سايكس بيكو الكوردي

فائق عادل يزيدي
سيخلد التاريخ يوم 22 تشرين الاول، في تاريخ الكورد المعاصر، فهو يوم يشكل انعطافة في تاريخ النضال الكوردستاني نحو الحرية والسلام، حيث شهد هذا اليوم حدثين كورديين بارزين، تمثل أحدهما في تصويت برلمان كوردستان على قرار يجيز لرئيس اقليم كوردستان مسعود بارزاني، ارسال قوات من البيشمركة الى خارج حدود الاقليم للدفاع عن مدينة كوباني في غربي كوردستان والتي تتعرض لهجمات وحشية من ارهابيي تنظيم داعش، والحدث الثاني البارز، هو توصل الاطراف السياسية الكوردية، وباشراف ورعاية مباشرة من الزعيم الكوردي مسعود بارزاني، الى اتفاق يفضي الى وضع حد لخلافاتهم، وتشكيل مرجعية سياسية موحدة لغربي كوردستان، وتشكيل ادارة مشتركة وقوة عسكرية مشتركة تدافع عن الشعب الكوردي ومكتسباته في هذا الجزء من كوردستان.
مما لا شك فيه ان المنطقة تشهد اعادة رسم لخارطتها، على غرار التقسيم الذي شهدته في بدايات القرن الماضي، والذي تم وفق اتفاقية سايكس بيكو، ابان الحرب العالمية الأولى، وكوردستان ليست بمنأى عن اعادة الرسم هذه، لكن الفرق ان سايكس بيكو ادت الى تقسيم كوردستان، بين عدة دول، انما في اعادة الرسم هذه بدت ملامح توحيد كوردستان تلوح في الأفق، فالتطورات التي شهدها اقليم كوردستان وغربه بعد احتلال تنظيم داعش لقضاء شنكال، وهجماته الارهابية على كوباني، والموقف الغربي الداعم بقوة للكورد، تؤشر بما لا يدع مجالا للشك بأن كوردستان باتت واحدة من اولويات اهتمام الغرب، وتجلى ذلك في قرار بدء الغارات الجوية على مواقع ارهابيي داعش في العراق ومن ثم في سوريا، بعد بدء داعش الحرب على الكورد واقليم كوردستان، وهو ما يمكن قراءته على انه نتيجة طبيعية لعلاقة الشراكة بين الكورد والغرب، فالولايات المتحدة ملتزمة سياسيا واخلاقيا بالدفاع عن الكورد واقليم كوردستان، لعدة اعتبارات واسباب، تتعلق بجملة قرارات اممية وسياسية منذ بدء تطبيق الحظر الجوي على شمال وجنوب العراق ابان حرب الخليج الأولى، وصولا الى اتفاقية الاطار الاستراتيجي بين العراق الفيدرالي والولايات المتحدة، مروراً بقرار وضع العراق تحت الفصل السابع ايام حكم المقبور صدام حسين.
امام هذا الواقع الجديد، وفي ظل خوض الكورد في اقليم كوردستان وغربها، الحرب على الارهاب بالنيابة عن العالم، فإن امام الكورد فرصة تاريخية ثمينة جداً، تتمثل في امكانية تأسيس دولة كوردية في اطار اعادة رسم خارطة المنطقة الآنفة الذكر، فالهجمة الوحشية لارهابيي داعش في العراق وسوريا، لم يتمكن من ايقافها وصدها سوى القوات الكوردية المتمثلة في البيشمركة في اقليم كوردستان ووحدات الحماية الشعبية الكوردية في غربي كوردستان، وهو ما يجعل للكورد دورا مهما وبارزا في دحر الارهاب، ويؤهلهم لان يكونوا لاعبا اساسيا في رسم مستقبل المنطقة، خاصة ان الكورد في الدول المتواجدين فيها لم ينجروا خلف رياح ما سمي بالربيع العربي، الذي بدأ كثورة شعبية في تونس واستمر كذلك في مصر وليببا لحين اسقاط انظمة بن علي ومبارك والقذافي، وانتكس هذا الربيع في اليمن نوعا ما وشهد اندحاره في سوريا، نتيجة اخطاء سياسية جمة ارتكبتها المعارضة السياسية السورية واستغلها النظام البعثي، ضمن صراع طائفي اطاره بلا شك اوسع من اطار الصراع السوري.
ان الواقع الجديد الذي افرزته حرب تحرير العراق، والازمة السورية المستمرة منذ قرابة 4 سنوات، اتاح للكورد ولأول مرة منذ عقود، فرصة بناء كيان مستقل، كل الظروف والتطورات تخدمهم في سبيل ذلك، فاقليم كوردستان بعد اكثر من عقدين على الخلاص من حكم نظام صدام، واكثر من عقد على بناء العراق الديمقراطي، بات يملك ارضية حقيقية وقوية يمكن الارتكاز عليها لبناء الدولة، سواء على الصعيد السياسي او الاقتصادي او حتى العسكري، وغربي كوردستان ومع مضي سنوات على اشتعال الازمة السورية، بات هو الآخر امام واقع تاريخي يتمثل في تسلم الكورد ادارة مناطقهم، (وهنا ليس مهما كيف وبأي شكل تسلم الكورد ادارة مناطقهم)، لان الأهم هو النتيجة وهو الاستلام، وحالة الضعف التي يعاني منها النظام البعثي، والتي يستحيل ان يعود الى المناطق الكوردية كما السابق. من اجل ذلك على الكورد وحركتهم السياسية في جنوبي كوردستان وغربها، مواكبة هذه التطورات وتوحيد الصف الكوردي ودرء الخلافات السياسية جانبا، لاستغلال واستثمار الفرصة التاريخية المتاحة لهم، لبناء دولة كوردية تشمل على اقل تقدير جزءين من كوردستان وهما جنوبها وغربها، فيما تستمر حوارات السلام في شمال كوردستان بين الكورد والدولة التركية للتوصل الى حل سياسي يضع حدا لاضطهاد الكورد في ذلك الجزء ويسهم في بناء علاقة جديدة بين الكورد والأتراك.
ان الأمة الكوردية امام تحديات ومخاطر جمة، فهي مستهدفة من الارهاب، والكثير من انظمة المنطقة تناصب العداء للكورد وتقف امام تطلعاتهم القومية المشروعة، وللخروج من هذه الأزمة التي تشهدها المنطقة بتحقيق طموحات الامة الكوردية، على الاحزاب السياسية توحيد الموقف السياسي والعسكري، واستغلال الدعم الغربي والدولي، والحفاظ على العلاقات الدبلوماسية لاقليم كوردستان مع دول المنطقة والعالم، لان اعادة رسم خارطة المنطقة، هذه المرة مشابه لتقسيم سايكس بيكو 1916، حيث انه يلبي مصالح ومطامع القوى الكبرى، لكن علينا ان نجعله سايكس بيكو كوردي، وان يخرج الكورد بدولة مستقلة وهو احد ابسط حقوقهم القومية التي يجب ان ينالوها، خاصة انهم اثبتوا انهم قادرون على ادارة انفسهم بانفسهم.




