٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

الكورد في سوريا و انقسام أحزابهم

المصدر: KDP.info

عبدالله كَدّو        

إن حالة الانقسام المفرط في الحركة السياسية الكوردية حتى اليوم، تعتبر أحد أهم العوامل التي تحول دون تحقيق أي مكسب سياسي أو اجتماعي أو ثقافي للشعب الكوردي في سورية، فقد تدنت شعبية الحركة بشكل مطرد مع انقسامها الأول في عام 1965 ، الانقسام الذي أدى إلى حدوث شرخ عميق ليس في جسد الحزب الكوردي الأول فحسب، بل امتد إلى جماهيره التي كانت تنتشر على امتداد معظم مواقع تواجد الكورد، ليحدث انقساما في العائلة والقرية والعشيرة الواحدة، هذه الأدوات التي كان يتم نشر الوعي والتنظيم السياسيين عبرها، في ظل شبه غياب للإعلام حينذاك، ونظرا لحداثة عمر التجربة الحزبية الكوردية، وبالتالي حداثة، إن لم يكن غياب، القيم الديمقراطية فيها، ومنها قبول الرأي الآخر، الأمر الذي أضعف قدرة الحزبَين الناجمين عن الانقسام الأول على تنظيم الشعب الكوردي وتعبئته للتصدي لسياسة التمييز المتنكرة لحقوقه القومية.
لقد تشعّب الفعل السياسي الحزبي بعد الانقسام الأول، بالإضافة إلى الشقّ الأساسي المضاد لسياسة الاضطهاد القومي التي ما زال ينتهجها النظام، إلى شقّ آخر ضد الاختلاف باتجاه الحزب الكوردي الآخر( الخصم )، ذلك في زمان ومكان أجمع المراقبون السياسيون على أنهما كانا بغنى عن هذا الشكل من الاختلاف، الذي ما لبث أن تحول إلى صراع سياسي داخلي ( كوردي – كوردي )، واعتبروا ذلك الصراع طفولة سياسية أو ترفاً سياسياً، إن لم يكن انعكاسا لمصالح فئوية ضيقة أو تدخّل أطراف سياسية اقتضت مصالحها إحداث ذلك الشرخ في الشارع الكوردي في سوريا.
إذا كانت تلك هي تداعيات الانقسام الأول، فما الذي يمكن قوله عن الانقسام العاشر الذي أصاب حركتنا السياسية عشية الثورة السورية التي انطلقت في 15آذارمن عام 2011، والتي جاءت بالمجلس الوطني الكوردي، نزولا عند غضب الجماهير، في سعي حثيث من الحركة الكوردية لإخفاء صورتها المتكسرة إلى تسعة أجزاء، هو رقم أحزابها - آنذاك - التي كان يلف معظمها الخمول واللامبالاة، فيما كان الشارع مترعا بالجدية والحيوية لحد الغليان.
إن الجماهير الكوردية اليوم ترى أن حالة الانقسام التي بلغتها الحركة السياسية الكوردية اليوم، إنما تعكس المصلحة الضيقة للحزبيين الكورد فقط، والقياديين منهم بشكل خاص، بعيداً عن المصلحة العامة للشعب الكوردي، لا بل متصادماَ معها، وذلك عكس ما يرد في البرامج السياسية والأنظمة الداخلية للأحزاب الكوردية، حيث إن البرامج السياسية للأحزاب وأساليب النضال  المطروحة المتشابهة – إن لم تكن متطابقة - نظريا تتناقض مع هذا التشتت المفرط في هياكل تنظيمية مختلفة، ولا تترك مبررا البتة لوجود هذا الكم من الأحزاب، وتفقدها المصداقية السياسية، الأمر الذي يفسر سبب النظر إلى الحزبي الكوردي وسط أقرانه من المستقلين على أنه شخص دون مستوى الشعور القومي وتمثيل المصلحة العامة، بالتالي دون مستوى القدرة على قول الحقيقة، وهو متهم بأن نزعته الحزبية المتناقضة مع النزوع القومي تعميه عن حقيقة واقع شعبه، ليراه كما يريد حزبه - إن لم نقل زعيمه - ما قد يخلق شعوراً بالاغتراب لدى هذا الحزبي – وخاصة إذا كان من القواعد - الذي قد يرى في نفسه المدافع الأول عن القضية، ليشكل ذلك الشعور بداية اليأس والرغبة في ترك العمل الحزبي، ويقول لرفاق الأمس لا داع للجري بحثاً عن طلبات انتساب جديدة لشبان وشابات يريدون تجسيد أحلامهم القومية، ما لم يتم إصلاح البين مع الأحزاب بداية، ثم مع الجماهير التي سئمت هذا التشرذم الذي يبعث على اليأس والاغتراب لدى الرفاق القدامى.
