تاريخ العلاقات المتذبذبة بين الكورد وواشنطن

عبد الله جاسم ريكاني
لقد توفي القائد الاسطوري للكورد السيد الملا مصطفى البارزاني، والد رئيس إقليم كوردستان الحالي السيد مسعود بارزاني في عام 1979 في واشنطن بعد صراع طويل مع مرض السرطان. بالنسبة للكورد، كانت نهاية القائد مأساوية. لقد وجد الكورد أنفسهم في عام 1975و قد طعنوا من الخلف وغدروا من قبل حلفائهم المفترضين من الامريكان والايرانيين في نضالهم ضد نظام صدام حسين في العراق عندما تركوا ليلاقوا مصيرهم لوحدهم.
ولكن الكثير من الامور تغيرت في الاربعين سنة التي تلت سقوط الثورة الكوردية في عام 1975. لقد رحل صدام حسين بعد ان أطيح به من قبل التحالف الدولي بقيادة امريكا في عام 2003، و بعدها تمتع الكورد في إقليمهم الخاص بفترة من الحرية قلما سنحت لهم مثلها في السابق. كما قامت امريكا و بهدف الدفاع عن شعب و حدود الاقليم بشن غارات جوية على مواقع المسلحين السنة و المنضوين تحت لواء داعش.
قصة العلاقات الامريكية الكوردية هي ليست مجرد علاقة بين قوة عظمى و أقلية مضطهدة في العراق. من جهة، الكورد يعيشون أيضاً في تركيا، ايران و سوريا و قد إنتفضوا على حكومات هذه الدول أيضاً. في بعض الاحيان، كانوا يتعاونون فيما بينهم، و في أحيان كثيرة كانوا يتعاونون مع سلطات تلك الدول التي كانت تضطهد اخوانهم عبر الحدود. و مع ذلك كان الكورد العراقيين الوحيدين الذين استطاعوا الحصول على دعم و مساعدة الامريكان العسكرية.
في السنوات التي اعقبت الحرب العالمية الاولى و طوال تاريخها الجمهوري، كانت تركيا تضطهد الكورد بقسوة و تحاول جاهدةً لإذابة الشعب الكوردي فيها. و لكن و مع كل هذا، كانت امريكا نادراً ما تلوم تركيا على افعالها ضد الكورد. في العراق و سوريا، أيضاً، كانت كل من انكلترا و سوريا ماضيتين في استعمارهما لكلتا الدولتين دونما أي اعتبار لحقوق الكورد او الاقليات الاخرى فيها.
لقد كانت الجغرافيا و الموقع الجيوبوليتيكي لكوردستان، السبب الرئيسي وراء تقسيمها بين الدول الاربعة، و تحولها إلى فريسة سهلة لكل من أراد إلحاق ألاذى و المكائد بهذا الشعب و من ضمنهم الولايات المتحدة الامريكية.
حسابات الحرب الباردة:
إذن، مالذي جلب إنتباه واشنطن الى الكورد؟ السبب الاول و الرئيسي، كان موقع العراق على رقعة شطرنج الحرب الباردة. بعد الانقلاب البعثي في العراق عام 1968، مالت القيادة العراقية حينذاك الى الجانب السوفيتي. و بشكل متناقض، كان السوفييت مساندين و بشكل تام الى الحزب الديموقراطي الكوردستاني بقيادة البارزاني و شجعوا القيادات البعثية الحاكمة و خاصة الرئيس احمد حسن البكر و الرجل القوي صدام حسين، على البدء بمفاوضات حقيقية لوضح نهاية معقولة للمشكلة الكوردية.
في عام 1970، وقع الطرفان إتفاقاً منح بموجبه الحكم الذاتي للكورد في العراق، و أعقبها دخول الحركة الكوردية في تحالف مع الحكومة العراقية ضد ما سمي حينذٍ بالتحالف ضد الامبريالية الغربية.
و لكن هاذ الاتفاق لم يدم طويلاً، لان صدام حسين لم يكن ابداً راغباً في إنجاح هذا الاتفاق و الكورد بدورهم، ألحوا على وجوب إلحاق كركوك الغنية بالنفط بإقليم كوردستان.
