عسكرة دجلة الخير لماذا......!!

هاوار كاكه يى
قبل اعوام خلت ، اتحفنا الشاعر الكبير الجواهرى قصيدته المسماة – يادجلة الخير – التى لم تزل تطرب لها اسماعنا ،وتبهج قلوبنا رغم المحن ...فدجلة تسقى اراضينا وتروينا ، هكذا علمنا شاعرنا الفذ ،أذ تمد مرابعنا بالخصب والاخضرار وبهجة الحياة .
منابعها كوردستانية، ومجراها جبلية سهلية انحدارية حلزونية انسيابية حتى مصبها الخليجى ،تشع شواطيها شموعا، وتدر خبزا ونعيما لشعب طالما يعشق الحياة ويجلها.
يومها عشنا عرس دجلة الخير ،ومعها الفرات والزابين والوند وسيروان ،شرايين الوجود والديمومة بين ظهرانينا، فلولا هذه الانهرالمعطاء لتحول العراق الى واحة جرداء ،لاتصلح الا لاقوام الرحل ولقوافل حادى العيس ومضائف لا يسمع منها غير صوت الربابة والناى ودكة الهيل و ودخان القهوة المحمصة .
تلافيف دجلة بمرور الزمن تنوعت حتى راح بعضهم يفتش فى اعماق الماضى عن دفاتر قديمة عله يجد ضالته بين قمامات السلف اللعين ،ليستقوى بها ويرمى الاخرين بسهام دجلة ، وهذا ما فعله المالكى رئيس الوزراء العراقى ومن يملكه من وراء الحدود .
لاريب ان تراجع المركز عن نهج الشراكة الدستورية، وعن مبدأ التوافق الذى تاسست على ضوئها الدولة الاتحادية الحديثة ،بعد التحرير، بدرجة يخجلون حتى ذكر الفيدرالية فى خطاباتهم وبلاغاتهم الرسمية والاعلامية .
بزوال حكم الطاغية صدام حسين ، استبشر المواطنون بحلول عهد جديد ، ولكن سرعان ما اصطدمت تلك الاحلام الوردية بجدار الطائفية والمذهبية وبشراكة ملغومة هشة ، تخدم الفئوية وتخدم مخططات اقليمية صرفة على حساب الوطن والدولة واستقلاليتها .
عمليا خسرت "السنة" المعركة بادىء الامر لابسقوط الصنم فحسب ، بل عند احجامهم الدخول فى العملية السياسية وذلك لحسابات مرحلية خاطئة ، واللاعب الحاضر كان الكورد والشيعة وذلك لاعتبارات تتعلق بمظلوميتهم وتهميشهم فى الحياة السياسية منذ تأسيس الدولة العراقية فى 23 آب 1921م ،وكذلك كان
هناك عامل آخرهو مكانتهم وثقلهم السكانى والبشرى ، هكذا تضافرت جهودهما بادراة البلاد ، ريثما تستتب الامور ويشارك الجميع فى تحمل اعباء المسؤولية الكاملة ودفع عجلة الحياة الى الامام .
ان مشاركة الكورد فى عملية التحرير كان جليا وفعالا على امل الحصول على كامل حقوقه القومية المشروعة بعد التغيير ، لانهم يمثلون القومية الثانية فى البلاد ، سبق وان خاضوا كفاحا مستميتا عبر سنوات طويلة ضد الانظمة الدكتاتورية المتعاقبة فى بغداد ،وقدموا سيلا من الدماء والارواح وخسائر مادية لاتقدر اثمانها ،وما فواجع الثمانينيات من انفال وقصف بالسلاح الكيمياوى لقصبة حلبجة وتهجير لسكان كوردستان وما تعرضت لها من تعريب وتبعيث بهدف التغيير السكانى والاثنى لمعظم مناطق كوردستان الا نموذجا على البربرية والقسوة، تندرج هذه الممارسات ضمن مفهوم الجينوسايد وابادة الجنس البشرى طبقا لمبادىء لائحة حقوق الانسان الدوليةذات الصلة .
وكان الاولى بحكومة الجعفرى ومن ثم الملكى ، ان تعتذر رسميا للشعب الكوردى فى العراق ، وذلك فى خطوة ايجابية منها لبيان حسن النية وتوطيد التلاحم الوطنى وتتخذ اجراءات وتدابير منصفة ، لاصلاح البين ونسيان الماضى الاليم ، والشروع باصلاحات جذرية وجادة فى بنية الحكم والادارة على كافة الاصعدةعلى اسس ديموقراطية وفيدرالية وتعددية ،تؤمن الامن الاجتماعى والحياة المرفهة لكافة المكونات والاقليات القومية والدينية بمسلميه ومسيحييه وتركمانه ويزيدييه وشبكه وصابئته وغيرهم .
