آن الأوان لاتخاذ القرار بشأن استقلال كوردستان

مسعود بارزاني
في الخامس والعشرين من ايلول سيتخذ شعب كوردستان قراره في استفتاء ملزم على بقائه مع العراق أم إعلان الإستقلال. إن التصويت سيجري على معالجة مشكلة قديمة قِدم الدولة العراقية، حيث تتجاوز حكومة بغداد منذ سنين على آمال وتطلعات شعب كوردستان وتتعامل مع الكورد على انه مواطن من الدرجة الثانية.
ان اتخاذ القرار بشأن تقرير المصير حق طبيعي لإقليم كوردستان العراق ولن يمس ذلك حدود أي دولة جارة أخرى، وانه ليس تهديد على أي طرف فحسب، بل سيصبح عامل استقرار اكبر في المنطقة وسيعزز العلاقات العربية الكوردية ويقويها في العراق اكثر. نحن مستعدون أن نأخذ كل مخاوف العراقيين بشأن الإستفتاء بنظر الإعتبار ونبددها.
ان استقلال كوردستان عمل سيحدث حتماً. لقد وُعِد الكورد بدولة لهم منذ نحو مئة عام بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، لكن تم بعد ذلك تقسيم وطنهم ودون إرادتهم أو مشورتهم بين العراق وايران وتركيا وسوريا. كان من المقرر ان يكون تأسيس الدولة العراقية الحديثة على اساس الشراكة والمساواة بين الكورد والعرب، لكن سرعان ماتحول الحلم الجميل الى واقع مرير. الحكومات المتعاقبة في العراق اضطهدوا الكورد، حتى وصل بصدام حسين مؤخرا في الثمانينات الى إمطار المدن والقصبات والقرى والمناطق الكوردستانية بالأسلحة الكيماوية والغازات السامة بشكل واسع، وساوى اكثر من خمسة آلآف قرية كوردستانية بالأرض ونقل اهاليها الى مناطق في جنوب العراق لإطلاق عليهم الرصاص أودفنهم أحياء في مقابر جماعية. لقد اباد 182 ألف شخص بضمنهم أعضاء من اسرتي حيث يمكننا القول ان عددهم كان يساوي مايقارب 5% من سكان إقليم كوردستان.
بعد انهيار نظام صدام حسين عمل الكورد وبجهود مضنية وبكل ما اوتوا من جهد في بناء عراق جديد وتمت صياغة دستور جديد للعراق روعي فيه حقوق جميع المكونات العراقية، كما تضمن حق الإدارة الذاتية لإقليم كوردستان. لكن وبعد 14 عاماً أُهمل العديد من المواد والفقرات الأساسية للدستور العراقي ولم يتم تنفيذها ولن يتم تنفيذها.
لقد فشل النظام السياسي في العراق، والعلاقات السنية الشيعية تدهورت بشكل كبير ما ادى الى ظهور داعش واصبح وبالاً وكارثة كبيرة على كل العراقيين بما فيهم الكورد.
يقال دوماً انه يمكن حماية المواطنين وحقوقهم أكثر في عراق واحد موحد، لكننا رأينا عكس ذلك. فعندما هاجم داعش كوردستان واستعمل تلك الأسلحة الأمريكية المتطورة التي غنمها من الجيش العراقي التي تركها في الموصل، لم تكن الحكومة الإتحادية مستعدة لتزويد الپێشمهرگة بالسلاح والعتاد ولا إرسال ميزانية إقليم كوردستان المثبت في الدستور العراقي. فلو كنا نحن دولة مستقلة لتمكنّا من تسليح قواتنا وإدارة شؤوننا بشكل أفضل وتحقيق الإنتصار على داعش بتضحيات أقل بكثير.
ان الحرب ضد داعش استحدث صيغة جديدة للتنسيق والتعاون بين الكورد والعرب يمكن الإستفادة منها مستقبلاً. ان هناك تنسيق وتعاون بين الپێشمهرگة والجيش العراقي في الحرب ضد داعش كما هو بين جيشين متحالفين، فلكل جيش منهما قيادته، وما كان هذا التنسيق والتعاون ليكون بين الپێشمهرگة والجيش العراقي والعمليات المشتركة بينهما بهذا المستوى لو ان العراق فرض سيطرته على كوردستان.