في عام 1972، كان السيد البارزاني، يلتمس من الغرب و خاصة امريكا لمساعدته في القتال ضد حكومة بغداد. و عندما نشب القتال فعلياً بين الطرفين في عام 1974، وقف السوفييت خلف اصدقائهم البعثيين. و بالمقابل، وقفت ايران، الحليف الستراتيجي لأمريكا في المنطقة، الى جانب الكورد. و في محاولة لإضعاف البعث الراديكالي في العراق، لعب الامريكان بدورهم دوراً رئيسياً في إمداد الكورد بالدعم العسكري.
بحسب وصف المؤرخ دافيد ماكدوال، فإن السيد البارزاني و ببراءة، لم يدرك أن أصدقاءه من الامريكان و الايرانيين غير مهتمين إطلاقاً بمسألة الحقوق و الحكم الذاتي للكورد.
ايران من جانبها كانت تنوي الحصول على تنازلات من العراق و خاصةً في مسألة السيطرة على شط العرب و التي وافق العراق عليها في عام 1975 في اتفاقية الجزائر. و في اللحظة التي وقع كل من صدام حسين و شاه ايران على الاتفاقية، تبخر الدعم الايراني للكورد و كذلك تبخر التمرد الكوردي. غادر كل من البارزاني و العديد من اتباعه الى اللجوء في ايران.
لقد كان البارزاني متوهماً عندما صدق بان امريكا سوف تدعم الكورد في مساعيهم للحصول على بعض حقوقهم من حكومة بغداد. وزير الخارجية آنذاك، هنري كيسنجر لم يكلف نفسه حتى في مجرد التفكير بعواقب تلك الخيانة، حسب ما أعلن مساعده حينذاك (برينت سكوكروفت) بعد عدة أعوام، وو صفها بأنها (كانت فقط مثل اكل قطع صغيرة من البطاطا).
ذهاب البارزاني إلى اللجوء، و أدى البطش البعثي القاسي إلى قمع الثورة الكوردية بشكل مؤقت. صدام حسين، القائد غير المنازع للعراق بعد عام 1979، وقع في الخطأ عندما غزا إيران محاولاً الاستفادة من حالة الفوضى التي عمت ايران بعد ثورة اية الله الخميني و استرداد التنازلات التي وافق عليها في عام 1975 في شط العرب.
و عندما صمدت ايران و ردت على العدوان العراقي، دخل الكورد ثانيةً في خضم المعركة. وخاضت البيشمركة الكوردية الحرب الى جانب ايران ضد صدام حسين. و عندما انقلب المد و الجزر لغير صالح صدام في الحرب المستعرة، إلتجأ صدام الى استعمال الاسلحة الكيمياوية ضد الايرانيين و المدنيين الكورد على حدٍ سواء.
إن ضرب مدينة حلبجة الكوردية بالغازات السامة و ما نتج عنه من قتل 5000 خلال عدة ايام، جعلت من حلبجة رمزاً للمصير الكوردي. و يحتمل ان يكون الكورد قد فكروا بأن حليفتهم القديمة (امريكا)، سوف تتتدخل لمساعدتهم، و لكن الامريكان كانوا قد غيروا حلفاءهم حينذاك، و كانوا يعتقدون ان صدام حسين كان أهون شراً من الخميني و بدأوا بمساعدة صدام، و كذلك إلتزموا الصمت حيال إستعمال صدام للاسلحة الكيمياوية. هذا الصمت المريب، أعطى الضوء الاخضر لصدام للإستمرار في حملة الإبادة ضد الكورد و المسماة بحملة (الأنفال)، التي شملت كل كوردستان و ليست فقط حلبجة.
الحرب في الخليج:
بعد أقل من عامين من الحرب العراقية الايرانية، غزا صدام حسين الكويت، و عندها بدلت امريكا تحالفاتها ثانيةً عندما دشنت حرباً لتحرير الكويت. و كجزء من إتفاقية وقف إطلاق النار لإنهاء الحرب، وافق العراق على عدم استعمال طائرات الهيليكوبتر و المعدات الحربية الاخرى. و لكن الرئيس جورج بوش الاب، فشل في تعزيز و تقوية شروط وقف النار تلك، و حينذاك، عاد صدام ثانيةً الى تصويب اسلحته ضد الشيعة و الكورد الذين إنتفضوا ثانية ضده بعد ان حصل على حصانة من الامريكان. و خلال بضعة أسابيع، إضطر أكثر من مليون كوردي الى الإلتجاء الى الجبال على الحدود مع تركيا و ايران هرباً من بطش الجيش العراقي.
