عن الهوية الكوردية والانفصال المزعوم
__2015_03_27_h21m44s2__RM.jpg)
شفان ابراهيم
أمَا أن تطرح مسألة الهوية الكوردية، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الشعوب والأمم, كلما كان هناك تحدَ أو تهديد خارجي لسورية الدولة, أو تهديد داخلي من قبل الأنظمة والمعارضة التي توالت على حكم ومعارضة الحُكم في سورية, أو شعور بالتهميش والإحباط... فهذا شيء طبيعي جداً. فهو يصب في خانة أساليب التأكيد, الفردية أو الجماعية, وإعادة ترتيب علاقاتها بمحيطها. وهنا يتبادر سؤال جوهري؟ هل هو المحيط العربي, أم المحيط السوري, من أجل إثبات الوجود الكوردي وتحقيق الاستقرار والطمأنينة.
وأمَا أن تطرح مسألة الهوية على مستوى الدولة الكوردية وعبر حكومة إقليم كوردستان, أو الأحزاب الكوردية في سورية عبر مؤسساتها من مجالس ومنظمات, وإن كانت دون مستوى الطموح والمأمول. فهو من منظور الحفاظ على خصوصية الأنا الفردي( العرق) أو الجمعي ( الهوية الوطنية) الكوردستانية / لكل من يعيش على ارض كوردستان/ وهي ظاهرة بدأت تطفو على السطح, أكثر مما كانت مختبئة طيلة العقود الماضية, لظروف موضوعية وذاتية, دون أن يعني ذلك أن هذه الهوية جديدة, أو ذو توجه جديد, أو فكرة طارئة.
لماذا تُطرح الهوية الكوردية في سوريا, كقضية إشكالية؟.
إن طرح الكوردي لقضية الهوية الكوردية سورياً, يُنظر إليه بأنه تهديد للهوية العربية السورية, في حين كان يجب أن يُنظر إليه على أنه أغناء للهوية الوطنية السورية, فالكوردي يخشى على وجوده من الذوبان وسط المجتمع السوري ذي الغالبية العربية, في الوقت الذي تتكون سوريا من مجتمع متعدد الأصول والأعراق, تجعل من كل فئة أو عرق أقلية, فالكورد, السريان, الأرمن, الأشوريين, الدروز, العرب السنة, والعرب الشيعة يشكلون عِماد الدولة السورية, كل هؤلاء يفتقدون لهوية جمعية تلم شملهم.
إن فسيفساء ديمغرافية سوريا تجعل من الهوية العربية لها شبحاً يصعب الإمساك به, خاصة وأن ممارسات الأنظمة ضد مكوناتها منذ التحرر من الفرنسيين وحتى يومنا هذا قد دفع بكل مكون إلى أن لا يتصور الهوية ولا يطلبها إلا ضمن حدود سياسية تفصل بين تجمعات وليس أوطان, حدود تجعل من يقع داخلها يتماه - بشعور/ أو دون شعور بين الهوية والتجمع, الشيء الذي يعطي الانطباع لمن ينظر إلى تلك الحدود من خارجها, بأنها حدود ( لا- وطنية) بمعنى أنها تجعل من الهوية الوطنية سراباً يهرب من طالبه باستمرار, وهو وضع أشكالي لم تستطع مكونات سوريا من تجاوزه حتى اليوم, وإن كانت بصورة أقل مما كانت عليه في السابق على الرغم من جميع شعارات الوطنية/القومية, الوحدوية.
السوريون جميعهم مكونات أصيلة, شعوب متنوعة, هويات مختلفة, يمكن أن تكون هناك هوية جمعية متنوعة, لكنهم يشعرون اليوم شعوراً حاداً بأن الانفصال الكوردي ينخر جسم الدولة السورية, ويهدد بجدّ مستقبل أبنائهم وذرياتهم في أهم مقومات شخصية أبائهم وأجدادهم, وعناصر حضارة أسلافهم: لغة وتقاليد ورؤى. والمعضلة أن جميعهم يعيشون المشكل ويعون كافة أبعاده, ولكنهم جميعاً لا يتصرفون إزاءه, اضطراراً وليس اختياراً.