على النقيض من تلك بالضبط ، راحت الجهات العليا فى الحكومة المركزية تفتش عن الاوراق القديمة وعن الاساليب القسرية لمحاصرة الشعب الكوردى واقليم كوردستان المتحرر اصلا منذ اتفاضة ربيع عام 1991 م ،اذ بادر المالكى الى احياءقوة " عمليات دجلة "والتى سبق وان شكلها الرئيس العراقى الاسبق المشير عبد السلام عارف عام 1963 م ، اثر اقلابهم المشؤوم فى الثامن من شباط الدموى، الذى بدوره جر البلاد الى المآسى والويلات ، ومن ثم اعلنوا الحرب فى كوردستان فصارت هذه البقعة الجغرافية الجميلة من العراق بفضل حكام طائشين وكاريثيين ،مسرحا لعمليات عسكرية برا وجوا مما اضطر البيشمه ركة البواسل بقيادةالبارزانى الخالد التصدى لقوات دجلة وللقوات المتجحفلة معها ، لم تصمد قوات دجلة امام بسالة ثوار ايلول مما دعا المشير عبد السلام عارف الى طلب النجدة من الحكومة السورية " البعثية " آنذاك بحجة الدفاع عن البوابة الشرقية !
فى التاسع من حزيران عام 1963 م ،استجابت الحكومة السورية للطلب العراقى فارسلت قوة " اليرموك " بقيادة الجنرال فهد الشاعر ،هذا ما اورده السيد ادهم بارزانى ( احد قياديى الحزب الديموقراطى الكوردستانى ) مؤخرا فى تصريح صحفى له ، مضيفا بان "قوات دجلة " قامت بالفعل باعتقال 86 مواطنا من اهالى مدينة السليمانية ، وطالبتهم باهانة صورة البارزانى الخالد التى عرضتها عليهم ، الا ان هؤلاء المواطنين الشرفاء ابوا ان يهينوا قائد امتهم امام الغزاة مما ادت الى دفنهم وهم احياء !!
وقال السيد أدهم بارزانى ايضا ، بأن قوات الحكومة العراقية آنذاك احتلت بتارخ 26 حزيران من العام نفسه مناطق :كلى على بك وسوران وسهل حرير ، وكان هذا الاحتلال وقتيا ولم يدم طويلا ، اذ منيت بهزيمة نكراء امام ضربات قوات ال بيشمه ركة وجماهير الشعب ، المدافعة عن ارض الاجداد الطاهرة وادخل الفزع والهلع فى صفوف القوات المهاجمة والمنهارة معنوياتهم فى جبهات القتال وعلى ضوء هذا المشهد الخاسر للقوات الحكومية ،جاءت نجدة قوة "اليرموك " السورية حيث عبرت الحدود العراقية من نقطة قرب مدينة زاخو وكان فى استقبالها الجنرال فيصل شرهان العرس قائد اللواء الثامن من الجيش العراقى .
ولكن غالبا ما تسير الرياح بما لا تشتيها السفن ، لم يكن مصير قوة " اليرموك " احسن من قرينتها قوات اللواء الثامن المرابطة فى كوردستان ، ما ان هاجمت القوتان العراقية والسورية مواضع الثوار حتى تشتت مجاميعهم وتركوا جثث قتلاهم من الجنود والضباط والفرسان فى ارض المعركة وولوا هاربين صوب الحدود ،ولعل ان بعض من ظلوا احياء الى اليوم من الضباط والقادة العسكريين يتذكرون هذه الواقعة جيدا .
اقوله للتاريخ وللحقيقة بان اذاعة " صوت كوردستان العراق " ما انفكت تذيع بلاغات باللغتين العربية والكوردية صادرة من قيادة الثورة الكوردية،تحث الاهالى والبيشمه ركة باجلاء الجثث ودفنهم حسب الشريعة السماوية السمحاء .
كانت هذه لمحة عاجلة عن "قوات دجلة " العارفية والهدف الخسيس من تشكيلها فى الماضى ، اما اليوم يحاول المالكى وحزبه و "دولته القانونية "عسكرة الحياة من جديد ويتجاهل السنة والكورد علنا وحتى حلفائه – التيار الصدرى والحكيم والفضيلة وغيرها من الفصائل والجماعات والقوى العراقية فى الساحة السياسية ،ففى فرمان سلطانى المرقم 372 الصادر من ديوان المالكى بتارخ 31 من تموز 2012 م ، يأمر بتشكيل قوة عسكرية خاصة سماها ب " قوات دجلة " تتمتع بصلاحيات واسعة، على ان يتم اخضاع جميع قوات وزارتى الدفاع والداخلية فى محافظات كركوك وديالى لهذه القوة ، وبامرة ضابط الانفالات والقادسيتين الفريق الركن عبد الامير الزيدى .