و خلال أسابيع، بدأت الصور المروعة لمشاهد المجاعة و الامراض التي فتكت بالمشردين من المدنيين الكورد في الأودية و الجبال، تغزوا اجهزة الاعلام العالمية، مما أجبر الولايات المتحدة الامريكية و حلفائها على إتخاذ إجراء و بالتالي فرض ما سمي بالمنطقة ألآمنة في شمال العراق والتي تم تعزيزها ببعض القوات العسكرية ايضاَ لكي يشعر الكورد بالأمان و بالتالي العودة الى ديارهم.
هنا بدأت حقبة أخرى من العلاقات بين الكورد و امريكا. الفضل يعود الى قوات التحالف و خاصةً امريكا على بقاء هذه المنطقة امنةً من قوات صدام حسين، على الرغم من ان الخلافات بين الحزب الديموقراطي و غريمه حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني، قد نجم عنها العديد من الإنتهاكات لحقوق الإنسان.
لقد حاولت واشنطن جاهدةً لتقريب وجهات النظر بينهما و توجت هذه الجهود بالتوصل الى توقيع إتفاق بينهما في وزارة الخارجية الامريكية في عام 1998. بالنسبة لأمريكا آنذاك، كان وجود منطقة كوردستان آمنة، تساعد في إحتواء صدام و كذلك تشكل قاعدة للمعارضة العراقية المدعومة من قبل امريكا مثل المؤتمر العراقي الموحد.
الغزو الامريكي للعراق في عام 2003، ساعد في تمتين العلاقات بين امريكا و العراق. من بيع العراقيين كافةً، كان الكورد هم الوحيدين الذين رحبوا بكل حرارة بعملية الإطاحة بصدام حسين و تعاونوا بفعالية مع القوات الامريكية قبل و بعد الغزو. و بينما إنقلب كل من السنة و الشيعة العراقيين ضد الامريكان في وقت لاحق، بقي الكورد و لحد اليوم يطلقون على عملية غزو العراق بتحرير العراق.
لقد تمكن الكورد من الحصول على حالة من الإعتراف بالاستقلال الذاتي ضمن الحكومة الفيدرالية العراقية عام 2005، و كبادرة رمزية غاية في الأهمية، تمكن الكورد من إستلام منصب رئيس الجمهورية العراقي في نفس العام. و لقد أثبت الرئيس الطالباني جدارة منقطعة النظير في الحفاظ على السلم في بغداد بين السنة و الشيعة و حصل على إحترام واشنطن و المنطقة لحين إصابته بالجلطة الدماغية في 2012.
ومع تدهور صحة الرئيس طالباني، و على الرغم من أن دكتاتورية رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي إزدادت في تلك الفترة، وجدت الولايات المتحدة الامريكية نفسها في وقت عصيب. من جهة، كان لزاماً عليها ان تبقي دعمها للمالكي لمساعدته على التصدي للتحديات الإقليمية. و من جهة اخرى، كان عليها إحتواء النتائج الكارثية لتسلط المالكي و الحفاظ على وحدة العراق التي بقيت امريكا ملتزمة بهذه الوحدة لان امريكا إشمأزت من رؤية التغييرات الحاصلة في حدود الدول التقليدية في الشرق الاوسط و التي من شأنها ان تقوض التوازنات الجيوبوليتيكة الهشة أصلاً في المنطقة.
لقد حاول الكورد العراقيون تطوير مصادرهم من النفط و الغاز بمساعدة تركيا المهووسة بالطاقة و التي إستثمرت بقوة في هذا القطاع بالاتفاق مع حكومة اقليم كوردستان، الامر الذي أثار غضب حكومة بغداد. و قد إنتقمت حكومة بغداد من الكورد في أوائل عم 2014 عندما قطعت الميزانية المخصصة للإقليم و بالتالي، خلقت أزمة مالية حادة في الاقليم. ثم قام المالكي بإعفاء الوزارء الكورد من الحكومة. لحد هذا اليوم، تريد واشنطن الحفاظ على صداقتها مع الكورد و لكنها بالمقابل، ترفض تأييد اي حركة من شأنها ان تقوض وحدة العراق.
