ذكرى عودة الجنرال مصطفى بارزاني الى وطنه العراق من منفاه في الاتحاد السوفياتي.. يوم خالد في تاريخ شعبنا

يستذكر ابناء العراق الغيارى ومعهم شعب كوردستان في السادس من شهر تشرين الاول من كل عام ذكرى عزيزة عليهم وهي عودة ابنهم البار الجنرال مصطفى البارزاني من منفاه في الاتحاد السوفياتي السابق بعد ان قضى هناك مع رجاله الاشاوس احد عشر عاماً..
وكان البارزاني الخالد قد لبى نداء شعبه الكوردي في كوردستان الشرقية (ايران) من خلال نداء اخيه القاضي محمد في العام 1946 للالتحاق ومساندة ابناء جلدته بتأسيس جمهورية كوردستان الديمقراطية في مدينة مهاباد الشهيدة وكان معه رفاق دربه البيشمركة الاوفياء مع اخوانهم الضباط الكورد الاخرين للدفاع عن الجمهورية وليعين قائداً لجيشها بعد ان منحه رئيس الجمهورية القاضي محمد رتبة جنرال لخبرته العسكرية والقتالية الطويلة حيث لعب دوراً اساسياً في تأسيس الجمهورية الفتية.. وفي اثناء اداء مهماته هناك تم تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في السادس عشر من اب عام 1946 وانتخاب البارزاني الخالد رئيساً للحزب الى جانب ولادة البيشمركة مسعود بارزاني في نفس التاريخ..
بعد مؤامرة دولية واقليمية تم انهيار الجمهورية قاد البارزاني الخالد جيش تحرير كوردستان (البيشمركة) للدفاع عنها ورفض الاستسلام للقوات الايرانية او العراقية.. وقام القاضي محمد قبل استسلامه واعدامه مع رفاقه الاخرين بتسليم راية العز والكرامة والشرف وهو علم كوردستان الى البارزاني قائلاً له: (هذا رمز الكورد وكوردستان اسلمه اليك امانة في عنقك لانك في رأيي خير من يحفظه).. والامانة التي سلمت اليه ترفرف الان خفاقة عالية علو جبال كوردستان وفي كل جزء منه واينما وجد الكورد وجد معهم ذلك الرمز.
*وكان البارزاني الخالد قد رفض ورفاقه الاستسلام للقوات الايرانية او العراقية وفضل اللجوء مع رفاقه الى الاتحاد السوفياتي وسيراً على الاقدام مع خمسمئة من مقاتليه واثناء سيرهم وفي ظروف صعبة وقاسية اشتبكوا في قتال مع القوات الغازية لكوردستان وهي القوات الايرانية والعراقية والتركية في معارك الشرف وكانت غاية المقاتلين هي عبور نهر اراس الخالد وهي الحدود الفاصلة بين ايران والاتحاد السوفياتي وفي تلك الملحمة الخالدة التي سجلت في تاريخ حروب الانصار حسب رأي الخبراء العسكريين فاصبح ذلك اليوم التاسع عشر من حزيران عام 1947 رمزاً للرفعة لشعبنا الكوردي..
انه انتصار كبير لحرب الانصار لان النجاة من الطوق الذي طوقت به قوات الجمهورية كان من الصعب الخلاص منه؟.. لكنهم تمكنوا من الافلات منه وبقوة قليلة العدة والعدد وباسلحة بسيطة وقديمة وتحت انفجارات القنابل المتساقطة عليهم من الدبابات والمدفعية والطائرات الايرانية والتركية.. وكان لايمانهم الراسخ بعدالة قضية شعبهم هو الدافع القوي لعزيمتهم في تلك المعارك والخلاص من ثلاثة جيوش مع الدول الاخرى المساندة لهم..
شيء لا يصدق انه عمل عسكري رائع وعظيم فابهر الاعداء وافرح الاصدقاء ومجد الحرية.
