أوربا غافلة عن التهديد الحقيقي لداعش

عبد الله جاسم ريكاني
يذكُّرنا التاريخ، بأن الكثير من الحروب المدمرة و الكوارث التي حلّت بالعالم المعاصر، بدأت بحوادث صغيرة كان من الممكن تفادي تطورها الى كوارث أكبر لو كان قد تمّ التعامل معها بجدية وواقعية و عدم الإستهانة بها أو إهمالها. فمثلاً، يقال بأن الرصاصة التي كانت من أحد الاسباب التي اشعلت الحرب العالمية الثانية كانت قد اطلقت بالاصل على هتلر في عام 1923 في قاعة بير هال في ميونيخ. في ذلك الوقت فشل العالم في إدراك مدى خطورة هذه الحادثة التي إستفزت هتلر و تعامل العالم معها ببرود و إهمال.
الحرب العالمية "الثالثة" بدأت في الحادي عشر من سبتمبر 2001، عندما شعر العالم كله بأن الشرارة الاولى للجهاد الاسلامي العالمي قد اُطلقت. و مع ذلك و بمرور الوقت، فضّل العالم كله، تجاهل هذه الشرارة. لقد تناسى العالم الغربي خاصةً قوة الجماهير المنفلتة و المنتشية في القيام بكل اعمالها الوحشية.
هل يجب على العالم أن يهمل داعش أيضاً؟
إستناداً الى بعض الاحصائيات، يبلغ عدد أعضاء داعش من السوريين فقط 50000، و من الاجانب الملتحقين بهم في سوريا 20000. و إذا أضفنا اليهم عدد أعضائهم في العراق، فإن ما يقرب من 100000 جهادي، يشكلون القوة الفعلية لداعش في سوريا و العراق.
إضافةً الى ذلك، تبلغ نسبة الملتحقين الجدد بداعش مخيفة حقاً. لقد إلتحق حوالي 6035 شخصا بقوات داعش خلال شهر تموز فقط في سوريا، و في الوقت الذي بدأت فيه الضربات الجوية الامريكية على مواقع داعش، كان هناك 400 ملتحق جديد يتدربون في معسكر الغزلاني في الموصل، يشكلون الوجبة الثالثة من الذين تم تدريبهم و الحاقهم بقوات داعش في الموصل.
كما أن نسبة المؤيدين الداعمين لداعش في العالم العربي والاسلامي مروّعة حقاً، حيث أظهر إستطلاع شمل شرائح مختلفة من المجتمع السعودي، أن 92% منهم يؤيدون داعش فكراً و فعلاً. في كانون الأول 2009، كتبت وزيرة الخارجية السابقة “هيلاري كلنتون” في برقية نشرها موقع “ويكيليكس” تقول ”تبقى السعودية قاعدة التمويل الأساسية لتنظيمات القاعدة وطالبان ولشكر طيبة وغيرها من الجماعات الإرهابية.” و لا ننسى المظاهرات المؤيدة لهم و التي قامت بها حركات الاخوان المسلمين و السلفيين في الاردن حيث ذكرت صحف أردنية أن نسبة الأردنيين المؤيدين لداعش تتراوح بين 5 الى 7 آلاف شخص، إضافةً للمظاهرات المؤيدة لها في اوربا و العديد من الدول الاسلامية الاخرى.
علاوةً على ذلك، فإن جهاد داعش يبدو مواكباً للثورة التكنولوجية المعاصرة و ليست جهاداً تقليدياً مثل الذي تقوم به بعض الحركات الجهادية التقليدية الاخرى. إنها مزيج من أفكار القرون الوسطى و أدوات القرن الحادي و العشرين، وتستخدم التكنولوجيا الحديثة بذكاء شديد كمغناطيس لجذب الملتحقين الجدد اليها، و لهذا السبب، أصبحت محط جذب و إعجاب ليس فقط للشباب المسلم و إنما للشباب عامةً في العالم الغربي.
داعش تمثل نسخة خطرة جداً و سادية من بين كل الحركات الشعبوية الاخرى التي ظهرت على مسرح التاريخ و إستقطبت العديد من المؤيدين و التعاطف بين الشباب مثل حركة جيفارا مثلاً. الفرق الجوهري بينهم و بين داعش، هو أن الاخيرة، تمجد و تعظم المحارب الفوضوي و التي تشكل أفكارها خطراً كبيراً على النظام المجتمعي العام الحالي و خاصةً في الغرب، النظام الذي يكترث ببطاقات الإئتمان و الحقوق الفردية اكثر منه بالجوانب الروحية لأفراده.