ضرورة أثبات البراءة الكوردية دوماً
على الدوام شعر الكورد بضرورة تقديم البراهين على انه ليس انفصاليا, في الوقت الذي يتوجب من الأخر أن يقدم الأدلة التي تثبت عدم مشاركتهم في ممارسات الأنظمة المتعاقبة على حكم البلد, وتبرئتهم من شراكتهم في قمع واضطهاد الكورد, وعليهم بناء على ذلك تقديم ما يثبت انفصالهم عن ذهنية وعقلية النظام من جهة, ومن جهة أخرى تقديم ما يثبت رغبتهم في إعادة أعمار وبناء سورية جديدة بعيدة عن فكرة تأمر الكورد وعقلية الانفصال, وحتى بالنسبة للفكر القومي الكوردي فإنه ليس رد فعل على ممارسات الإقصاء, بل أنها نابعة من حقيقة تاريخية, وكحالة سوية صحية, نابعة من تصميم كوردي. وحالة الاندهاش والتشكيك من الطرف الأخر حول سبب وجود وعي وهدف قومي كوردي, سيكون بمثابة النسف للعيش المشترك المُراد تحقيقه.
بأي معنى يجب أن يُفهم كون الكوردي سورياً؟
وما هو نصيب الكوردي في الهوية الوطنية؟ هو ذا سؤال يكشف عمَا يسيمه الفلاسفة ب( شقاء الوعي), وهو أن يحب الإنسان الشيء ويكرهه في نفس الوقت, فيكون في مشاقة مع نفسه: الكوردي يرغب أن يكون كوردياً قحاً, والعربي يرغب أن تكون سوريا عربية قحة, والهوية الوطنية السورية يجب أن لا تضم إلا السوريين الأقحاح, ووسط هذه المعمعة الجدلية, لابد من التأكيد على أن أي أحد ليس بمقدوره إسقاط أو الاستغناء عن كوردية السوري, لأنه سيسقط مكونات البلد الذين أصبحوا جزءاً من هذا الوجود.
إن مفهوم سيادة الدولة تكون في منع الدولة للتدخل الخارجي في السيادة الداخلية وتطبيق القوانين ضمن الشؤون الداخلية, وآلية التعامل مع الشعب, لكن وفي حالات التنوع القومي فأي دولة لا تراعي هذا التنوع, فإنها هي من تدفع بتلك الأقليات إلى تبني شعار طلب المساعدة من الخارج, وفي حال معضلة استنجاد الداخل بالخارج يمكن القول: لو طبقت أي دولة ولو الحد الأدنى من معايير حقوق الإنسان وحقوق الأقليات, واحترام الخصوصيات العرقية, والسعي نحو بلورة هوية جمعية, لما وجد أي صوت منادٍ بالخلاص. فأي دولة مختلطة ومتعددة, يُمكن تشبيهها بالدائرة الكبرى, هذه الدائرة التي تبدأ بالانحسار والتقهقر رويداً رويداً, بسبب النزاعات الداخلية الثقافية منها والمطالب القومية, وحين تفاقم هذا النزاع ضمن هذه الدائرة, فإنها تصبح مهيأة في أي وقت للانفجار, عدا عن ضعفها وعدم تمكنها أو قدرتها أو حتى استعدادها للدفاع عن الوطن, ومن جديد فإن مرد هذا الأمر أنما يعود وبالدرجة الأولى إلى النظام القائم في تلك الدول, وما نسف مبدأ التنوع الثقافي, واستباحة الثقافة الكوردية والأشورية والتركمانية والشاشانية, إلا خير مثال عن تلك الدولة التي تحولت إلى دائرة نزاع وسجال.