*وبعد وصولهم الى الاتحاد السوفياتي عوملوا معاملة شديدة القسوة وتعرضوا الى الظلم والتجاهل ولكن بعد وفاة ستالين ومجيء خروشوف تحسنت اوضاعهم نوعاً ما واقبل البارزاني الخالد على الدراسة في اكاديمية العلوم السياسية والعسكرية وكان يبلغ من العمر انذاك الخامسة والاربعين الى جانب اشتراكه في دورة لتعليم اللغة الروسية.. وكان البيشمركة قد دخلوا ايضاً في دورة قتالية لمدة ثمانية عشر شهراً في مدينة باكو وكان عددهم 225مقاتلاً.
*وبعد سقوط النظام الملكي بالعراق في 14تموز 1958 عاد الجنرال مصطفى البارزاني الى وطنه العراق بعد ان زار كلا من رومانيا وهنكاريا وجيكوسلوفاكيا فضلا عن زيارته الى جمهورية مصر العربية بعد الدعوة الكريمة من قبل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر نصير الشعب الكوردي الذي وصف نضال الكورد وحقوقهم المشروعة بانها لا تتقاطع مع نضال الامة العربية وان الامة التي تريد ان تصل الى اهدافها لابد ان تحترم الاهداف القومية للشعوب والامم الاخرى في العالم..
وكان البارزاني الخالد قد زار مدينة بور سعيد التي شهدت العدوان الثلاثي عليها في العام 1956 من قبل الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا واسرائيل وحلفائهم وكان البارزاني الخالد قد بعث برسالة الى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر اثر العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956على تطوعه ورفاقه الاخرين للدفاع عن مصر وعن شعبها عندما كان في منفاه بالاتحاد السوفياتي.. وكان الرئيس عبد الناصر قد شكره على موقفه هذا.. وكان البارزاني الخالد قد وصل الى بغداد يوم السادس من تشرين الاول عام 1958 وكان في استقباله الوفود الرسمية والشعبية استقبلوه استقبال يليق بمقامه وفاق كل التصورات حيث بلغ مستقبلوه الالاف من ابناء شعبه العراقي بجميع اطيافه ومن مختلف محافظات العراق ومن بينهم وجهاء ومثقفو شرائح المجتمع الكوردي في بغداد خاصة من محلات باب الشيخ وعكد الكورد وحي الكورد وما جاورها من محلات اخر وملاكات الحزب الديمقراطي الكوردستاني وانصاره مع جمع من وفود الاحزاب الوطنية والديمقراطية الصديقة.. وحل سيادته ورفاقه ضيفاً على حكومة الثورة..
وفي اليوم التالي قام البارزاني الخالد بزيارة الزعيم عبد الكريم قاسم واعضاء قيادة الثورة ومنهم مجلس السيادة المتكون انذاك من الفريق الركن محمد نجيب الربيعي رئيس مجلس السيادة والعضوين الشيخ خالد النقشبندي ممثل الكورد والاستاذ محمد مهدي كبة وقدم البارزاني الخالد بأسمه ونيابة عن اخوانه الاخرين الشكر والامتنان لهم وقدم سيادته نفسه جندياً من جنود الثورة مع رفاقه المقاتلين.. ولكن بعد مرور مدة من الزمن قامت اجهزة الحكومة باظهار حقدها وعدائها تجاه البارزاني الخالد ولقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني ولتأزيم العلاقة بينهم.
وجرى ما جرى من حوادث اسهمت فيها الحكومة العراقية وخاصة الاجهزة الامنية ومنها اغلاق صحيفة خبات وهي صحيفة الحزب الديمقراطي الكوردستاني والناطقة بأسمه ومضايقة ومطاردة واعتقال الكثير من ملاكات البارتي وانصاره في بغداد وفي جميع انحاء العراق وخاصة في كوردستان وقامت بتحريك قطعات الجيش العراقي لمهاجمة مدن كوردستان.. قام البارزاني الخالد ومعه قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني ومعهم الخيرون لاعادة المفاوضات من جديد لكن الحكومة اصرت على فعلتها وافشلت تلك المبادرة.. وبعد مداولات بين البارزاني الخالد وقيادة البارتي وما قامت به الحكومة بتحريك قطعات الجيش العراقي لمهاجمة مدن كوردستان ومنها قصف مدينة بارزان قلعة الاسود..
