الرئيس مسعود بارزاني: التضحية والبيشمركايتي لا تعنيان بالضرورة حمل السلاح فقط فالنضال الأهم في هذه المرحلة هو نضال العِلم والقلم

احتضنت قاعة سعد عبد الله للمؤتمرات في أربيل يوم الجمعة الماضي أعمال المؤتمر العلمي الكوردي العالمي الثاني بحضور رئيس الاقليم السيد مسعود بارزاني وعدد من الوزراء في حكومة اقليم كوردستان وفلاح مصطفى مسؤول دائرة العلاقات الخارجية بحكومة الاقليم ونوزاد هادي محافظ أربيل وأكثرمن 600 أكاديمي يمثلون نخبة من الكفاءات العلمية الكوردية من داخل وخارج الاقليم، بالإضافة إلى قناصل عدد من الدول العاملين في الاقليم، وأصدقاء الشعب الكوردي من دول أوروبية واقليمية مختلفة.
الإعلاميون والصحفيون تقاطروا على قاعة المؤتمر منذ بواكير الصباح الأولى لتغطية هذا الحدث التاريخي الذي يشكل انعطافة كوردستانية جديدة ضمن توجهات السيد رئيس الاقليم في الإنفتاح على الدول المتقدمة من خلال الكورد المغتربين فيها، لتشكل مبادرة في وضع الخطوات الأولى لإفادة الوزارات في اقليم كوردستان من خبرة وتجارب الكفاءات المهاجرة التي ساهمت في بناء الحضارة والمعمار في دول الشتات واليوم جاء دورها لتساهم كذلك في بناء كوردستان وترفد مؤسساته بخلاصة تجاربها وآرائها العلمية والبحثية في جميع المجالات، وتستمر أعمال المؤتمر لمدة أربعة أيام، وكان اليوم الأول للمؤتمر مخصصاً لمناقشة القضايا الصحية والطبية والتباحث حول آلية تطوير عمل وآداء المؤسسات والمراكز الصحية في كوردستان عبر عرض تجارب الدول المتقدمة في هذا القطاع الحيوي.
وألقى السيد رئيس اقليم كوردستان مسعود بارزاني كلمة بمناسبة إنطلاق أعمال المؤتمر هذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
أرحب بالجميع وأُعبِّر عن بالغ سروري بحضوركم للمؤتمر العلمي الكوردي العالمي الثاني وهي خطوة مباركة وأتمنى لمؤتمركم النجاح ولكم قضاء أطيب الأوقات في وطنكم ومدينتكم التاريخية أربيل.
اليوم مناسبة عظيمة نرى من خلالها أبناء كوردستان وأصدقاءها يضعون تجاربهم وخبراتهم في خدمة التجربة الكوردستانية وحكومة الاقليم،أشكركم مرة ثانية من صميم قلبي لتجشمكم عناء السفر والمشاركة في هذا المؤتمر، كما أقدم شكري وامتناني إلى جميع الذين ساهموا في تنظيم المؤتمر وإنجاحه.
وأضاف سيادته: التضحية و(البيشمركايتي) لاتعنيان بالضرورة حمل السلاح فقط،فأنتم أيضاً كنتم بيشمركة لكوردستان من خلال ما حققتموه من إنجازات في جميع المجالات العلمية والثقافية، فالنضال الأهم في هذه المرحلة هو نضال العِلم والقلم.
اقليم كوردستان وفي كل المراحل التي قطعها كان ومازال بحاجة إلى الخبرات والكفاءات العلمية لتحقيق تطلعات شعبنا والعمل على بناء اقتصاد كوردستاني متين يعتمد على القدرات الذاتية لتحقيق الاكتفاء الذاتي المنشود.
كما تعلمون كانت كوردستان طيلة العقود الماضية محتلة وكان شعبها يرزح تحت نير الاحتلال والاضطهاد، وبفضل تضحيات شعب كوردستان الجسام ووقوف اصدقائه إلى جانبه استطعنا تشكيل حكومة في اقليم كوردستان وبرلمان منتخب فضلاً عن المؤسسات والهيئات الحكومية المختلفة لكن كل هذه الانجازات الكبيرة لاتمثل درجة الكمال إذ هناك نواقص وسلبيات،وأنتم اليوم مطالبون بتقديم خبرتكم وتجاربكم لوطنكم لأن كوردستان بأمسِّ الحاجة إلى علمكم وكفاءتكم، ونحن مستعدون لقبول نصائحكم ومشورتكم وأخذها بنظر الاعتبار للعمل بها.
