الأقليات في النظام الليبرالي

شفان ابراهيم
كانت هيمنة الدول على بعضها البعض في القرن التاسع عشر مرتبطة بالاستعمار، ثم بالقوة العسكرية، وتحولت في القرن العشرين إلى الهيمنة الاقتصادية، وهي الآن في القرن الحادي والعشرين تطل برأسها من خلال الثقافة ومحاولة الاختراق الثقافي للبنى التقليدية من جهة، ومن جهة أخرى محاولة زرع فكر وممارسات تلك القوى داخل الدول المراد دخولها، عبر متواليات ثقافية بقوالب جاهزة، وهنا لا نستخدم الثقافة بمفهوم الفنون والآداب وحدها أو بالدرجة الأولى، بل أن السيطرة الثقافية هي ككيان مركب ينتقل من جيل إلى جيل، وهي المتكونة من المعرفة، اللغة، المعتقدات الدينية، الفنون، الأخلاق، العادات، العرف، التقاليد، القانون، وسائل الترفيه المستوردة، برامج التسلية المستهدفة للأطفال...الخ. وهو ما انتهجته الأنظمة الشمولية ضد الشعوب والأقليات طيلة العقود المنصرمة ومن قبل الحكومات المتعاقبة على حكم تلك الدول. في العالم حوالي 6 آلاف لغة لكن 96% يتكلمون4% فقط من تلك الـ 6 آلاف لغة، نتيجة اندثار، أو اختراق، أو محاولة طمس باقي اللغات الخاصة بالأقليات.
بين الأكثرية والأقلية
شهدت الأربعين سنة الأخيرة ثورة حقيقية في جميع أنحاء العالم في العلاقات بين الدول والأقليات العرقية، فلقد بدأت تختفي النماذج القديمة للدولة القومية ذات النسيج المتماثل، وازدادت المنازعات حولها وحلت محلها نماذج من التعددية الثقافية للدولة والمواطنة، ووصل الأمر إلى قبول حق استقلال الأراضي واللغة للأقليات القومية، والاعتراف بمطالبهم وحقهم في الحكم الذاتي بالنسبة إلى الشعوب الأصلية، وما كان لهذه التغييرات أن تكون لولا التدخلات الدولية، علماً أن دراسة الأقليات هي موضوع اهتمام دولي مشروع وقانوني وينبغي أن تخضع للمعايير الدولية. لكن هل حل مشاكل الأقليات يكون عبر هدف ومعايير وقواعد يمكن أن تنطبق على جميع الأقليات؟، أم أن الهدف هو صياغة قواعد مختلفة لأنواع متعددة من الأقليات، ( جماعات مهاجرة، أقليات قومية، شعوب أصلية).
الخصوصية القومية عامل قوة أم ضعف
قد تكون السياسات العرقية قوة مزعزعة للاستقرار، تضعف الديمقراطية والتنمية، فهل الهدف هو فتح المجال لسياسات التعدية الثقافية الديمقراطية النابضة بالحياة، أم أن الهدف هو كبت واحتواء الحراك العرقي المزعزع للاستقرار؟ إن أي معيار لحقوق الأقليات لابد أن يكون مستلهماً من التعددية الثقافية الليبرالية التي ترتكز على أن سياسات الاعتراف، ومساندة التنوع العرقي يمكن أن توسع الحرية البشرية وتقوي الحقوق الإنسانية، وتقلل من الهيراريكة* العرقية والعنصرية وتعمق الديمقراطية. ربما كانت حالة طبيعية أن تكون التعددية الثقافية الليبرالية أمرا مستهجناً ومرفوضاً من قبل النخبة الحاكمة التي لا ترغب في مشاركة سلطاتها مع الأقليات.
في عداء التعددية الليبرالية
من المرجح أن أكثر الأسباب شيوعاً لهذا العداء يكمن في التحليل السيكولوجي لتلك الفئات التي ترى أن قوميات وأعراق ستسعى نحو بلورة هوية خاصة بها، وهو ما يعني فتح ثغرة جديدة بين النخبة المتحركة التي تنتقل باتجاه هوية جمعية، وبين من يركز ثقله في فرض هوية خاصة بالفئة الحاكمة. لذا وللحد من هذه الممارسات لابد من تفعيل التطور السياسي للتعامل البناء مع مسائل التنوع من خلال تأسيس برامج تعليمية لتعليم قيمة التسامح في المدارس وأجهزة الإعلام لابتكار ثقافة متداخلة، وحوار ديني متبادل وفهم متبادل، وبعمومية أكثر الترويج لأفكار الحداثة وما بعد الحداثة بشأن الهويات المتعددة والمتداخلة لتحل محل مفاهيم ما قبل الحداثة حول التضاد الثنائي الثابت بين الـ( نحن) والـ( الآخر)، ولتحل مكانها ثنائية التوافق الـ( نحن) و الـ( نحن) وهي ثنائية فرض عقلية التقابل عوضاً عن التقابل غير المتكافئ.
*الهيراركية: تفاوت في المراتب والأدوار
المراجع:
ويل كيميليكا: الأوديسة - التعددية الثقافية
جيرار ليكلرك: العولمة الثقافية الحضارات على المحك




