٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

الديمقراطية وحق تقرير المصير

المصدر: KDP.info


لم تكن الأقدار منصفة مع حق وحلم الأكراد المشروع في العيش ضمن دولة مستقلة، كما حصل ذلك مع العديد من الشعوب والقبائل والملل في غير القليل من بقاع هذا الكوكب المترامي الاطراف. لقد منحت الصدف التاريخية وارادة القوى العظمى التي اعادت تقسيم اسلاب امبراطورية بني عثمان، الحق لمجموعات صغيرة متناثرة هنا أو هناك لتأسيس دول وامارات وممالك، وحرمت أحد أكبر وأقدم شعوب الشرق القديم (الكُرد) من هذا الحق المشروع.

وكل من يقرأ شيئاً عن تاريخهم وانتفاضاتهم وكفاحهم المتواصل وحجم التضحيات التي قدموها من أجل نيل حقوقهم المشروعة في تقرير مصيرهم كباقي الامم، يندهش للمآل وحال التشرذم والضعف الذي ما زالت تعيشه هذه القضية العادلة عند مختلف فصائلها ورقعها الجغرافية.

وكما أخفقت محاولة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية من تحقيق ذلك الحلم، كذلك تم الاجهاز بكل وحشية على أول جمهورية للأكراد (جمهورية مهاباد) في كردستان ايران وتم تصفية زعماءها وعلى رأسهم رئيس تلك الجمهورية المغدورة (قاضي محمد).

لكن وبالرغم من كل الوسائل الوحشية التي اتبعت من قبل الانظمة المستبدة للقضاء على تلك التطلعات العادلة والتي نص عليها ميثاق الامم المتحدة نفسه، الا ان هذا المشروع (الدولة الكردية) ظل يشكل محوراً اساسياً لاحلام مختلف الاجيال الكردية.و بعد فشل محاولة الشيخ محمود الحفيد في تحقيق استقلال كردستان، وظهور العراق الجديد بعد نهاية الحرب العالمية الاولى، عبر دمج الولايات العثمانية الثلاث السابقة؛ بغداد والبصرة والموصل، انخرط الكثير من الأكراد في تأسيس المملكة العراقية والتي ظهرت الى الوجود عام 1921 بقيادة الملك فيصل الأول. والمتابع لتلك المرحلة التاريخية، يجد ان فتوراً ملحوظاً قد لحق بالنزعات القومية والتيارات الراديكالية عموماً، وذلك بفعل سياسة الملك فيصل الاول والتي اتسمت بالحكمة والاعتدال واتاحة المجال لممثلي جميع الطوائف والقوميات في المشاركة بصورة متوازنة في مؤسسات الدولة الفتية.

وليس بمقدور أحد أن ينكر تلك الادوار والمسؤوليات المهمة والخطيرة والتي اسندت الى شخصيات كردية مرموقة مدنية وعسكرية، من منصب رئيس الحكومة ورئيس هيئة اركان الجيش ووزراء الى آخر هرم الوظائف الادارية والسياسية.

غير ان هذه البداية الليبرالية لم تلبث ان تعرضت للتصدع بعد وفاة فيصل الاول المفاجئة لتدخل البلاد على يد خليفته الملك غازي الى طور جديد انتعشت فيه النزعات الراديكالية والتطلعات القومية مقرونة بتنامي طموح البعض من جنرالات المؤسسة العسكرية.قي مثل تلك المناخات حيث انكمش دور وجاذبية الفكر والتيارات الوسطية والليبرالية لصالح الاتجاهات والميول المتطرفة قومياً وآيديولوجياً، بدأ مشروع (الأمة- الدولة) الذي مهد له فيصل الاول بالشحوب مقابل مشاريع اخرى تتقاطع وذلك المشروع.