الشركاء الجدد:
ولكن، وبعد ذلك، أتت داعش التي واجهت مقاومة ضعيفة من الجيش العراقي عندما زحفت على العراق. لقد حاول الكورد، ملء الفراغ الذي خلقته القوات العراقية المنهزمة. و علاوة على ذلك، فإن قوات البيشمركة المرهقة و غير المهيأة للتصدي لهجمات داعش، إنسحبت من بعض المواقع الحساسة ومن ضمنها سنجار ذات الأغبية الإيزدية. و لقد اجبرت الكارثة الانسانية الناجمة عن غزو داعش لمناطق الأيزديين، إدارة اوباما المتلكئة للتدخل عن طريق الضربات الجوية.
مما لا شك فيه، أن إلحاق الهزيمة بداعش، باتت الاولوية القصوى للولايات المتحدة الامريكية، و ذلك يمكن تحقيقه فقط من خلال إعادة تشكيل و هيكلة الجيش العراقي و تعاون القوات الكوردية معها. في الوقت نفسه، تعمل القوات الامريكية ترادفياً مع الكورد لإيقاف تمدد داعش و تأمين البنى التحتية العراقية الخطرة مثل سد الموصل الأضخم في العراق الذي سقط في أيدي داعش في بداية شهر آب. و لهذه الاسباب، مرة أخرى، رأت امريكا أنها بحاجة الى الكورد لإنقاذ العراق.
و كالعادة، فإن السياسة الأمريكية لا تزال مليئة بالتناقضات، حيث لا تزال المجموعتان الكورديتان اللتان تتعاون معهما امريكا حالياً و هما الحزب الديمقراطي الكوردستاني و الإتحاد الوطني الكوردستاني مدرجتين على قائمة الإرهاب الامريكية.
إنهما مصنفتان على القائمة (3)، و هي على العكس من القائمة رقم 2و1، من قوائم الارهاب الامريكية، لا تحدد من قبل وزارة الخارجية الامريكية، بل من قبل قسم الأمن الوطني ودوائره البيروقراطية المعقدة. و على الرغم من ان ادراج الاشخاص و الاحزاب على القائمة 3 المذكورة ليست بذات خطورة و اهمية القئمتين 1،2، و لكن سببت إحراجاً كبيراً لحكومة اقليم كوردستان الى درجة، أن رفض رئيس الإقليم السيد مسعود بارزاني دعوة رسمية لزيارة البيت الابيض في اوائل عام 2014 بسبب هذا الموقف الامريكي غير المبرر.
الحكومة الامريكية من طرفها لم تحدد علاقاتها مع حكومة إقليم كوردستان و الاحزاب المكونة لهذه الحكومة بسبب هذه القائمة، و لكن الأمريكان إنتظروا ست سنوات قبل ان يعترفوا رسمياً بحكومة الإقليم و يفتحوا قنصلية لهم في أربيل عاصمة الاقليم في عام 2011، بعد ان سبقتهم العديد من دول العالم.
و الآن مالذي يخبئه المستقبل؟ كورد العراق ليسوا على وشك إعلان دولتهم؛ إنهم محاصرون في إقليم مغلق و بحاجة الى موارد مالية تأتيهم من العراق من مبيعات النفط. و الأهم من ذلك، هم يعلمون انه ليس بإستطاعتهم هزيمة داعش لوحدهم. و لهذا، فلا داعي لواشنطن ان تقلق؛ رئيس الوزراء الجديد في بغداد، سيبذل ما بوسعه لطمأنة و تبديد مخاوف الكورد و بدء عملية إعادة بناء العراق. ليس هناك ضمانات بالطبع و لكن خيارات امريكا محدودة قبل ان تتورط ثانيةً في العراق و ترميم الروابط و الجسور المحترقة بين أطياف العراق و من ضمنهم الكورد.
على الرغم من ان الكورد قلقون و غير واثقين من ضمانات ووعود امريكا، فإن أمراً أكيداً قد تغير: في مرحلة ما بعد الربيع العربي، و الاحداث البالغة الأهمية في سوريا و العراق و مناطق كورد تركيا، لم يعد الكورد مجرد (قطع صغيرة من البطاطا) كما في أيام كيسنجر، لأنهم سيلعبون دوراً حازماً في إعادة تشكيل الشرق الاوسط الجديد.




