الشعوب العظيمة تبدع أفكاراً عظيمة، لكن الأفكار العظيمة لا تبدع شعوباً عظيمة."