أوربا و أفكارها الطوباوية
هذا العالم الغربي وبعد أن أصبح يعيش الان في فراغ روحي و يعاني من حالة دائمة من اللاّمبالاة و عدم الإكتراث لما يدور حوله في العالم.عالم من ألعاب الكومبيوتر التي تحول العصابات إلى أبطال. عالم من الافلام الفاضحة لكل الاعمار، و للمسلسلات مثل "لعبة العروش" و التي تبدو شبيهة جداً بالفيديوهات التي تطلقها داعش.
في عالم كهذا، تخرج علينا الحركات السادية و المنحرفة لتقدم للشاب المسلم و غير المسلم التائه، فرصة الاشتراك في مغامرة عدمية و فوضوية في فضاء من متعة قطع الرؤوس و الاغتصاب المغلفة بالقدسية الدينية. لقد ثبت علمياً، بأن الذكور الشباب ينقادون دوماً من قبل هورمون التستيرون الذكري و الادرينالين العاطفي لإرتكاب أفعالهم حتى قبل أن تقودهم أفكارهم الدينية.
في خمسينيات القرن الماضي، طغت في الغرب، الايديولوجيا الليبرالية التي تقدس الحريات الفردية و حقوق الانسان الى حدود سخيفة و لا معقولة خاصةً بين النخبة المثقفة على كافة الايديولوجيات الاخرى.
و كنتيجة لذلك، سيطرت على الفكر الغربي حالة مشوهة من ما يسمى فكر (ما بعد الحداثة)، و الذي وضع اللوم على الامبريالية و الاستعمار كسبب لكل المشاكل و الاخفاقات في العالم الثالث او النامي. في نظرهم، ليست هناك جريمة لا تجد لها مبرراً في نظر الجاني. السرقة مثلاً، هي ناتج عرضي للنظام الرأسمالي، المغتصب هو ضحية للإعتداء الجنسي عليه اثناء طفولته و هكذا. و في نظرهم، نفس الشئ ينطبق على القضايا العالمية. فحسب رأيهم، الارهاب بإسم الجهاد، هو ناتج عرضي للنضال الذي تخوضه الدول النامية بشكل عام و العرب بشكل خاص ضد الاستعماريين التاريخيين.
و لكن اللافت للنظر بحق، انه و دون العالم كله، فإن اوربا التي تمجد و تحتفل بحلاوة و أهمية التعدد الثقافي و التي فتحت ابوابها لمئات الملايين من المهاجرين، هي و ليس غيرها التي تعيش الان في خوف من غزوات داعش. في هذا العام او العام المقبل، من المحتمل جداً ان نشهد هجوماً إرهابياً شاملاً في احدى العواصم الاوربية من قبل احد خريجي داعش. و سيصور الهجوم حياً في فيلم فيديو و ينشر في شبكات الانترنت والتواصل الاجتماعي الكبرى.
إن مهمة التصدي لداعش لا تقع على عاهل اوباما لوحده، و إنما على كل اوربا و العالم الحركذلك. على كل اوربا ان تتخلص من روحيتها المسالمة و الخانعة و تجمع قواها وتنهض بوجه هذا الغول لكي تعيش. يجب أن يستأصل السرطان الداعشي و إلاّ.
ولا يجب ان تطغى قدسية الحقوق الفردية التي تتباهى بها الدول الاوربية، على أبسط الحقوق البشرية و هو حق العيش و البقاء حياً و الذي يبدوا مهدداً و بشدة من قبل داعش.
يجب البدء بحرب لا هوادة فيها ضد داعش في العراق و سوريا و على اوربا ان تعلن سياسة عدم التهاون مع داعش و مناصريها، و بعكسه، فإن اوربا ستواجه تراجيديا غير مسبوقة و مأساة لا توصف.
يجب على أوربا أن تقوم بوضع خطة عاجلة لطرد و ترحيل كل العرب و المسلمين إلى الزرائب و المستنقعات التي هاجروا منها و خاصةً الذين لم يستطيعوا بعد أن يندمجوا في منظومة المثل و القيم الخاصة بحقوق الانسان و الديمقراطية و التعددية و التسامح و تقبل الغير و إحترام الاديان، و المشبوهين بعدم ولائهم لأوطانهم الجديدة التي أطعمتهم من جوع وآمنتهم من خوف ووفرت لهم كل ما هو متوفر للإنسان الاوربي، قبل أن يتحولوا الى قنابل موقوتة و عبوات بشرية ناسفة. على الاوربيون أن يتذكروا إسبانيا التي لو لم تطرد مستعمريها و محتليها من البدو الاجلاف في ذلك الوقت، لكانت تحكم اليوم من قبل...
والعقل وليّ التوفيق




