٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

كسوف شمس يزيد خان

المصدر: KDP.info

د. آزاد مصطفى

ضاقت الأرض وتجمعت المصائب، من كل صوب وحدب، فقدت يزيد خان في لمحة بصر، ما حافظ عليه عبر الحقب والدهور، كسرت ألسنة النيران المتصاعدة صمت الليل الرهيب، وسوادها، كانت الأشباح تتقدم مثل أسراب الجراد، إذ كان حلول الليل يحجب جلبة الحرب المندلعة، وما أن أرخى الليل سدوله، لم يبق ثمة أثر من دوي الرصاص وانفجار القنابل وصفير القذائف، فجأة انتهى كل شيء في شنكال، الفرسان، السلاح، الذخيرة، الأحلام، الزمان، المكان، تعالي عواء الذئاب يقرع الآذان والقلوب من بعيد يا له من مشهد يقطر مرارة وأسى. بقي آخر حراس الهيكل قاسم ششو وعميد آخر من بيشمركة كوردستان الذي أقسم معه بالموت من أجل الذٌود عن يزيد خان، كانت القوافل البشرية المذعورة، والهاربة من هول الجحيم عبر مروج النبي سليمان، حيث كانت ترعى خيوله إلى مضارب يزيد خان، خانكي ولالش وشاريا وجابد كاندال. من رفعوا الرايات البيضاء كانوا حفاة،غلت أياديهم بالأصفاد التي كانت مشدودة حتى إن أصابعهم احتقنت، كانت رائحة بارود كثيفة، تزكم الأنوف رائحة عجز المظلوم عن مواجهة الظالم، الوجوه الجامدة والشفاه الشاحبة في هذا المكان العابس، الذي يتجمد حتى الزمان، غربان تنقر العيون، وذئاب تبقر البطون. تنعق البوم وتسكت ملك الطاووس والبلابل جثمت شنكال على قلبه كالملح على الجراح، أغتم وتكدر. كان أحد الهاربين هرماً ذا لحية ناصعة البياض تتلألأ في وجهه الأسمر حريق الشمس وآخر في الثلاثين من العمر تنم الشفاه المتشققة مثل البحيرة اليابسة إنهم جوعى وعطشى منذ إيام. أما ثالثهم فكان طفلا بريئا فقد بصره بسبب العطش من عناء الرحلة الطويلة، بلغوا من الكبر عتيّاً. في رحلة مرعبة، دامت سبعة أيام كأنها سبع سنوات،عجاف كرر جملته بصوت حزين وعينين نديتين بالدموع.

يعود تاريخ الحملات التكفيرية الإرهابية على الإيزيديين، إلى أيام الخليفة العباسي المعتصم، وتكررت في عهد الدولة العثمانية، وتعرضت شنكال إلى حملة فارسية وحملات أمراء الرواندوز محمد باشا الصوري وحملة بدرخان بك وحملة إبراهيم باشا، وتعرضوا للقمع في العهد الملكي وإلى حملات التعريب والأنفال في العهد البعثي.

إلا أنهم حافظوا على وجودهم وتراثهم، في وجه كل الرياح العاتية، إلا أن الغزو الداعشي كان أكبر الغزوات، وأكثرها وحشية، إذ وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة عدو همجي، أرعن، لا يعرف أعراف الحرب.

الضربة الأولى نصف المعركة وليست كلها، إن خسارة الكورد معركة شنكال لا يعني خسارتهم الحرب وها هي البيشمركة تحقق الانتصارات وتحرر البلدات والقرى بعد أن حدثت انسحابات بسبب نقص السلاح ونفاذ الذخيرة في معظم الحالات، كما قال سيد قادر وزير البيشمركة، مشيرا إلى تبدل الواقع الميداني بعد استلام الأسلحة، وبعد القصف الأمريكي وبعد أن قررت سبع دول تزويد البيشمركة بالسلاح لتغطية جبهة طولها 1500 كم تحتاج إلى جيش مليوني لحمايتها، بالإضافة إلى وجود شنكال في محيط داعشي وصعوبة فتح خطوط امداد إليها، لكن السؤال الذي طرح هل كان يمكن تنظيم مقاومة شعبية من الطراز الفيتنامي، يتم فيها تسليح جميع أفراد الشعب، والاستعداد للهجوم المرتقب وخصوصا بعد احتلال الموصل.... وقد صرح أحد الوجهاء أن قاسم ششو قد أخبره قبل غزو الدواعش الوشيك بعشرين يوماً وتحدث عن ضرورة تنظيم المقاومة.

قمنا في إطار جمعية أطباء كوردستان الخيرية بزيارات متعددة إلى مخيمات المهجرين الإيزيديين في جابد كندال وخانكي ولالش وشاريا ودهوك وتم ذلك بمبادرة من رئيس الجمعية د. فيان يوسف، هذا الشاب المبادر والمثابر الذي كان يعمل في مؤسسة البارزاني الخيرية منذ تخرجه من أوكرانيا، بدأ يعمل دون كلل وملل في الأعمال الخيرية ومساعدة أخوته الكورد في المحن إذ قدم مساعدات جمة الى المهجرين السوريين منها أدوية بقيمة 100 مليون دينار استلمها من مكتب السيد نيجيرفان بارزاني وقدمها الى غربي كوردستان. ويعمل بكل تفانٍ ونكران ذات، وحتى قام بإسعاف جريحين من البيشمركة من الخطوط الأمامية. وهناك شاب شهم آخر في زاخو نيجيرفان رمضان، أقام مخيماً على نفقته الخاصة. وكان يناشد الجميع لنجدة الأخوة الإيزيديين.

وبمبادرة من الأخوة في مكتب السيد رئيس الوزراء قام أطباؤنا مع منظمة أمهات المؤنفلين في بارزان بزيارة أربع مدارس فيها مهجرين من شنكال منهن من فقدن أزواجهن وأخريات أبنائهن، وبعضهن آبائهن، وقالت احداهن لقد أخذوا كل ذكورنا فوق الثالثة عشرة من العمر في زمن الأنفال وإلى الأبد لم نرهم، لقد كانت مصيبتنا أكبر من مصيبة الإيزيدية، وقالت أخرى عندما هربنا إلى إيران أيام الأنفال، الإيرانيون لم يعطونا حتى الخبز.

وقامت نساء بارزان بتقديم الملابس والحليب والألعاب للأطفال ودخلوا مع كبارهم في الحديث للتخفيف من معاناتهم وقام الأطباء بتوزيع الأدوية ومعالجة المرضى. بعد كل دمعة ابتسامة وسيعود الأخوة الإيزيديون إلى يزيد...

أخبار ذات صلة