٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

كيف اصبح اقليم كوردستان محط أنظار العالم

المصدر: KDP.info

جــودت هوشـيار

 بين ليلة وضحاها أصبح اقليم كوردستان محط اهتمام العالم وشاغل أنظاره، وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى  استثنائيا، ونادر الحدوث، حيث لم يحدث قط منذ الحرب العالمية الثانية اجماع اقليمي ودولي حول قضية او بلد ما مثل ما يحدث هذه الأيام من تأييد المجتمع الدولي بأسره لاقليم كوردستان في تصديه لأرهابيي تنظيم داعش أقوى وأغنى وأخطر تنظيم ارهابي في العالم. ولكن لهذا الاهتمام أسباب موضوعية تتعلق بأمن واستقرار الشرق الأوسط ومصالح الدول الغربية والقيم التي تؤمن بها المجتمعات المتحضرة.

لا يخفي على المتتبع لتطور اقليم كوردستان في كافة مجالات الحياة الانسانية وتحديث المجتمع الكوردستاني في السنوات الأخيرة، ملاحظة قيم التسامح العرقي والديني والمذهبي المتجذرة في الثقافة الكوردية، وهذا ما أشار اليه الرئيس أوباما في كلمته التأريخية عندما أجاز تقديم المساعدة العسكرية العاجلة لقوات البيشمركة لصد قطعان داعش وردعهم عن المساس بأمن وحرية كوردستان.

صحيح ان التراجيديا الانسانية الكبرى التي تعرض لها الأيزيدييون الكورد في مدينة سنجار والحصار الذي فرضه ارهابيو داعش على النازحين الى المنطقة الجبلية القريبة منها، كان احد العوامل الأساسية التي دفعت البيت الأبيض الى اتخاذ قرار عاجل بتوجيه ضربات جوية فعالة الى مواقع الارهابيين بعد أقل من 36 ساعة من هجوم مسلحي داعش على حدود الاقليم ودون انتظار قرار من مجلس الأمن الدولي كما كان الأمر في بعض المناطق الساخنة الأخرى في العالم التي تدخلت فيها الولايات المتحدة الأمريكية عسكريا (البوسنة، ليبيا) ثم اتخذ الرئيس اوباما قرارات لاحقة بمد البيشمركة بالأسلحة الحديثة وزيادة عدد المستشارين الأمريكيين في أربيل والقاء المياه والطعام الجاهز الى العالقين في جبل سنجار. وحذت دول الاتحاد الأوربي حذو الولايات المتحدة الأمريكية في تقديم الدعم العسكري المباشر لقوات البيشمركة والمساعدة الانسانية العاجلة لمنكوبي  سنجار وابدت دول كثيرة تأييدها ومساندتها للاقليم في تصديه لعدوان دولة داعش الارهابية نيابة عن العالم بأسره .

ولكن ثمة عوامل أخرى فرضت نفسها على البيت الأبيض في اتخاذ القرار التأريخي بمساندة الكورد، ويمكن تلخيصها فيما يلي:

1 – دفعت الولايات المتحدة الأمريكية ثمنا غاليا للأخطاء التي ارتكبتها ادارة الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش حيث بلغت خسائرها البشرية حوالي (5000) ضابط وجندي واصيب أكثر من (35000) آخرين باعاقات دائمة وأنفقت مئات المليارات من الدولارات على المجهود الحربي، لتترك العراق بعد انسحاب قواتها منه في نهاية عام 2011 في وضع لا يحسد عليه. أي ان كل الجهود الأمريكية ذهبت هباءاً، ما عدا استثناء واحد هو اقليم كوردستان المستقر أمنيا والمزدهر اقتصاديا.

التجربة الديمقراطية والتنمية المتسارعة في الاقليم نموذج ناجح حيث أثبت الكورد انهم أقرب شعوب الشرق الأوسط الى القيم الديمقراطية والأخلاقية والثقافية للحضارة الغربية واكثر استعدادا وكفاءة لتحديث مجتمعهم من أي مكون آخر من مكونات العراق.

لقد أصبح اقليم كوردستان واحة للأمن والأمان المادي والديني والسياسي في العراق المضطرب وفي الشرق الأوسط عموماً وسوقا واعدة ذات بيئة استثمارية جاذبة للشركات العالمية وملاذا لكل العراقيين النازحين والمضطهدين.

 هل يوجد في الدنيا بأسرها كيان آخر بحجم اقليم كوردستان وبعدد نفوسه يحتضن أكثر من مليون وربع المليون لاجئ من مناطق العراق الأخرى المتوترة ومن شتى الأعراق والأديان والمذاهب، اضافة الى حوالي ربع مليون لاجئ سوري معظمهم من الكورد.