وتابع رئيس الاقليم حديثه قائلا:إخوتي واخواتي الأعزاء نستطيع اليوم أن نفتخر بكوردستان إذ لم نعد بحاجة إلى الإعتماد على الخارج في توفير أبسط الاحتياجات الضرورية لشعبنا.
نحن أمة اضطهدت على مدى التاريخ وضحينا بأنفسنا من أجل كوردستان لنقطع أشواطاً طويلة في تعريف العالم بقضيتنا في المراحل التاريخية الماضية وكنَّا نبذل جهوداً لإيصال صوتنا حتى لو كان من خلال موظف دبلوماسي بسيط في الدول الأوروبية، ونعدُّه نصراً لقضيتنا، أمّا اليوم فإن في الاقليم 20 قنصلاً من مختلف دول العالم وهذا بحد ذاته يمثل إنجازاً عظيماً لشعبنا وقضيته العادلة.
شعب كوردستان لديه الحق كسائر الشعوب في تقرير مصيره لكن تحقيقه يتطلب منَّا التفكير بواقعية فقد ولىَّ زمن الحروب والقتال،وتحقيق مطالبنا في المرحلة الحالية يتم من خلال الحوار البنَّاء والوسائل الديمقراطية كي نحظى بتأييد المجتمع الدولي،وماحققناه من مكتسبات وإنجازات في كوردستان هي ثمرة للتضحيات الجسام التي قدمها شهداء الحركة التحررية على مدى العقود الماضية،فلغاية الآن مازال 180 ألف كوردي مفقودين في صحارى العراق،بالإضافة إلى جرائم حلبجة والأنفال وغيرها من جرائم الإبادة الجماعية التي مورست بحق شعبنا الكوردي.
ماحققناه من انجازات ومكتسبات في كوردستان أمانة في أعناقكم،وأدعوكم إلى التنسيق والتعاون مع حكومة اقليم كوردستان ومؤسساتها لتدعيم الانجازات المتحققة وتقديم الأفضل لشعبنا فلاشيء اسمه مستحيل لبناء وضمان مستقبل شعب كوردستان وإذا الشعب أراد شيئاً فلا يمكن لأية قوة أن تقف حائلاً بينه وبين تحقيقه، فالشعوب قادرة على تحطيم كل العوائق للوصول إلى أهدافها التي ناضلت من أجلها.
من جانبه رحب السيد فلاح مصطفى مسؤول دائرة العلاقات الخارجية في كلمة له بالحضور وأشار إلى ان التواصل مع الكفاءات العلمية من خارج إقليم كوردستان يأتي في سياق توجهات السيد رئيس اقليم كوردستان للانفتاح على العالم الخارجي والتواصل العلمي والثقافي مع مختلف الدول.
وبيَّن أن هناك تحديات كبيرة تواجه الاقليم في الوقت الحاضر تستدعي تكاتف جهود أبنائه لتجاوزها بالمزيد من العمل والمثابرة لاسيما من خلال التعاون المثمر بين الكفاءات العلمية في الخارج وحكومة الاقليم لإحداث نقلة نوعية في العمل المؤسساتي على جميع الصعد.
بعدها ألقى الدكتور آلان ديلاني كلمة شكر فيها رئيس الاقليم على دعمه للمؤتمر، و أشار إلى أهمية عقد المؤتمر كونه جسراً يصل العلماء والأكاديميين الكورد بوطنهم كوردستان ليشاركوا في بنائه وتقدمه.
بعدها استعرض الدكتور ديلاني نماذج من التجارب الاوروبية و الاميركية في المجال الصحي بواسطة جهاز "الداتا شو" ومن بعده شارك العديد من الحضور بنتاجاتهم وبحوثهم التي تناولت تطوير الواقع الصحي وعرض تجارب الدولالمتقدمة في هذا المجال.
