٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

نظرات في تأريخ الكورد وكوردستان ودور القائد البارزاني في النهضة الكوردية الحديثة

المصدر: Altaakhi

مما لا يختلف فيه احد من الباحثين تاريخيا وأثاريا وجغرافيا ، واستنادا الى شواهد اخرى كثيرة غير الزمان والمكان ، ان جذور الكورد نبتت ونمت وترعرعت وثبتت في الرقعة الجغرافية المعروفة منذ القدم بأرض كوردستان او وطن الكورد ، اي بلاد الكورد ، وان تسمية الكورد اطلقت خصيصا على الشعب الكوردي انما تولدت من جدلية انتساب الارض للسكان وانتساب السكان للارض نتيجة للدور الحضاري المتميز للكورد من خلال نشاطه الحياتي المنتج وتراثه الغني الزاهر المليء بالعبر والدروس والتجارب الصائبة في فهم قوانين الحياة والتعامل مع المفردات الحضارية بشكل منهجي سليم .. 

  وبوساطة قادته العظام والعلماء والنوابغ ورجاله المشهورين الذين ساهموا في بناء صروح حضارات الشرق الادنى والاوسط والاسلام وصيانتها وتطورها والسير بها الى امام وتقديم أجل الخدمات الانسانية في جميع مجالات الحياة .. وفي نظر الباحثين ان كلمة كوردستان لفظة قديمة وهي متفق عليها بينهم ، وهي منسوبة الى ارض وشعب كوردستان ، وهذا أمر لا جدال فيه ولا نقاش ، والتاريخ اثبت ذلك ، (وفي رأي بعض الباحثين ايضا)فان المجموعات البشرية التي عاشت على ارض كوردستان تنتسب اليها اسما ومسمى ، وتعني الشعب المحصن بالموانع الجبلية القوية ، وهي التي حافظت على خصوصياتهم البشرية واللغوية والحضارية ، اذ انهم يأتون في طلائع الاقوام في استغلال السهول المتخللة بين الجبال وما فيها من اشجار ومعادن باختراع ادوات الزراعة وبناء المستوطنات، وعن طريقهم انتقلت تدريجيا الى مناطق اخرى ، فمنطقتهم هي اول نقطة اشعاع حضاري يحمل معه المدنية المتكاملة بكل ما تعنيها كلمة المدنية المتحضرة من تحليل وتأويل واستقصاء في الشرح والاستنتاج ..

وهذا ما أثبتته الاحداث التاريخية والآثار المنقوشة على جدران مساكنهم البشرية الاولى التي تدل على الاستقرار العمراني والاجتماعي .

      كما تؤكد تلك الدراسات والنظريات انه لا توجد حقبة من حقب التاريخ انفصل فيها الكورد عن كوردستان حضاريا او ثقافيا او اقتصاديا.

     ومعنى ذلك ان المجموعات البشرية التي تمزقت بفعل المعاهدات الظالمة الجائرة المتعسفة والتي عملت على تجزئة الوطن الواحد ورسمت له حدودا مصطنعة لم تفلح في اضعاف ارتباط الكورد وانتسابهم لكوردستان بل زادهم صمودا اكثر والتزاما اقوى وتمسكا اوثق بوطنهم وقوميتهم والنضال من اجل تحقيق امانيهم لوحدة البلاد الكوردستانية وتحررها كاملة من اية نوع من انواع السيطرة والاستغلال والتسلط .

أهمية موقع كوردستان

       تمثل كوردستان بموقعها الستراتيجي بمثابة العمود الفقري للشرق الاوسط وذات اهمية جيوبوليتيكية استهدفتها القوى الدولية المتصارعة لغرض تشتيتها والهيمنة عليها ، ونظرا لهذه الاهمية فقد نالت نصيبا كبيرا من الدراسات في الدراسات الجغرافية السياسية (الجيوبوليتيكية)مثل نظرية قلب الاراضي التي نادى بها الجغرافي البريطاني (هال فورد ماكندر)وكذلك نظرية العالم السياسي والجغرافي الامريكي (سبايكمان) ونظرية (القوة الجوية مفتاح البقاء)التي وضعها (سفرسكي)، وغيرها من الدراسات التي جعلت من ارض كوردستان جزءا من نطاق التحكم في العالم والتأثير على مجريات السياسة الدولية ...

