السلاح بديلا عن الحكمة.. والتصريحات النارية بديلا عن الحوار

زهير كاظم عبود
تمتلأ الصحف والفضائيات بالتصريحات المنفعلة والمتشنجة التي لا تخدم الحال في العراق، المحنة أن هذه التصريحات والقنابل الموقوتة يطلقها رجال السياسة المسؤولين عن سياسة البلاد واستقرارها في هذه المرحلة، ويقف ازائها المواطن العراقي مشدوها، ومن المؤسف ان هذه التصريحات لا تخدم الاستقرار ولا تفيد الحال ولاتهدم الكيان السياسي المقابل بقدر ما تحدث تشويشا وقلقا لدى المواطن العراقي مهما كانت قوميته او دينه، وتساهم في ديمومة الخوف والقلق الذي تجتاحه. هذه التصريحات والمقابلات الاعلامية في الصحف والفضائيات والمواقع الالكترونية تشكل رد فعل سلبي لعلاج حالة يمكن ان تتم معالجتها بالحكمة والحوار واللقاء وبالكلمة العاقلة، وبديلا عن كل هذا نلمس قرارات واوامر تتعارض مع الحكمة والحوار وتمعن في التباعد والفرقة، بل وتعاكس المنطق ولاتسهم في تذليل الخلافات والاختلافات، ولاتدخل في باب التطبيق السليم للمنطق. وبين تنزيل حصة الإقليم من الايرادات واقتطاعها الى تشكيل قيادة قوات دجلة العسكرية، ويدخل في وسطها فضيحة العمولة التي قيل ان مسؤولين تقاضوها في قضية السلاح الروسي والتي قرر السيد رئيس الوزراء ايقافها في حين نفى وزير الدفاع ايقافها، واطلق بعض السياسيين تصريحات متناقضة ومتعارضة ومتباينة جعلت المواطن العراقي ليس قلقا فقط انما لا يستطيع ان يستقر على الحقيقة التي يفترض ان يكون اول من يعلم بها. ما جدوى تشكيل قوات دجلة امام مهمة التطبيع وحل الاشكالات التي برزت على الساحة في الفترة الأخيرة ؟ وما جدوى وجود هذه القوات امام الاختراقات التركية والإيرانية للحدود والتي لا يمكن باي حال من الأحوال أن يردها او يردعها العراق في هذا الوقت ؟ بل وماجدوى هذه القوات ونحن نسعى الى شراء اسلحة دفاعية او مستهلكة وكاسدة من دول لم تجد سوى العراق سوقا لتصريفها ؟ بل والأكثر حيرة ما جدوى هذه القوات قبل تنفيذ ما ورد بنص المادة (58) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ؟ والتي نصت عليها المادة (140) من الدستور النافذ. ثمة من يقول انها ضمن حدود الحكومة الاتحادية ولحماية المناطق المتنازع عليها دون ان يجد تبريرا لحقيقة تشكيلها ولتسمية الجهة الخطرة عليها. ومن يتمعن في وضع العراق الداخلي والخارجي، وامام ما تجتاحه من مواقف ومؤامرات، مع ما يحدث يوميا من جرائم ارهابية وشبكات اجرامية ممولة من خارج العراق وتشترك بها اسماء في العملية السياسية لم تعد مخفية على فطنة ومعرفة المواطن العراقي، وامام الحالة الاقتصادية المربكة في وضع البنك المركزي والتذبذب الحاصل في اسعار العملة والسوق العراقية واستيراد جميع البضائع المخالفة لشروط الرصانة المقبولة في التصنيع والكفاءة والمنشأ، وامام وضع اقتصادي مرير اصبح فيه الفلاح لا يعرف ماذا يزرع ولمن يبيع مقابل استيراد البصل والخضروات والالبان والماء من دول الجوار وبالعملة الصعبة. وامام حالة العوز والفقر والبطالة وانتشار الفساد والرشوة وتردي الخدمات وازمة السكن وتراجع حالة الأمن والصحة والتربية والتعليم، كيف يمكن تبرير توجه الحكومة لأن تترك كل هذا جانبا وتتوجه الى اقرار خطوات انفعالية وتساهم في زيادة التوتر ولايمكن ان تحل الإشكاليات او تفيد الاستقرار والحال. كيف تحول شعب كوردستان من شعب حليف ومساهم في حل الاختلافات والأفتراقات بين الفرقاء والسياسيين الى شعب يشكل خطرا على الحكومة الاتحادية ومستقبل العراق؟ ومنذ متى اصبحت قوات البيش مركة البطلة مصدر خوف للحكومة يسبق كل المخاوف التي لم يتم حلها على الطاولات !! كيف يمكن تفسير التصريحات التي يطلقها بعض السياسيين لزيادة ايقاد شرارة الفتنة وجعل لهيب النيران مستعرا، فلم نزل اليوم بحاجة الى فهم الصلاحيات الدستورية للأقاليم، وان لا نتمسك بمفهوم السلطة المركزية للحزب الواحد، فالعراق لم يعد كما كان مقاطعة مملوكة للرئيس القائد الضرورة، فلدينا دستور يؤكد على السلطات الممنوحة للأقاليم، وحيث انه يقر عند نفاذه اقليم كوردستان وسلطاته القائمة اقليما اتحاديا، فان حكومة الاقليم تختص بكل ما تتطلبه ادارة الاقليم وبوجه خاص انشاء وتنظيم قوى الامن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الاقليم. كما ان لسلطات الاقليم الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وفقا لما ورد في احكام هذا لدستور باستثناء ما ورد فيه من اختصاصات حصرية للسلطة الاتحادية حددتها المادة (109) من الدستور. يقينا اننا بحاجة لأن تحل الحكمة وان يتدخل العقلاء لحل الإشكاليات التي تجتاح العراق اليوم، فقد حل الانفعال ورد الفعل بديلا عن الحوار والتقارب، وكما ان المساهمة في هذا الشكل من التصريحات واطلاق الاتهامات الجزافية لا يقرب بين المختلفين ولا يساهم في التوصل الى حلول، فالعراقي اليوم ممتلئ بالهموم، وبحاجة ماسة للاستقرار النفسي والثقة بالنفس، والعراقي اليوم بحاجة لأن يلمس جهود المخلصين والمجاهدين الحقيقيين من اجل بناء عراق فيدرالي يحكمه الدستور والقانون لا اثر للانفعالات في قراراته ومواقفه، هذا اذا كنا حقا نطمح بان يكون العراق جمهورية اتحادية فيدرالية وديمقراطية .