علما بان كل هذه الامور الحساسة تجرى خارج اطار القانون اوالبرلمان او التشاور مع الكتل والاطراف الاخرى ، مما اثار جدلا واسغرابا بين هذه الاوساط ومن لدن المواطنين ايضا ، واعتبروها بادرة تفرد واحتكارللسلطة وتكريس لديكتاتورية " دعووية " جديدة ، ويرونها سابقةخطيرة فى تاريخ العلاقات الوطنية.واعلان خفى للحرب ضد شعبنا الكوردى .
حدد المالكى مسرح عمليات " قوات دجلة " وتحركاتها ضمن المناطق المستقطعة من اقليم كوردستان وبالتحديدالمناطق المشمولة بالمادة 140 الدستوريةوالتى ماتزال تماطل حكومة المركز فى تنفيذها وتطبيقها وفق القانون والدستور العراقى .
وفى هذا السياق تشير التقارير الصحفية بان "قوات دجلة "" تحتل نصف مساحة محافظة كركوك وخاصة من الجهة الجنوبية الشمالية والغربية اى المناطق المتاخمة لابار البترول مرورا بمنطقة " حمزلى و تسعين "والى المنطقة الصناعية وانتهاء بطريق بغداد فقصبة تازة خورماتو .
كما ذكر ايضا " شفق نيوز " الموقع الرسمى للاتحاد الوطنى الكوردستانى بان " قوات دجلة " الما لكية قامت مؤخرا بتعيين 3000 عنصرا _ عربيا – برتبة جندى متطوع على ملاكها من سكنة مدن بعقوبة وبغداد ووتكريت والحويجة وحثتهم بنقل عوائلهم الى مدينة كركوك .
كما اشار السيد فاضل ميرانى سكرتير الحزب الديموقراطى الكوردستانى فى مقابلة صحفية اجريت معه مؤخرا بان تعميق الخلافات وزيادة التوتر الحاصل بين بغداد واربيل بشأن القضايا المعلقة بين الطرفين كالنفط والغاز والميزانية والبيشمه ركه والحدود الادارية ومسائل حيوية اخرى ، يتحمل تبعاتها نورى المالكى .
ولا نغالى اذا قلنا بان الرئيس مسعود بارزانى هو اول من نبه العراقيين الى الاعيب المالكى وفضح مواقفه السلبية والتهرب من التزاماته تجاه الشعب العراقى عموما ، وتجاه الكورد خصوصا وان مجمل خططه مريبة ، ويحاول اللعب بالنار من جديد ، ولا يتعظ من دروس سلفه ويكرر نفس الاخطاء القاتلة ،
بتبنيه النهج الديكتاتورى فى التعامل مع الاحداث ومع الاخرين .فى حين وخلال الازمة الحالية التى تمر بالبلاد نجح الرئيس بارزانى فى تقريب المواقف والاراء لمختلف الكتل والاحزاب والاطراف العراقية تمخضت تلك الجهود باتفاقية اربيل لحلحلة الاوضاع عن طريق الحوار والتفاهم للسير بالبلاد نحو الامان والبناء .
والرئيس مسعود بارزانى يعتبر اليوم فى نظر الكثيرين بانه زعيم شرق اوسطى ومرجعية صادقة وبامتياز ،يحتاجه العرب والاكراد والتراك والفرس والخليجيون والغرب على حد سواء ، نظرا لمواقفه المبدئية المشرفة حول قضايا الامة والمنطقة برمتها ، ونظرته الثاقبة وشخصيته الرزينة والمعتدلة ،وهو ذوخبرة و حنكة سياسية وديبلوماسية فذة قلما نجدها لدى اقرانه من القادة ورؤساء العالم فى العصر الحديث .فهو صاحب قضية مقدسة كرس حياته من اجل اعلاء شأن امته بين الامم ، لا يعرف المساومة او المزايدات الرخيصة تربى فى مدرسة النضال القومى والوطنى ، لا فى كواليس مظلمة ،يحمل فى قلبه هموم جيله والذين لم يولدوا بعد والتواق الى الحرية والدولة الكوردية المرتقبة ،هاجسه كوردستان اولا وتحت الشمس ابدا، مناضل فى الصف النضالى الاول ، تتجذر سيرته من مهاباد موطن الجمهورية الكوردية المغدورة الاولى ، فهو بحق شاهد على العصر اذ يختزن فى ذاكرته قصة شعب يبغى الذرى هذا ما لمسته من رئيسنا بانى كوردستان الحديثة وكما اعرفه وما دونته هنا ليس اطراءا ، بقدر ماهو تعبيروجدانى عن رؤيتى وانطباعاتى "الصحفية "عن سيادته، ومن يحاول المساس بالامن القومى الكوردى فى زمنه ، كائنا من كا ن عن قريب او بعيد ،سوف لايحصد الا الريح والخذلان .
يقينا ستنهض " دجلة الخير " من كبوتها وتتعافى وتتحرر من عسكرتها ومن عبثية الطارئين ،ومن ادرانها ، وستجرف مع موجاتها وخريرها الهادر كل الزبد ...!
هه ولير