مواردها

       وفضلا عن موقعها الجغرافي الستراتيجي تمتاز كوردستان باهميتها الاقتصادية من خلال مواردها الطبيعية المتمثلة بخصوبة اراضيها وغاباتها الكثيفة المتنوعة الاشجار والثمار ، وكثرة مجاري الانهار والعيون النابعة وشلالاتها المتدفقة بتياراتها القوية ، ومواردها المعدنية الفلزية واللافلزية ومناخها الصحي المعطاء المتميز بالتشجيع على العمل والانتاج..

مساحتها وأهميتها الحضارية

      تقدر المساحة الكلية لاراضي كوردستان الشاسعة(وطن الكورد منذ الازل)بنحو (536)ألف كيلو متر مربع ، رغم انها كانت اكثر من ذلك كما تؤكد الدراسات الآثارية والتاريخية . وتتميز كوردستان بأهميتها التاريخية التي تمتد لاكثر من (150)ألف سنة كأول مهد للانسان ، وان الدراسات الآثارية والاكتشافات الحديثة اثبتت ان الحضارة الاولى المشهورة بين حضارات العالم القديم تأسست في أعالي وادي الرافدين وعلى ايدي وافكار ونتاج ابناء الكورد ، اذ يمكن القول بان المواطن البشرية المتحضرة الاولى ، والمنتظمة في اتباعها الاساليب المقطوعة والقابلة للتطور والتجديد ظهرت في مناطق العراق الشمالية (كوردستان العراق)، لان مناطق السهل الرسوبي كانت في مرحلة التكوين ولم تكن يومذاك ملائمة لتوفير الحماية المناسبة والوقاية التامة بسبب الاخطار المتأتية من تخوف الانسان من المظاهر الطبيعية التي تحصل في السماء والتي يرى انعكاساتها على الارض فضلا عن تخوفه من الوحوش الضارية ، فوجد في الكهف ضالته الاولى وحصنه الحصين وفي حضن الكهف بدا الابداع وانطلق الاستقرار واخذ الفكر يخطو نحو البحث عن وسائل..افضل في تقويم الحياة وتسهيلها..

كوردستان مهد البشرية

        كما تعد كوردستان العراق مهدا ثانيا للحضارة الانسانية ، بعد الطوفان الذي حدث في زمن النبي نوح (عليه السلام)، واستقرار سفينته على (جبل الجودي)([1]) الذي ورد ذكره في القرآن الكريم بقوله تعالى:(وقيل يا ارض ابلعي ماءك وياسماء اقلعي وغيض الماء وقضي الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين)صدق الله العظيم .

ونظرا للتطور النوعي في حياة الانسان الذي تمثل بترك الكهف والاستقرار قرب شواطئ الانهار، ليظهر ممارسات أولية للزراعة والتدجين وتصنيع الادوات الزراعية والفخار ، اي ابتدأ الانتقال من الاقتصاد الاستهلاكي الى الاقتصاد الانتاجي المصدر ومارسا تقسيما اوليا للعمل التخصصي ، وعلى نحو ابتدائي في التخصص الاجتماعي بالدرجة الاولى لينتقل الانسان من الحياة العضوية (جمع القوت)الى الحياة المنظمة (انتاج القوت).

       وتوجت بظهور القرى الزراعية الاولى لتؤكد لدينا التوجه الانساني والاجتماعي المبكر لاولئك البشر من سكنة العراق الاوائل ، والذين وجدت آثارهم في بعض المستعمرات وفي ضفتي دجلة في حوض سد الموصل شمالي الموصل ، اذ ظهرت بعض الصناعات المحلية التي تتناسب مع حجم توسع الانتاج الزراعي والتي كانت من الصناعات الضرورية في حياة المجتمعات الزراعية اليومية التي افرزتها نتائج التحسن والتطور لتضع اسسا لعمليات حضارية مكملة اخرى ، لقد اكدت الدراسات في تقديراتها الموضوعية ان الكورد يشكلون اكثر من (45)مليون نسمة على ارض كوردستان والباقي هاجر وهجر الى مناطق اخرى في العالم ، وتعيش مجموعات من الكورد في لبنان ، باكستان ، ارمينيا ، اذربيجان ، افغانستان ، جورجيا، كازاخستان ، تركستان (سواحل الخليج) ، وفي اوربا خاصة في المانيا وبريطانيا والسويد والدول الاسكندنافية الاخرى وكذلك في امريكا ...الخ.

