نطالب السنة بموقف صريح من الكورد.. والكورد بموقف قومي من السنة

عبد الغني علي يحيى
لعقود، مارس الكورد عن جهل (الحب من طرف واحد) مع العرب السنة في العراق وخارجه، ففي استفتاء تقرير مصير ولاية الموصل 1952 صوتوا لصالح الانضمام إلى العراق، مفضلين بذلك العرب على الترك. وفي عام 1956 تظاهروا تضامناً مع مصر ضد العدوان الثلاثي عليها وسجن منهم خلق كثير. كما ايدوا الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية..الخ من مواقف داعمة للعرب. ولكن يوم تعرضت حلبجة للقصف الكيمياوي وقتل خلال دقائق من سكانها نحو (5000) شخص وقتل اكثر من 182 الف كوردي في الانفال ومذابح اخرى بحق البارزانيين والفيليين فابتلاع المقابر الجماعية لعشرات الالوف من الكورد وتدمير 4500 قرية كوردية، فان العرب العراقيين بالاخص وقفوا موقف المتفرج من المآسي التي حلت بالكورد، ولم تشهد البلدان العربية ولو تظاهرة واحدة حتى من (5) أشخاص احتجاجاً على ذلك. في حين عندما تعرضت مصر الى العدوان الثلاثي، تظاهر الكورد في أربيل والسليمانية ودهوك وكويسنجق ضد ذلك العدوان والقي العشرات منهم في سجون بعقوبة والنكرهوغيرها.
ولكن يبدو ان الكورد لديهم الاستعداد للدغ من جحر اكثر من مرتين، فبعد عام 2003 وعلى أثر الصراع الذي نشب بين السنة والشيعة في العراق، فان الكورد فتحوا أبواب كوردستان على مصارعها امام اللاجئين السنة الذين قدر عددهم بنحو (200) الف لاجئ قبل اندلاع الحرب في الأنبار مستهل عام (2014). والآن وبعد اجتياح مدن ومناطق سنية من قبل داعش بعد أحداث الموصل في 10-6-2014 فإن العدد تضاعف.
وبعد احتلال داعش لسنجار وزمار فإن الكورد ذاقوا تجربة مرة مع السنة، ففي تلك المناطق، وكذلك مناطق جلولاء وغيرها قام العرب السنة بطعن الكورد والبيشمركة دون استحياء وخجل وقد تنكروا للجميل الكوردي معهم ووضعوا ايديهم في يد داعش، وراحوا يسبون نساءهم (سبي 500 فتاة وامرأة ايزيدية في سنجار) وينهبون ويسلبون أموال الكورد وقطعان اغنامهم ومواشيهم (اتق شر من أحسنت اليه)، وراحت داعش تنطلق من القرى العربية وبدعم من الاخيرة للاعتداء على الكورد والايزيديين والشبك والمسيحيين والتركمان الشيعة، وحسب انباء مؤكدة فإن عرب جلولاء كانوا ومازالوا القاعدة الاجتماعية لداعش وانضم المئات منهم وكذلك في الموصل واطراف ربيعة وزمار ومخمور الى داعش لالحاق الأذى بالكورد وابادتهم.
هذه ليست المرة الأولى التي يتعامل فيها العرب السنة بالصورة التي ذكرناها مع الكورد ومكونات قومية ودينية ومذهبية اخرى، ففي نظام صدام حسين، كانوا الاداة الطيعة للتعريب واحتلال مدن وقرى واراضي الكورد. وبعد انهيار النظام المذكور في 9-4-2003 فإن العرب المستوطنين في كركوك رغم حصولهم على تعويضات لقاء مغادرتهم لكركوك، فإنهم لم يغادروها وبقوا كالكابوس على صدور الكورد والتركمان والمسيحيين هناك. لقد اثبت العرب السنة انهم مع داعش وان الاخيرة تمثلهم وتقودهم. مثلما كانوا في السابق مع نظام صدام حسين.