ومهما كانت نتائج الإستفتاء، نحن نعمل من اجل ان يكون لنا افضل تنسيق وتعاون مع العراقيين والقوات الغربية للقضاء النهائي على داعش. بإمكان كوردستان مستقلة ان يكون لها علاقات افضل واقوى مما هو عليه الآن مع حكومة بغداد، وان تكون جارة جيدة لها.
من الممكن ان يكون هناك تنسيق في الحرب ضد الإرهاب والمشاركة في الموارد الطبيعية ومنها( الماء والنفط والغاز) بشكل بحيث يخدم الدولتين ويصبح عاملاً للإستقرار والسلام بين العراق وكوردستان. فلولا الحصار الذي فرضه العراق على استيرادنا وتصديرنا لكان بإمكاننا ان نعمل نحن الطرفين معاً على تطوير مواردنا الإنسانية والطبيعية في سوق تجاري مشترك حر الذي هو غير موجود الآن. ففي الوقت الذي ستصبح نتائج الإستفتاء ملزماً وعلى الحكومات الكوردستانية القادمة الإلتزام بها، إلاّ ان إعلان وقت الإستقلال مرتبط بالحوار والمناقشات والأخذ والعطاء مع بغداد بالتشاور مع دول الجوار والمجتمع الدولي. وان حوارنا مع بغداد سيكون على اساس الواقع، والنقطة والخلاف الأهم في هذا الحوار سيكون على المناطق التي ستقع ضمن كوردستان. وفق الدستور العراقي كان من المفروض ان يكون الحادي والثلاثون من ديسمبر 2007 آخر موعد لتنفيذ المادة 140، ووفق تلك المادة كان على سكان تلك المناطق إقرار مصيرهم بشكل ديمقراطي، لكن وبعد مرور نحو 10 أعوام نحن نمنح الفرصة تلك لمواطني هذه المناطق، نحن نرغب في عودة المناطق التي يصوت فيهاغالبية سكانها في انتخابات حرة بارتباطهم بإقليم كوردستان. لانريد بأي شكل من الأشكال ان تصبح الخلافات المتعلقة بعدم معالجة المشاكل والخلاف على الحدود والمناطق المختلف عليها بيننا وبين العراق سبباً في تقويض العلاقات في المستقبل.
منذ ان تدير كوردستان امورها عام 1991، عملنا بكل جهودنا كي تكون لنا علاقات جيدة مع جيراننا. تركيا من اكبر المستثمرين في كوردستان ويتم تصدير النفط والغاز عبر تركيا ويخدم ذلك الطرفين، ونحن إذ نتفهم قلق دول الجوار بشأن الإستفتاء، نطمئن الجميع بأن كوردستان ديمقراطية حرة ومستقرة تصبح جارة حسنة وجيدة للجميع.
ان قيم وغنى كوردستان بألوانها وتعدديتها.
كوردستان وطن المسيحيين والأيزديين والتركمان والشبك والفيليين والكاكيين والعرب أيضاً، وتم الإعتراف بالهويات المختلفة لهذه المكونات في دستور كوردستان. لقد هرب الآلاف من المسيحيين العراقيين بعد عام 2003 من الظلم والإضطهاد في المناطق العراقية الأخرى وتوجهوا الى كوردستان، وبعد ان استولى داعش على مناطق واسعة من العراق عام 1914 إحتضن إقليم كوردستان اكثر من مليون ونصف المليون نازح قادم من المناطق العراقية الأخرى ولم تقدم الحكومة العراقية والمجتمع الدولي أي مساعدة تذكر لهم.
وبعد اكثر من 100 عام على السعي لإجبار الكورد على العيش في العراق، لم يجدِ تلك السياسة ولم يأت بالنفع لا للكورد ولا للعراقيين.
لذا ندعو الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي احترام مطالب وقرارات جماهير كوردستان الديمقراطية، ونحن على ثقة بأن كوردستان والعراق يعيشان في ظروف افضل مستقبلاً.
النص المترجم لمقال الرئيس مسعود بارزاني رئيس إقليم كوردستان المنشور في صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية.




