الكورد السوريون والوضع النهائي للقوميات

باسل العودات
لابد أن يبادر كورد سوريا، وقوى المعارضة السورية إلى وضع وثيقة حول الوضع النهائي للقوميات، تحدد حقوقهم في إطار بلد موحد أرضا وشعبا، المواطنة فيه المعيار الأول والأخير.
واجه الشعب الكوردي في سوريا والعراق وتركيا وإيران ظلما بيّنا خلال القرن العشرين ومازال بعضه يواجهه حتى الآن. مع أن هذا الشعب يعيش على أرضه منذ آلاف السنين، ولم يبرح هذه الأرض أو يجلو عنها كرهاً، أو يتخلى عنها طوعا، وقد بدأت مأساته المعاصرة منذ تطبيق اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا التي لم تأخذ مصالح الكورد بعين الاعتبار، بل قسمت كوردستان بين سوريا وتركيا والعراق وإيران، وصار الشعب الكوردي يعيش في أربع دول، صحيح أنه يعيش على أرضه، لكن الصحيح أيضاً أن هذه الأرض مرهونة لدول أخرى غير كوردية، ولشعوبها أهداف وطموحات وهموم مختلفة، بل أحيانا، إن لم أقل معظم الأحيان، كانت تمارس سلطتها على الكورد وكأنهم شعب محتل، وتمنع عنهم، في البلدان الأربعة ودون استثناء حقوق المواطنة أو الحقوق القومية، وتحرمهم من ممارسة حرية الرأي والتعبير وتمنع عنهم حتى الحقوق المدنية، أو تأسيس منظمات المجتمع المدني، بعد أن منعت عنهم تأسيس الأحزاب، أو حتى الحديث في السياسة أو المطالبة بالحقوق المدنية أو القومية، وبديهي أن من يضيق بالحقوق المدنية، يضيق أكثر بالحقوق السياسية وبالحريات وغيرها.
عاش الكورد طوال القرن العشرين في بلدان سايكس بيكو كمواطنين من الدرجة الثانية، وكان وضعهم في سوريا لا يختلف عن غيرها من الدول المجاورة، بل مورست عليهم سياسات شبه عنصرية، باعتبار أن الحزب الحاكم في كل من هذه البلدان هو حزب قومي متعصب، قام بعض أفراده بممارسات شبه عنصرية ضد الكورد، مثل تنفيذ ما سمي (الحزام العربي) وهو إحاطة المناطق الكوردية بسكان غير كورد تهجّرهم الدولة إلى هذه المناطق، وتهجّر منها الكورد ليبقوا في ما يشبه الكانتونات. أو مثل الممارسات الأخرى التي مارستها الحكومات السورية في عدم إعطاء قسم كبير من الكورد هويات شخصية، وعدم الاعتراف بجنسيتهم السورية، وتركهم يعيشون دون هوية، ولا يستطيعون بذلك الدخول في وظائف الدولة، أو ممارسة الأعمال الخاصة التي تحتاج إلى رخصة. وقد حُرم على الكورد الحقوق القومية وبعض الحقوق السياسية أو شبه السياسية كتأسيس الأحزاب والجمعيات أو حتى تشكيل تيارات سياسية لا تنظيم لها، أو التعليم باللغة الكوردية، أو الاحتفال العلني ببعض الأعياد الكوردية، لقد كانت هذه جميعها محرمة أو شبه محرمة.
شارك الكورد السوريون في انتفاضة الشعب السوري الحالية منذ الأيام الأولى، وتخلت أحزابهم وتنظيماتهم (السرية) عن أهدافها القومية والأساسية -مؤقتا- وركنتها جانبا، وتبنت شعارات الانتفاضة السورية، وكانت مظاهراتهم ونشاطاتهم السياسية لا تختلف عن نشاطات الشعب السوري، واعتبروا أن هذه الانتفاضة التي شاركوا فيها بنشاط وجدية وفعالية سوف تعترف بحقوقهم القومية والسياسية والاجتماعية في حال نجاحها، خاصة أنهم لم يروا من النظام السياسي طوال خمسين عاما أي بادرة للاعتراف بهم وبحقوقهم، واستمروا يمارسون نشاطهم السياسي السلمي عدة أشهر، حتى بدأ النظام استخدام العنف، مما تطلب منهم موقفا سياسيا (وقوميا) جديدين.