الدين الإسلامي

       استقبل الكورد الدين الاسلامي برحابة الصدر وسلامة النية الخالصة ، واحتضنوه بفكرهم ومهجهم وارواحهم ، وان الدين الاسلامي يمثل جوهر الحضارة الكوردية ، فهو ينظم الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية ويرسم معالم سلوك الافراد والجماعات ويحدد سلم قيمها الاخلاقية والاجتماعية في التربية وبناء الاسرة والتفاعل الاجتماعي ، ولذلك اثبت التاريخ ان الكورد قد برعوا في نشر الاسلام والدفاع عنه وعن اهله وانجب هذا الشعب المعتز بدينه علماء فاتحين وقادة عظام .

القائد مصطفى البارزاني

        والحقيقة ان القائد مصطفى البارزاني الخالد يعتبر احد ابرز الزعماء الكورد الذين خلدتهم ذاكرة التاريخ الكوردي ، وحازت شخصيته على اعجاب واحترام الاصدقاء والخصوم معا لما تميز به من خصال مستمدة من ذلك الارث الناصع والجذر الاصيل والمتين لقيم الشجاعة والوفاء والاخلاص للوطنية والنضال من اجل مستقبل افضل .

        فالبارزاني يمثل عمق التاريخ ، وهو بحق ابن التاريخ ، اذ اعيدت صياغة التاريخ لهذا القائد الكوردي من جديد بفلسفة الغرب وحكمة الشرق ، فهو يمثل تاريخ الكورد وقضيتهم في الحرية والديمقراطية ، ولذلك فان شخصية بهذه الصفات لجديرة بالاقتدار ، وان الواجب الوطني والانساني المقدس يستدعي فهم حياته وخصائصه وملامحه البطولية التي عمل المستحيل من اجل بلوغ الاهداف التي ضحى من اجلها باغلى ما كان لديه الا وهو الجود بالنفس .

       فالبارزاني(رحمه الله)كان بحق مناضلا بارزا في حياته وخالدا في تاريخه الحي، فهو ابو الكورد وقائد الشهداء وعلى الوطنيين الارتباط بالشهداء والسير على نهج قائد الشهداء . ومدرسة القائد مصطفى البارزاني مدرسة تتجلى فيها الحكمة وحب الحق والخير والانسانية والايمان بعدالة القضية الكوردية والنهوض بالكورد الى مستقبل زاهر ومشرق .. ودراسة شخصية القائد البارزاني تستغرق آلاف الصفحات لما فيها من معان ودلالات وخصائص عالية من العطاء والوفاء للشعب الكوردي وخدمة    الانسانية .. ولقد كتبت عنه بحوث كثيرة وألفت عنه كتب عديدة لمعرفة ابعاد وآفاق هذه الشخصية التاريخية الفذة .

       وبالمناسبة تحضرنا قصيدة نثرية كتبها يراع احد محبيه المخلصين ، الشاعر الناثر والكاتب ابراهيم محمد مرزا تحت عنوان (الجنرال بارزاني مرّ من هنا) قال فيها :        

كثيرون من العظماء عبر التاريخ

قد حفروا تاريخهم

ونقشوا حروفهم بازميل

على جدار الزمن

غير ان البارزاني اكثرهم جدا

واصلبهم عودا

واشدهم مراسا

لم يطمح يوما بمال او جاه

وكان جل همه ان تنعم كوردستان

بالحرية كسائر الاوطان ويحيا فيها كل انسان

مرت بحياته مصائب واهوال الوان

ولم ينحن لها قط بهوان ..

اسألوا الجداول والهضاب والوديان

ووعول وحجول كوردستان

سترد بصوت واحد من هنا مرات ومرات

والوعول من هنا مرّ والجنرال المغوار

وستقول كل عنها بحسرة

كنا نهتف بحب هذا الانسان .

د. عدنان محمد قاسم

 

أخبار ذات صلة