الكثير من اللاجئين ينتشرون في العديد من  بلدات الاقليم كضيوف أعزاء يحميهم القانون وتقاليد الضيافة الكوردية التي أشاد بها المستشرقون كثيراً في الماضي وكل من زار الاقليم في السنوات الأخيرة من العرب والأجانب.

2–  يتمتع اقليم كوردستان الغني بالموارد الطبيعية -كالنفط والغاز اضافة الى المعادن الثمينة التي لم تستثمر بعد-  بقيمة جيوستراتيجية كبيرة وهامة على المستوى الاقليمي والدولي لوقوعه في قلب الشرق الأوسط، وهو اليوم ، كما كان الأمر في الماضي ممر بالغ الأهمية  للتجارة بين بلدان المنطقة. ان وصول داعش الى داخل اقليم كوردستان كان سيؤدي الى عدم الاستقرار في العراق ومنطقة الشرق الأوسط ويشكل خطرا على تركيا  العضو في حلف الأطلسي وايران.

3– لعبت وسائل الأعلام الأمريكية والرأي العام الأمريكي دورا ضاغطا على البيت الأبيض وفي لفت الأنظار الى مأساة الأيزيديين والأهمية القصوى لاقليم كوردستان كحجر أساس لاستقرار الشرق الأوسط، وطالب العشرات من اعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكي بنجدة الكورد ومد قوات البيشمركة بالأسلحة الثقيلة الحديثة اللازمة لدحر داعش وتطهير كوردستان والعراق من رجس هذه التنظيم المتوحش، المجرد من كل القيم الأخلاقية والدينية والانسانية.

ويقول الصحفي الأمريكي البارز فريد زكريا في آخر مقال له ان الشعب الكوردي قوة ديمقراطية في الشرق الأوسط وصديق موثوق للولايات المتحدة الأمريكية.

وخلال كتابة هذا المقال اتصل بي صديق مسيحي عزيز، هاجر الى الولايات المتحدة قبل حوالي (40) عاما، وهو اليوم  يحمل الجنسية الأمريكية ورجل اعمال ناجح وعضو بارز في الحزب الجمهوري الأمريكي. نقل لي هذا الصديق آراء ومشاعر المواطن الأمريكي العادي ازاء اقليم كوردستان. قال انه استطلع آراء عدد كبير من أعضاء الحزب الجمهوري الذين أبدوا اعجابهم بالتقدم المتسارع في الاقليم الذي تحول خلال سنوات قليلة الى بلد يسعي للحاق بالحضارة العالمية واصبح واحة للأمن والاستقرار والازدهار  وان الولايات المتحدة لن تسمح أبداً لأحد كائنا من يكون، المساس بهذا النموذج الناجح. كما أشاد الأمريكيون بشجاعة البيشمركة وصمودهم البطولي امام الهجمة البربرية لقطعان داعش.

 4 – انتهجت القيادة الكوردية سياسة متوازنة مدروسة ومرنة في التعامل مع الجارتين الكبيرتين تركيا وايران، حيث استطاعت تأسيس علاقات حسن الجوار والاحترام المتبادل والحرص على المصالح المشتركة معهما  في آن واحد، مع الحفاظ على استقلالية القرار الكوردي. وهو انجاز بارز لسياسة الاقليم الخارجية، اذا علمنا ان تركيا وايران كانتا على مدى مئات السنين وما زالتا تتنافسان لبسط نفوذهما على كوردستان والعراق.

كما نجحت القيادة الكوردية في التعريف بالقضية الكوردية وكسب كثير من الأصدقاء للشعب الكوردي والمناصرين للقضية الكوردية في اوساط النخب السياسية المؤثرة في الغرب واجتذاب الاهتمام الدولي المتزايد باقليم كوردستان الناهض ولا أدل على ذلك من وجود أكثر من ( 30) ممثلية دبلوماسية في العاصمة أربيل. ولدى الأقليم اليوم علاقات متعددة الجوانب مع عدد كبير من دول العالم.

كل هذه العوامل مجتمعة جعلت التجربة الديمقراطية في اقليم كوردستان والاستقرار الذي ينعم به نموذجا يحتذى في وسط منطقة مضطربة وبالغة الأهمية بالنسبة الى المجتمع الدولي، وجعلت الدول الديمقراطية العريقة تسارع الى نجدة الشعب الكوردي وقواته المسلحة في صراعه الدامي مع دولة الأرهاب الداعشية، هذا الصراع الذي يتوقف على نتيجته مصير الشرق الأوسط بأسره.

جــودت هوشـيار

[email protected]

أخبار ذات صلة