صدر بيان باعلان الثورة في الحادي عشر من ايلول عام 1961 لتشمل كل مدن كوردستان وكانت الثورة عارمة ضد حكومة بغداد.. وكانت قيادة الحزب مضطرة ومرغمة على اتخاذ ذلك القرار للدفاع عن ابناء شعبها وارضها وكان شعار الثورة: (الديمقراطية للعراق.. والحقوق المشروعة للشعب الكوردي) وتمكن البارزاني الخالد بحكمته وقدرته ان ينقل الثورة من مرحلة الى اخرى وهي نبراس انار الدرب امام شعب كوردستان نحو الحرية والانعتاق وان ينقلها الى تحقيق مكسب عظيم لشعبنا في العام 1970 في اتفاقية الحادي عشر من اذار وكانت تلك الاتفاقية اول اعتراف رسمي بحق شعبنا الكوردي بنيل حقوقه المشروعة وتوالت المكتسبات الا ان ما حدث في العام 1975 ونتيجة المصالح الغربية والاقليمية نتجت عنها اتفاقية الجزائر المشؤومة والمخزية من حكومة بغداد بحق العراق وبحق القضية الكوردية اذ تنازل نظام صدام والبكر عن اراض عراقية الى نظام شاه ايران اذ شارك في بلورة الاتفاقية هواري بومدين رئيس جمهورية الجزائر السابق ووزير خارجية امريكا انذاك هنري كسنجر..
ونحن نسأل اين هم موقعو هذه الاتفاقية الان؟.. انهم في غياهب التاريخ.. ادت تلك الاحداث الى اصابة ثورة ايلول بنكسة مؤقتة ادت الى تدهور الاوضاع مؤقتاً بعد الهجمة الشرسة على شعبنا من قبل النظام البائد في بغداد.. ولكن لم تدم هذه الحالة حيث تم الاعلان في السادس والعشرين من ايار عام 1976 عن بدء شرارة الثورة من جديد وهي امتداد لثورة ايلول وهي ثورة كولان جاءت بجهود المناضل مصطفى البارزاني وقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وكانت حكومة بغداد لم تضع في حساباتها الارادة القوية لشعب كوردستان هذه الارادة التي رسخها البارزاني الخالد طوال حياته في قلوب ونفوس كل فرد كوردستاني. وفي ربيع اذار عام 1991 اندلعت انتفاضة عارمة ضد حكومة العهد البائد فتم الخلاص من تلك الحكومة الدكتاتورية..
وان المكاسب التي تحققت في كوردستان الان لم تأت الا بالنضال والتضحيات التي قدمها شعب كوردستان التي رواها الالاف من الشهداء بدمائهم الزكية وان ثورتي ايلول وكولان ستغدوان نموذجاً حياً لبناء عراق ديمقراطي فدرالي تعددي يعيش فيه الانسان متمتعاً بحقوقه المشروعة وبحياة الحرية الكريمة.. وكان البارزاني الخالد وعلى مدى قرابة الخمسين عاماً قاد شعبه من نصر الى نصر وهو ثابت وعنيد ولا يحيد عن هدفه المقدس وعن احلام شعبه.. نقول لروحه الطاهرة انك وفيت بعهدك لشعبك الذي لا ينساك ابداً وان المكتسبات التي تحققت للعراق الجديد ولشعب كوردستان الذي يتمتع بامن وامان وواحة سلام لجميع العراقيين بدون استثناء لانك اسست مدرسة نضالية عريقة وهي المدرسة البارزانية التي تؤمن بالسلم والسلام.
وفي هذه المناسبة علينا ان نستذكر شهداءنا الخالدين الذين روت دماؤهم الطاهرة كل شبر من ارض كوردستان وفي المدن الاخرى.. وستبقى الى الابد مناراً ينير الدرب لشعبنا .. تحية لروح البارزاني الخالد وهو في جنان الخلد.. تحية وتقدير للبيشمركة مسعود بارزاني تلميذ مدرسة البارزاني والسائر على نهجها.
فاضل عباس الجاف