عندما اجتاحت داعش الموصل وسنجار ..الخ فإن المسيحيين الفارين من الموصل واطرافها تظاهروا في دهوك وعينكاوا واربيل تنديداً بداعش وسوء سلوكها، فيما قام الايزيديون بتنظيم تجمعات مدوية امام البرلمان الكوردستاني باربيل وكذلك في السليمانية ودهوك وزاخو وفي مدن أوربية للغرض نفسه. أما النازحون العرب السنة الذين يربو عددهم على عشرات الالوف ويفوق عدد المسيحيين والايزيديين في كوردستان، فانهم لم يتظاهروا ضد داعش في كوردستان، ما يعني انهم مع داعش، وانهم وداعش وجهان لعملة واحدة أو قلبان في جسد. في وقت كان من المفروض فيهم ان ينتظموا في فصائل مسلحة لمقارعة داعش وضربها إلا ان شيئاً من ذلك لم يحصل. ولن يحصل، ان قلوبهم مع داعش وان الكورد محقون في النظر اليهم، النظرة الى خلايا نائمة أو قنابل موقوتة وتعريب تحت ستار النزوح ينفجر بوجه الكورد في اية لحظة أو عندما تحين الساعة.
على حكومة كوردستان، أن تراجع مواقفها حيال اللاجئين السنة في كوردستان وكذلك المنظمات العربية السياسية السنية وكل المكون الاجتماعي السني، وتطالبهم بموقف واضح وصريح.. هل هم مع الشعب الكوردي أم مع داعش؟. فسؤال ثان: اذا كانت داعش وظلالها: (المجلس العسكري لثوار العشائر) و(جيش الطريقة النقشبندية) وغيرها، تدعي بانها حررت من أراضي العراق ما يقارب الـ50% فلماذا والحالة هذه لا يعود النازحون السنة في كوردستان الى وطنهم في الانبار وصلاح الدين وغيرهما، بعد ان اصبح وطنهم حراً كما يزعمون، ويشرعوا ببنائه ويحملوا السلاح في صفوف (ثواره)؟. وعلى حكومة كوردستان ايضاً اجراء استفتاء بين الكورد بوقوف على رغبتهم بشأن قبول العرب كنازحين في كوردستان او رفضهم.
بعد عام 1991 عندما تحررت أجزاء واسعة من كوردستان في حدود خط العرض الـ36 فإن عشرات الالوف من اللاجئين الكورد في ايران وتركيا ودول اوروبية عادوا الى كوردستان الحرة للمشاركة في اعادة بنائها والدفاع عنها؟.
لماذا يصر النازحون السنة على البقاء في كوردستان سيما بعد سقوط الموصل في حزيران الماضي والذي تهللوا له، أو لم يصف الموصليون وغيرهم من سنة صلاح الدين.. الخ نظام داعش في ايامه الاولى بما يشبه (جنة عدن تجري من تحتها الانهار) والدليل على ذلك انهم لم يرفعوا اصوات الاحتجاج على داعش حتى بعد قيامها بتدمير الجوامع والمقدسات وقبور الانبياء واولياء الله الصالحين. إن بقاء هؤلاء النازحين في كوردستان بعد كل الذي حدث، تعريب من نوع جديد....
بلا شك ان المكون السني ونخبهم القائدة يتحملان وزر ما وقع ويقع وكذلك التصدع في العلاقات الكوردية – العربية. واذا علمنا ان العرب انفسهم سبق وان رفضوا الفلسطينيين انظر (المذابح التي حلت بالفلسطينيين في الاردن وفي لبنان وطرد الالاف منهم في دول الخليج لمساندتهم احتلال صدام حسين للكويت عليه يجب توقع رفض الكورد للعرب السنة في كوردستان.
لقد صففت الجماهير السنية وقياداتها (المجلس العسكري لثوار العشائر) و(هيئة علماء المسلمين) و(حزب البعث).. الخ من منظمات اخرى لاحتلال داعش للموصل وصلاح الدين والانبار.. الخ من مناطق ومدن سنية, وعدت ما حصل تحريراً للأرض والسكان من ماسمته (الحكومة الصفوية) و(جيش المالكي) و(الميليشيات الطائفية).. الخ يقيناً انها صفقت من القلب لاحتلال داعش لسنجار وزمار وتأمل ان تنجح في إحتلالها لمزيد من أراضي الكورد ومدنهم وقراهم وثرواتهم النفطية وغيرها. لأنها لا تفصل بين استيلاء داعش على الاراضي والمدن السنية العربية وبين استيلائها على اراضي ومدن الكورد.