وفي بعض المنعطفات التاريخية نجد تلاقي ملفت للنظر بين متشددي القوميات وخاصة العرب والكرد في التصدي لذلك المشروع (العراقي) كما حصل عام 1963 عندما اجتمع الشتيتين العربي ممثلاً بعبد السلام عارف وحزب البعث، والكردي بزعامة الملا مصطفى البرزاني للاطاحة بمشروع الجمهورية الاولى وزعيمها عبد الكريم قاسم. لقد كلفت تلك المواقف والتحالفات البعيدة عن الحكمة والمسؤولية سكان هذا الوطن المنكوب بالنزعات المتطرفة الكثير من الآلام والفواتير الباهضة، والتي لم تستثن لا العرب ولا الكرد ولا العجم...مثل هذه الدروس المريرة، يجب التوقف عندها طويلاً، كي نجد ما يمكث في الارض وينفع عيال الله من مختلف الاثنيات والالسن والازياء.

لم يعد هناك المزيد من الوقت والارواح البريئة والثروات المادية والروحية كي نستنزفها مرة اخرى في الهرولة خلف الشعارات الخائبة والبيارغ الشعبوية المدمرة. وكل من مازال يملك شيئاً من التوازن العقلي والروحي لا يمكن له الا ان يكون الى جانب جميع الامم في تقرير مصيرها بنفسها من دون عسف أو قهر.

لكن في ذات الوقت لا يمكن ان نسمح مجدداً للقوى المتشددة والانتهازية من امتطاء مثل هذه الغايات النبيلة للوصول الى مقاصدها المتنافرة وتلك التطلعات المشروعة في الحرية والكرامة وحقوق الانسان. لقد تميز العراق وسكانه من مختلف المشارب والثقافات انهم كانوا مبادرين في مناصرة الافكار الانسانية والتحررية، وقد رفع احراره منذ عقود خلت شعار (الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان) والذي يعكس الوعي العميق للصلة الوثيقة بين الديمقراطية وحرية الشعوب والاقوام في تقرير مصيرها، كما ان الوقائع تشهد على تلك المحطات من الكفاح المشترك لجميع القوى الديمقراطية مع قوى التحرر الوطني الكردية، والتضحيات الكبيرة التي قدمتها في هذا المجال. لقد اثبتت تجربة الشعوب والامم الحرة، حقيقة ان النضال من اجل القضايا العادلة لايمكن تجزئته.

لذلك لا يمكن فصل مصير التجربة الديمقراطية الفتية في بغداد عن ما يحصل في اربيل وهكذا على صعيد العراق ككل.فالديمقراطية في العراق تحتاج الى ديمقراطيين وكذلك هو الحال مع حق تقرير المصير ومشروع الدولة الكردية الذي هو بأمس الحاجة للقوى والسبل الديمقراطية الحقيقية. ويبقى الهدف النهائي لكل هذه المشاريع هو الانسان؛ حريته وكرامته وحقوقه في هذا العالم الذي يزداد تراصاً، عالم القرية الكونية.لذلك كله لا يمكن فصل أمر هذه القضية العادلة للشعوب الكردية عن حالة مجتمعات ودول المنطقة، التي عانت من سطوة أبشع التجارب الدكتاتورية وماخلفته من آثار مدمرة على حاضر ومستقبل سكان هذه الأوطان القديمة، وعلى العلاقات بين أقوامها وشعوبها وقبائلها.

هذه الآثار والمخلفات السلبية تقع على رأس المهمات التي تتطلب من القوى الديمقراطية الصاعدة ان تتعامل معها، كي تحلها وفق التجربة الانسانية المجربة وميثاق الامم المتحدة والاتفاقات الدولية. ولقد اثبتت التجربة التاريخية ان حل هذه القضية لن يأتي عبر المزايدات السياسية والشعارات الشعبوية والحماسة الشوفينية، بل عن طريق الكفاح المشترك للقوى الديمقراطية المتعددة المشارب والألسن والأزياء.

جمال جصاني
من اسرة تحرير «الصباح الجديد»
 

أخبار ذات صلة