إن هذه التعددية التنظيمية المصطنعة التي لا تقابلها تعددية سياسية أو فكرية، تستمد تواجدها الهزيل في أماكن توزع الكورد، من الروابط العائلية والعشائرية ونحوها، على الأكثر، وبالتالي فان هذه التنظيمات تكمل – من حيث تدري أو لا تدري – الدور الذي قامت به الأنظمة المتعاقبة على دفة الحكم في البلاد حتى اليوم، لتفتيت المجتمع الكوردي إلى المكونات الأقوامية (عوائل وقبائل  ومناطق...).
إن هذه الأحزاب التي تعتمد غالبا على امتدادات الروابط التقليدية لمؤسسيها وأعضائها من الحزبيين القدامى في عملية اجتذاب الأعضاء الجدد للتنظيم، تكتشف بعد حين بأن أنظمتها الداخلية غير قادرة على استيعاب هذه العناصر وترويضها وضبطها داخل أسوار التنظيم، فهي (الأحزاب) سرعان ما تصطدم بحالات التكتل داخل نسيجها التنظيمي الهش غير المؤسسي والخاضع لتأملات وأساليب ورؤى مجموعة متفاهمة تتواصل من خارج الأطر الشرعية ثم تقرر وتنفذ، وإذا كانت عملية التكتل في الأحزاب العصرية تعبر عن تمايز سياسي أو فكري أو...إلخ لتيار معين، فإنها في معظم الأحزاب الكوردية إنما تعكس غالبا الروابط التقليدية، دون السياسية والفكرية، التي تشكل نسيجها البنيوي، لينقلب السحر على الساحر وتبدأ عملية الانشقاق، ولكن من الطريف في الأمر أنه عندما يستأنف قادة الشقين العمل الحزبي من جديد، لا يترددون في استثمار نفس الروابط السابقة التي تسببت الانشقاق الأول ثانية " ليداووها بالتي هي داء".
من تداعيات هذا التبعثر التنظيمي والسلوك التقليدي لمعظم التنظيمات السياسية، عزوف شرائح واسعة من المثقفين وغيرهم من المهتمين بالشأن القومي العام عن النشاط السياسي التنظيمي، لأنها لا ترى مواقع مناسبة لها وسط ما تراها شراذم محافظة معرقلة ورافضة لكل ما من شأنه إحداث ( التجديد ) التي قد تسبب تغييرا لمواقعها.
يجدر بالذكر هنا، أنه على خلفية هذا الهاجس ناصب بعض من هذه الأحزاب ظاهرة الشهيد معشوق الخزنوي العداء،  حيث الخشية من زج أوسع قطاعات المجتمع في المعترك السياسي، ما قد يسبب إزاحة رموز وتيارات تقليدية معينة عن المسرح السياسي.
ومن تداعيات هذا التشتت، عدم تمتع هذا الكم من الأحزاب وخاصة تلك الصغيرة منها بالإمكانات المادية والبشرية للقيام بنشاطات وبرامج ثقافية أو اجتماعية معينة، أو تأهيل كوادر متخصصة متفرغة في مجالات معينة لتمكينها من التواصل مع الجماهير والوقوف على واقعها عن كثب، وبالتالي القدرة على التفاعل معها وتوجيهها وفق برنامج سياسي قومي واضح.
بناءا على ما تقدم يمكن القول، إن الرغبة الصادقة في إخراج الجماهير الكوردية من الحالة السلبية التي غرقت فيها، كرد فعل على حالة الركود السياسي التي تعيشها هذه الأحزاب، تقتضي الاندفاع للقيام بخطوات عملية جادة ومدروسة نحو توحيد التنظيمات المتقاربة سياسيا، واعتماد نظام داخلي عصري ديمقراطي واضح لانتخاب قيادتها بشكل ديمقراطي نزيه، بعيداً عن المواربة والصفقات والألاعيب التي طالما مورست من قبل المتنفذين في الأحزاب والتي بعثت على التذمر والامتعاض لدى الأعضاء وجماهير المستقلين وخاصة لدى الشباب، والابتعاد عن العمل الحزبي، واتهامه بالاستزلام لزعماء الأحزاب، الذين  فشلوا في إقناع أغلبية الجماهير بأنهم إنما يخدمون المصلحة العامة وليس مصالحهم الخاصة، حيث المصلحة ليست بالضرورة أن تكون مادية، الأمر الذي يفسر سبب عدم ظهور رموز سياسية ولا أحزاب جماهيرية تلتف حولها الجماهير في هذا الجزء من كوردستان.
                  

أخبار ذات صلة