الحلم الكوردي والسبيل له

إحسان علي سليمان
الحلم الكوردي في إقامة دولة كوردية، أصبح عمره الآن 101 عام، لكنهُ لا يزال حياً. ويبدو بوضوح إنه أكثر قوة وحيوية من السنوات المئة الماضية، رغم إنه ولِدَ في ظروف كانت أنسب من الظروف الحالية.
إن الغبن التأريخي الذي لحق بالكورد لا مثيل له في الكرة الأرضية، ففي نفس السنين التي كان الكورد يسعون لتأسيس دولتهم بعد إنهيار الدولة العثمانية، في تلك السنوات ولِدَت دول، نفوسها يقل عن ربع مليون، ومساحتها أصغر من مساحة قضاء من أقضية كوردستان، بينما نفوس الكورد كان حينها أكثر من 25 مليون ومساحة الأرض التي يعيشون عليها من آلاف السنين تمتد من جنوب أرمينيا حتى شمال العراق، مرورا بعدة دول منها إيران وتركيا وسوريا وروسيا.
حيث إن وأد معاهدة سيفر، لمصالح إستعمارية، على حساب الحلم الكوردي، كان بداية لتأخر قيام الدولة الكوردية حتى يومنا هذا، وإن بريطانيا العظمى، ككل المستعمرين، تنظر للقضايا الدولية ولثورات الشعوب ومصالحهم، عبر منظار مصلحة شعبها هي، دون الإكتراث لحقوق الآخرين.
ومنذ ذلك التأريخ، وبدل أن يعطى الشعب الكوردي حقه في إقامة دولتهِ، صارت كل الحكومات المتعاقبة في كل البلدان التي يقع فيها جزء من كوردستان، تُمعِن في ظلم الكورد وإضطهادهم، بطريقة تجعلهم في أحسن الظروف مواطنين من الدرجة الثانية في تلك البلدان.
لذا ظهرت الثورات الكوردية هنا وهناك مثلاُ، في العراق ثورة بارزان سنة 1931 ، وفي إيران أعلنت دولة كوردية سنة 1946 التي عاشت اشهر فقط، ثم الثورة الكوردية في 1961 في العراق. وفي تركيا ظهرت ثورة حزب العمال الكوردي، لكن القضية الكوردية وحق الكورد دائماً كان ورقة سياسية يستثمرها ويستفيد منها السياسيون والدول المتناحرة على حساب مصالح ومستقبل هذا الشعب الطيب.
ولو إن ربع الوعود التي تلقاها الكورد تحققت، لكانوا حققوا الكثير من آمالهم ومن سنين طويلة، لكن دائما النكول والخداع والتهرب من الوعود هو ديدن من تعامل مع هذا الشعب الطيب.
اليوم وبعدما أصبحت معاهدة سايكس بيكو ميتة إيكلينيكياً، وبعدما تحقق في كوردستان العراق كيان إداري مهم شبه متكامل، أصبح الكورد يسألون، أما آن الأوان لإعلان الدولة الكوردية؟ هل نخسر فرصة كالتي خسرناها بعد الحرب العالمية الثانية؟ ويسأل الجميع أين السبيل؟ وماهو مخطط ورأي القيادة السياسية لكوردستان العراق؟
أذكر كلمة عظيمة قالها الرئيس مسعود بارزاني سنة 1991 "إن عصر السلاح في إنتزاع الحق إنتهى، نحن الآن في عصر إنتزاع الحقوق سلمياً"، على هذه الإستراتيجية العظيمة سارت سياسة كوردستان طوال الربع قرن الماضي، وكانت النتائج رائعة حسب تقديري الشخصي.
اليوم، وحيث بدأ الحلم الكوردي بالنضوج لدرجة أصبح في متناول اليد، وقاب قوسين أو أدنى، من الضروري وضع خارطة طريق لتحقيق هذا الحلم. وبتواضع أرى إن خارطة الطريق مستَلهَمة مما قاله كاك مسعود سنة 1991 هي كما يلي:
أولاً: إعلان قيام الدولة الكوردية لكوردستان العراق أولاَ وعبر الخطوات التالية:
أ: كتابة الدستور، وتضمينه حق إعلان الإستقلال وتقرير المصير
ب: بدء الدبلوماسية الكوردية بالتحرك لإنتزاع دعم وتأييد وإعتراف أكبر عدد من الدول بالدولة الكوردية في حالة إعلانها.
ج: تركيز الإعلام الكوردي على تعريف الآخرين وخاصة العراقيين من غير الكورد، بمظلومية الكورد عبر التأريخ، وإيجابية ولادة الدولة الكوردية التي سترتبط بعلاقة توأمية مع العراق، وإبعاد مفهوم إن إعلان الدولة الكوردية هو عمل عدائي أو سلبي. لكسب الرأي العام العالمي
د: تخويل القيادة من خلال إستفتاء جماهيري، لإعلان الدولة الكوردية في الوقت الذي تراه مناسباً.
ثانياً: السعي لإنتزاع قرار أممي بتأسيس كوردستان الكبرى وتشكيل لجنة عالية المستوى تضم كورد كل الدول مهمتها هو التهيأة لمثل هذا القرار، وحيث إن الأمة الكوردية محاطة بثلاثة من أكثر القوميات تشدداً تجاه المطلب الكوردي في العصر الحديث، وهم الفارسية والتركية والعربية، وحيث إن أي من تلك الدول التي تحكمها هذه القوميات الثلاث لن تتقبل فكرة كوردستان الكبرى، لذا توجب إنتظار إستكمال الحركات الكوردية إستمكانها في كل من إيران وتركيا وسوريا، لتكون عالية الجهوزية، في حالة البدء بإجراءات قانونية عالمية لإنتزاع قرار من الأمم المتحدة بالإعلان عن تأسيس دولة كوردستان على كل الأراضي التي يعيش فيها غالبية كوردية ولجميع الدول، حينها نكون قد وفرنا ثلاثة عوامل مهمة وهي
- رسوخ ثقة العالم والمجتمع الدولي بالكورد، من خلال دولة كوردستان العراق، وإستثمار علاقات الدولة الفتية مع العالم، لبلورة مشروع كوردستان الكبرى
- إشتداد قوة وإمكانية الكورد والحركات الكوردية، لمقاومة أي طاريء أو رد فعل متهور
- كسب الوقت اللازم لتجانس الأفكار والتوجهات للحركات الكوردية خشية حدوث أي تصدعات مستقبلا لن تكون في صالح المشروع العظيم
إن قرار برلمان كوردستان بإرسال قوة من البيشمركة للقتال في كوباني، كان في رأيي المتواضع، هو ولادة جنين الدولة الكوردية العظمى، وتحقيق الحلم الكوردي.... الذي لم يعد حلماً، بل مطلباً ملحاً يفرض نفسه
لكن من ينتظر 101 عام، من المنطق أن لا يعتبر أشهر أو سنة أو سنتين هي مدة طويلة... طالما السعي هو بالإتجاه الصحيح.




