الموروث الجاهلي والحروب العراقية

آزاد مصطفى
تميز المشهد العراقي خلال ما يقارب قرن من الزمن بالصراعات والحروب، هل هذا يعود إلى كون العراق بؤرة لصراعات مذهبية وطائفية تاريخية أم إلى الموروث الجاهلي الثقيل؟.
أشار الباحث محمد الشنقيطي إلى بعض خصائص المجتمع الجاهلي، والتي عبر عنها عمرو بن كلثوم في معلقته بقوله:
إذا بلغ الفطام لنا صبي يخر له الجبابر ساجدينا ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدر وطينا
ويقول قائلهم: وأحيانا على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا.
كان المجتمع الجاهلي يرفع من قيم الدم والولع بالحرب والنزال وركوب الخيل وإمتشاق السيوف وطخ النار والتباهي بالغزو والغارات والنهب والسبي إذا وجد عدواً قاتله وإلا أختلق أعداء من أهله وذويه، وقد تميزت الحياة الجاهلية بإنعدام الضوابط الأخلاقية باستثناء بعض القواعد المتصلة بصيانة الشرف والعرض، وقد أدى ذلك إلى سيادة منطق الأثرة وشريعة الغاب وغلواء الذات الفردية والعشائرية والرعونة وهوس الهيمنة والتسلط على الآخرين.
وانتقد المؤرخ العربي ابن خلدون الذي يضرب به المثل في الفطنة والدهاء الموروث الجاهلي الثقيل في المنطقة وما نجم من صراعات وحروب مدمرة باسم الماء والكلأ والحلال، وقال قولته الشهيرة: "يجعلون من حجارة القلعة موقداً. يدمرون الحضارة والعمران"، وقد امتزج هذا الموروث الجاهلي التآمري بالايدولوجيا الفاشية والقومية الفاسدة والطائفية السياسة البغيضة وأصبح العراقيون تحت الخيم وفي العراء وعلى قارعة الطريق، إنه الحنين الى الجاهلية.
لقد عانى الكورد أكثر من غيرهم من القمع والظلم السياسي والاجتماعي وتعرضت أراضيهم للغزوات المتكررة منذ بدايات القرن الماضي، وتم تهجير الكورد من أرضهم التاريخية وتعرضوا للجينوسايد وسياسة الأرض المحروقة والتعريب الممنهج، إذ تم تغيير حتى أسماء المقابر الكوردية في كركوك وترحيل الكورد منها وتدمير 400 قرية كوردية من محيط المدينة وقتل 180 ألف كوردي في حملات الأنفال وتدمير 5000 قرية، وتم حرق وتدمير منطقة بارزان 16 مرة وقتل 8000 بارزاني في مقابر جماعية، وبعد كل ما جرى للكورد يحاول فلاسفة الجهل صهينة الكورد.
إنها أذمة العقل السياسي الطائفي الضيق الأفق الذي يحاول إلقاء تبعات ما حدث على الآخرين بهلوسات تفكيرهم التآمري على طريقة البدوي الأحول الذي يصوب على الذيب ويقتل النعجة.
بعد عام 1991 اختار إقليم كوردستان طريق البناء والتطور وبدأ بحملة إعمار كوردستان المدمر وحقق وتائر نمو اقتصادي ملموسة ونهضة عمرانية، وأصبح الإقليم ملاذ آمن لكل العراقيين الهاربين من الإرهاب والقمع. قامت حكومة بغداد بقطع الأكسجين على الاقتصاد الناشئ وفرض شبه حصار على الإقليم، وصل إلى حد قطع رواتب ومخصصات الموظفين.
الكورد يعيشون على أرضهم التاريخية، ليسوا محتلين لأراضي أحد بينما أحتل الآخرون أرضهم، بل كانوا فاتحين وحماة للديار والعتبات المقدسة في العهد الأيوبي ومن حقهم الطبيعي أن يكون لهم كيانهم الخاص بهم مثل العرب والفرس والترك واليهود وأن يقرروا مصيرهم بأنفسهم.
طوال عشر سنوات لم يجر تنفيذ المادة 140 وجرى التسويف والمماطلة. على الرغم من كل حملات التعريب في كركوك حصل الكورد في الاستفتاء الأخير في الانتخابات البرلمانية العراقية على 8 مقاعد من أصل 12 وهذا خير دليل على كوردستانية كركوك.
إن حل الأزمة العراقية الحالية يكمن في الخيار الثالث، أي التخلي عن الطائفية السياسية والتبعية للأجندات الإقليمية. والعودة إلى المشاركة السياسية، وبذلك يمكن للعراقيين أن يؤسسوا لدولة رفاه مثل جيرانهم الخليجين، الذين يعيشون في سلام ووئام وليس بدق طبول الحرب الطائفية التي ليس فيها غالب أو مغلوب.
يمكن وضع خارطة طريق للخروج من الأزمة من قبل البرلمان العراقي، أو من قبل الرئاسات الثلاث، أو تحت إشراف ممثلين من الدول الصديقة للعراق، يتم تعديل الدستور، وبذلك يمكن للعراقيين قطع الطريق على الأجندات الإقليمية ودرئ الفتنة وحرب أهلية جديدة.
ومن بالغ في الخصومة أثمَ ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم. الإمام علي.