حمل قسم من الأحزاب الكوردية السلاح، ومعظم هؤلاء كانوا تحت هيمنة وقيادة حزب (الاتحاد الديمقراطي الكردي) وهو فصيل من فصائل حزب العمال الديمقراطي الكوردي- التركي بقيادة عبدالله أوجلان، وسمح النظام للحزب (ضمنا) أن يُقيم (إدارة ذاتية) في المناطق الكوردية السورية الثلاث (الكانتونات الثلاث) وتخلى الحزب عن حصر همومه في سوريا مبررا ذلك بأنه حزب عابر للبلاد، أي أنه ينسق مع فروع الحزب الأخرى في تركيا وكوردستان العراق وإيران، ولأن حزب الاتحاد الديمقراطي الكوردي هو أقوى الأحزاب، ويؤيده أكثر من نصف كورد سوريا، فقد أقام الإدارة الذاتية في المنطقة الكوردية، وطرد قادة الأحزاب الكوردية الأخرى منها، واعتقل بعضهم بل وقتل البعض الآخر، وراهن كليا على التحالف مع النظام السوري، رغم أن هذا النظام يعتقل العشرات من ناشطي الحزب، وتجاهل رفض الأحزاب الكوردية الأخرى، وقيادات كوردستان العراق وخاصة مسعود بارزاني لما يقوم به، وانتسب الحزب إلى هيئة التنسيق الوطنية لقوى الثورة والمعارضة (وهي فصيل معارض داخلي).
من جانب آخر شكلت الأحزاب الكوردية السورية الأخرى المجلس الوطني الكوردي، الذي يرفض (الإدارة الذاتية) ويقول إنها خدعة تُدخل الحقوق القومية الكوردية في متاهات، وينادي بدلاً من ذلك بالفيدرالية ويقول إن الفيدرالية هي الحل الصحيح لكورد سوريا، في إطار وحدة الأراضي السورية، وتسمح لهم بنيل حقوقهم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، عكس (الإدارة الذاتية) التي لا توجد لا في القانون الدولي ولا في تجارب الشعوب، وقد انتسب المجلس الوطني الكوردي إلى الائتلاف الوطني السوري المعارض (المعارضة السورية الخارجية).
يشدّد الكورد السوريون، بفرعيهم حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني، على أنهم لا يهدفون للانفصال عن سوريا، وحريصون على وحدة الأراضي السورية لأنهم سوريون، ويعتبرون أن الظروف القائمة الآن في سوريا، ومهما كانت نتائج الصراع السوري الداخلي، هي فرصتهم كي يحصلوا على حقوقهم، وإن لم يغتنموا هذه الفرصة فعليهم الانتظار عقوداً عديدة، كما يعرفون صعوبة ذلك، فليس فقط القوميون العرب المتعصبون لا يوافقون على كل مطالبهم ويشككون بنواياهم، بل إن تيارات سياسية سورية عديدة لا تذهب لأكثر من ذلك وترى أن هدفهم هو الانفصال، وقد أحدث مطلبهم حذف كلمة (العربية) من اسم الجمهورية العربية السورية، ردة فعل عنيفة لدى شرائح كبيرة من الشعب السوري.
لا أحد يضمن ألا تصل أسلحة الغرب التي قرر إرسالها لكوردستان العراق إلى كورد سوريا في مناطق الحكم الذاتي، عندها سيكون الوضع أكثر تعقيدا وصعوبة بالنسبة للسوريين للوصول إلى حل للمشكلة الكوردية ضمن إطار الوطن الواحد والمصالح المشتركة، وستبدأ مشاكل من نوع آخر، معقدة وذات نتائج سوداوية، وسيدخل السوريون في صراعات قومية لا نهاية لها خاصة بوجود عدة قوميات في سوريا جميعها يطالب بحقوقه القومية، وستكون نهاية الحرب ضد النظام بداية لحروب أخرى بين أخوة الثورة، ولابد لإفشال أي سيناريو من هذا القبيل، أن يبادر كورد سوريا، وقوى المعارضة السورية الأخرى إلى وضع وثيقة نهائية وحاسمة حول الوضع النهائي للقوميات، كوردية كانت أم غير كوردية، تحدد حقوقهم في إطار بلد موحّد أرضا وشعبا، المواطنة فيه المعيار الأول والأخير، لا القومية والدين أو القبيلة.