العلم والثقافة من أجل تقدم كوردستان
على هامش المؤتمر أجرت التآخي سلسلة من اللقاءات مع عدد من الشخصيات المشاركة كان أولهم عبد السلام شعبان عقراوي(ماجستير في البيئة من جامعة النرويج) من البيشمركة القدامى في صفوف الحركة التحررية الكوردية مقيم حالياً في مدينة أوسلو منذ سنة 1989 ويعمل مستشاراً في الشرق الأوسط لشركة (بيو فوشك) والتي تعني بالعربية البحوث البايولوجية حدثنا قائلا: المؤتمر خطوة جيدة لتقديم تجارب وخبرات النخب المشاركة لتطوير ودعم حكومة الاقليم وكافة مؤسساتها وهدفنا الرئيس يتجسد بشعار المؤتمر(العلم والثقافة من أجل تقدم كوردستان) وجئنا كعلماء وباحثين من كل أصقاع الدنيا لنضع خلاصة تجاربنا وعلمنا في خدمة شعبنا الكوردي وبما يحقق الرفاهية والحياة السعيدة له،وأسعى إلى أن يتمخض المؤتمر عن نتائج عملية ملموسة في إطار العمل المؤسساتي والحكومي.
وفي الوقت الذي يجد عقراوي واقع التعليم في كوردستان بحاجة لإحداث نقلة نوعية وجذرية لأساليب التعليم القديمة وإعتماد الآليات المتقدمة التي يكون العمل البحثي للاستاذ محورها الأساس دعا فيه بقية العلماء والمثقفين الكورد في الخارج إلى المشاركة في بناء كوردستان لتحقيق الافضل لشعبنا.
من جهته أبدى الدكتور أوميد ضروريان الاختصاصي في مجال الصحة العائلية بكندا إعجابه بما حققه الاقليم من إنجازات على مدى الأعوام المنصرمة لاسيما في مجال الاعمار والبناء وعبَّر عن استعداده وزملاءه من أوروبا وأميركا في رفد الإقليم بالمعلومات والإرشادات في المجالات الصحية والطبية مؤكداً ان المشاركين في المؤتمر يعدون من صفوة العلماء والباحثين الكورد وإن المسؤولية القومية والانسانية تحتم عليهم بذل المزيد من التعاون والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة في مؤسسات الاقليم.
ثروة قومية
في السياق ذاته يؤكد السيد نوزاد هادي محافظ أربيل ان الكفاءات العلمية الكوردية التي نمت في المهجر هي ثروة قومية إذ إن هذه النخب المشاركة عملت على تطوير قابلياتها وحصلت على شهادات علمية من دول متقدمة،وهذا يعتبر تقييماً عملياً في نجاح جهودهم،ومجيئهم اليوم إلى كوردستان بهذه الحماسة الملحوظة دليل على رغبتهم الصادقة في بناء كوردستان والعودة إلى وطنهم.
وأشار محافظ أربيل إلى خطاب السيد رئيس الاقليم الذي يفتح الأبواب على مصراعيها لتسهيل عودة العلماء والاكاديميين الكورد والتواصل مع المؤسسات الرسمية في الاقليم لاسيما وأن هناك نخباً علمية كوردية مهاجرة من سورية وتركية وإيرانية شاركت في هذا المؤتمر مما يدل على عمق الشعور الوطني المشترك.
الحاجة إلى الخبرات التربوية المتقدمة
من جهته لفت كوكز حسين عزيز مستشار وزارة التربية في حكومة الاقليم إلى أن المؤتمر حدث علمي كبير للإفادة من الخبرات الكوردية التي امتزجت بالتجارب الاوروبية المتطورة في جميع المجالات للتباحث والاطلاع على المستجدات العلمية الحديثة.
وتأمَّل عزيز أن يدرج القائمون على المؤتمر ضمن جدول أعماله قضايا التربية بدءاً بمراحلها الأولى المتمثلة برياض الاطفال والمرحلة الأساس لأن بناء منظومة علمية متكاملة بحاجة إلى تطوير آليات ومفاهيم التعليم من جذورها،مؤكداً أن وزارة التربية في الاقليم وضعت اقدامها في بداية الطريق من خلال تغيير المناهج الدراسية والنظام التعليمي لكنها تبقى بحاجة ماسة إلى المزيد من العمل والخبرات الأجنبية في سبيل تطوير العملية التربوية.
التحول من الاقتصاد الاستهلاكي الى الانتاجي
أمَّا المهندس نوزاد كريم إختصاص الكترونيات من الولايات المتحدة الاميركية فيقول: مشاركتنا اليوم تأتي للتعبير عن رغبتنا في المشاركة الحقيقة لبناء اقتصاد كوردستاني على أسس قوية والاعتماد على أبنائه والطاقات الموجودة من داخل وخارج الإقليم وضرورة التحول من النمط الاستهلاكي الى الانتاجي الفاعل.