كل من يفصل داعش عن المكون السني العربي في العراق، انما يرتكب خطأ كبيراً، فالطليعة السياسية الرئيسية والكبيرة في أية أمة. سواء اكانت على خطأ أو صواب فإنها تظل ممثلة ومعبرة عن الامة الكبيرة والسائدة، ان داعش هي الطليعة السياسية المعبرة عن أمال وطموحات العرب السنة في هذه المرحلة التاريخية، وتلتقي معها الاحزاب والمنظمات السنية في الخطوط العامة والجوهر مثل: حزب البعث والمجلس العسكري لثوار العشائر وحتى الائتلافات السنية العربية في البرلمان العراقي.
هناك اكثر من دليل وقرينة على تعاطف العرب السنة العراقيين مع تنظيم داعش الارهابي العنصري، فعندما احتلت داعش سنجار وزمار، وبدأت بشن هجمات على مناطق الشلالات وكوكجلي والسادة بعويزة في الموصل، واخرى على مخمور وكوير.. الخ فإن الفضائيات السنية العربية: العز والعراق الان والتغيير والبابلية.. الخ تجاهلت جرائم داعش بحق الكورد والمسيحيين، ما يعني ان ما قامت وتقوم به داعش ضد الكورد، جزء من (ثورتهم) الارهابية العنصرية الطائفية. بالمقابل فان مواقف الاعلام الشيعي: افاق والفرات والمسار وبلادي والعهد.. الخ انتصرت بشكل مباشر أو غير مباشر للشعب الكوردي على داعش.
وعلى الصعيد الدولي ابدى قادة العديد من دول الجوار مساندة حكوماتهم للشعب الكوردي في معركته ضد داعش، ومن بين المساندين للكورد الحكومة الايرانية، وعبر حسين جليك نائب الرئيس رجب طيب اردوغان عن تعاطف حكومته مع الكورد قائلاً: ان تركيا لن تقف موقف المتفرج من الاعتداءات على كوردستان وان الكورد والتركمان هم اقرباء لنا، أما الرئيسان اوباما وفرانسوا هولاند، فقد اعلنا استعدادهما للدفاع عن كوردستان وشعبها وتقديم كل اشكال المساعدة...
ومازالت المواقف المؤيدة للكورد على الصعيد الدولي تتوالى. كما ان الموقف الشيعي الرسمي والشعبي كان منذ البداية مع الشعب الكوردي، فلقد وجه الرئيسي نوري المالكي السلاح الجوي العراقي بدعم البيشمركة وسلم اربيل (5) مروحيات حربية واتفق مع اربيل على تشكيل غرفة عمليات مشتركة بهدف تحرير الموصل كل هذا وبالرغم من ان القيادة الكوردية كانت في موقف المساند للعرب السنة ضد الحكومة العراقية في الشهور الاخيرة.
نعم لقد تبارت دول العالم في إظهار دعمها واسنادها للشعب الكوردي في محنته، باستثناء الدول العربية التي لزمت جانب الصمت وماتزال حيال جرائم داعش ضد الشعب الكوردي، وذهبت الجامعة العربية وعبد الفتاح السيسي حد الاعتراض على مشروع حق تقرير المصير للشعب الكوردي. وهذا الموقف منهما يعبر عن الدول العربية كافة. الامر الذي جعل من مواطني كوردستان ينظرون بشك وعدم ارتياح الى اللاجئين العرب السنة في بلدهم علاوة على ما ذكرنا.
ختاماً، لا يسعنا إلا التوجه الى العالمين العربي والاسلامي ونقول لهما، ان المكون العربي في العراق، رغم تأييد افراد قلائل منه للحق الكوردي وكذلك التنظيمات السياسية والعسكرية له، جسم غريب عن العروبة والسلام، جسم غريب عن العالمين العربي والاسلامي، وان هذا المكون وطلائعه السياسية غرسوا على مدى عقود من السنين ثقافة الغزوات والتعريب والغنائم والسبايا والنهب والسلب في أذهان الاجيال العربية السنية. وجراء هذه الثقافة فإن العالم المتحضر سيما في اوربا يقف على الضد من اللاجئين العرب في بلدانهم (العالم المتحضر) وينظرون اليهم نظرتهم الى (ارهابيين).
يجب انقاذ الشعوب العربية من هذه الثقافة الجهنمية البربرية ومن نخبها الحاكمة والارهابية لكي ترتاح وترتاح الشعوب الاخرى ايضاً.




