المالكي والماء الآجن

ازاد مصطفى
لقد خبأ الدهر للعراقيين عجباً من السيد المالكي بخرقه للقانون والدستور باسم قانون "الإرهاب المقيت" على الرغم من حديثه المستمر عن القانون والدستور ودعوته لتطبيق "شريعة حمورابي" النفس بالنفس والدم بالدم. إذ وضع سلطات مطلقة في متناول يده وهمش دور المكونات العراقية الأساسية في السلطة المركزية، إذ قلص وحجّم دور المكون السني وقطع حصة إقليم كوردستان من الموازن العامة. وتكرم مثل أبو أسود الدؤلي بقطع رواتب الموظفين في الإقليم وبدأ مؤخرا بإطلاق تصريحات طائفية واتهام الكورد بإيواء الإرهابيين في كوردستان والحديث عن مؤامرة وحلف مقدس بين حكومة الإقليم والدواعش. وكان الرئيس بارزاني قد حذره قبل ستة أشهر من غزوة موصل بالتطورات المقبلة التي يمكن أن تحصل.
إن ما هو واضح للعيان أن الفشل السياسي الذريع من خلال التهميش والتضييق والإقصاء هو الذي أدى إلى تفاقم الأزمة السياسية الحالية. واعتماد الخيار الأمني في حل المسائل العالقة بدل الانفتاح على القوى السياسية الأساسية واشتراكها في صنع القرارات السياسية وتعميق مشاركتها. وقد فعلت قوى الطرد المركزي والعطالة السياسية فعلها. لم يجر تطبيق المادة 140 خلال عشر سنوات وكانت إحدى النائبات في كتلة المالكي حنان الفتلاوي تتباهى بأنها على مدى أربع سنوات كانت تعرقل تطبيق هذه المادة ووصفت مؤخراً على الشا شات الفضائية الكورد بالأعداء. وهذا يدل على أنه كان هناك توجه متعمد بعدم تطبيق المادة 140.
من غير المجدي إلقاء اللوم على الشركاء في العملية السياسية بعد تعطيلها بشتى الوسائل. إن سياسات الهيمنة والممارسات القمعية والعمل بردود الفعل أدت إلى تأجيج الصراع التاريخي بين الشيعة والسنة والفوضى الخلاقة الحالية. بعد أن أطلق سماحة السيد السيستاني "جهاد الكفاية" وأبدى سماحة المرجع الصرخي رأيه بخصوص ذلك تمت مهاجمة أنصاره بالأسلحة الثقيلة وقتل منهم من قتل. إن الطائفية السياسية وضيق الأفق السياسي لا يقدم حلولاً جذريا للوضع العراقي وأزماته بل سيزيد من افتعالها ويؤدي بها إلى المجهول وإلى شفير الهاوية والحروب العبثية والمزيد من سفك الدماء.
لقد أوضح الرئيس بارزاني: ان مع جميع الخروقات التي ارتكبتها بغداد ضد الإقليم فإن الطرف الكوردي مايزال مستمراً على إنجاح العملية السياسية في بغداد. الكورد يدعمون العملية السياسة لكن في ظل الواقع الجديد لا بد من سياسات جديدة. وحل الأزمة الحالية يكمن في إيجاد صيغة سياسية جديدة لتقاسم السلطة والمشاركة السياسية الحقيقية والتحول من المركزية إلى ديمقراطية ذات نظام فيدرالي يضم جميع المكونات.
قيل إن قديماً جاءوا إلى عمر بن عبد العزيز وقالوا له: "لقد خرج الناس وتمردوا ولا يردهم إلى السيف"، فقال: "كذبتم لا يردهم إلا العدل"، فهل يرعوي السيد المالكي من هذه العبرة..؟.
إن من الخطأ إلقاء اللوم على الشركاء في العملية السياسية عندما يكون الشخص الأول هو من يصنع القرارات السياسية المصيرية ويعتبر أن حدود رؤيته هي حدود العالم ويقحم الإرادة محل العقل والمنطق في العمل السياسي.
إن الانتصارات الحقيقية تأتي من السلام وليس من الحرب وبعيداً عن هاجس السيطرة والهيمنة على الآخرين.
هناك مثال جدير بالذكر في التاريخ الإسلامي عندما جاء العباس وأبو سفيان بن حرب إلى الإمام علي في أن يبايعا له بالخلافة، وذلك بعد أن تمت البيعة لأبي بكر في السقيفة ومنها ينهي عن الفتنة ويبن عن خلقه وعلمه. قال الإمام علي قولته: أيها الناس، شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرجوا عن طريق المنافرة، وضعوا عن تيجان المفاخرة أفلح من ينهض بجناح، أو استسلم فأراح هذا ماءٌ آجنٌ. وكما جاء في التوراة سافك دم الإنسان. بالإنسان يسفك دمه.