وعما يمكن تقديمه من خبرة ومهارة للمؤسسات الأكاديمية يضيف نوزاد: لدي خبرة متراكمة في الصناعات الالكترونية في مجال الاتصالات أستطيع إفادة الجامعات والمعاهد بها عبر إلقاء المحاضرات التخصصية في مجال عملي كما أرغب في التواصل مع الجهات الرسمية للمساهمة في التطوير وبناء القدرات البشرية.
مدير الاعلام في وزارة الصحة دكتور خالص قادر أشاد بجهود وخبرة المشاركين في المؤتمر لتطوير النظام الصحي في الاقليم عبر عرض التجارب المتنوعة من دول اوروبية وأميركية تنطوي على أفكار حديثة تتحدث عن آليات رفع المستوى الصحي للاقليم بالاعتماد على سياسات واضحة ومحددة في هذا القطاع ويتطلب تضافر الجهود الحكومية بدءاً من وزارة التربية مروراً بالبيئة وكل مايتعلق بها من مؤسسات رسمية ومجتمعية.
السفير الالكتروني
من جهته حدثنا المهندس فيصل أتروشي من السويد والمسؤول الإعلامي للمؤتمر عن دوره في التعريف بكوردستان الكترونياً للراغبين بزيارتها عن طريق مركز معلومات على الويب سايد تم انشاؤه في سنة 1996 تابع للحزب الديمقراطي الكوردستاني ويُدار من السويد للتعريف بثقافة كوردستان وتاريخها وتقديم المعلومات المطلوبة للسائحين من كل دول العالم.
ويضيف أتروشي: في وقت سابق أطلقت عليَّ صحيفة التآخي لقب (السفير الالكتروني) لما بذلته من جهود في سبيل التعريف بكوردستان من خلال الموقع الالكتروني على شبكة الانترنيت،وفي هذا المؤتمرعملت ضمن اللجنة التحضيرية مع بقية الإخوة،وأجرينا اتصالات مكثفة مع صفوة النخب الكوردية العلمية المغتربة تضم اسماء بارزة ساهمت في بناء الحضارة الغربية وهي متواجدة اليوم في المؤتمر،وأخص بالذكر المعماري جميل مردوخي من أشهر مصممي الأبراج في العالم وشخصيات علمية كوردية يعتمد عليهم الملوك ورؤساء الدول الاجنبية لباعهم الطويل وخبرتهم الكبيرة في مجال عملهم، جاؤوا من مختلف الدول ليشاركوا في تطوير وإعمار كوردستان برفدها بتجارب الدول المتقدمة الناجحة على جميع الصعد،لاسيما بعد نجاح المؤتمر العلمي الأول الذي عقد في مدينة امستردام الهولندية العام الماضي.
حبسة وحَركيَّا..أقوى امرأتين من الشرق إلى الغرب
صديقة كوردستان الهولندية ايفونا فاندر بيل التي كانت تتوشح بعلم كوردستان وهي تعرض بوسترات في أروقة قاعة المؤتمر..بيل شاركت أيضا في فعاليات المؤتمر عبر دليل كوردستان للسائح الغربي باللغة الانكليزية والذي يتضمن صوراً ومناظر طبيعية والأماكن السياحية في عموم مناطق الاقليم التقطتها بكاميرتها الشخصية في زياراتها الست للاقليم فضلاً عن تأليفها كتاب بعنوان( حبسة وحَركيَّا أقوى امرأتين من الشرق إلى الغرب) إذ تُعَّد حبسة خان النقيب من أشهر النساء الكورديات من محافظة السليمانية وكانت لها بصمات واضحة في تثبيت حقوق النساء في اوائل القرن الماضي لاسيما ما يتعلق بالجانب التعليمي ففي الوقت الذي قامت فيه حبسة خان بافتتاح أول مدرسة للبنات في كوردستان سنة 1930 أسست جدة بيل التي تُدعَى حركيا أول مدرسة للبنات في هولندا في نفس السنة المذكورة، ومن المقرر أن تعرض بيل هذا الكتاب أثناء مشاركتها في المؤتمر النسوي الكوردستاني الذي ستشارك فيه الشهر المقبل.




