٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

البارزاني هذا الفاتح العظيم

المصدر: KDP.info

آزاد مصطفى

كتب فارس القلم سليم بركات عن الزعيم ملا مصطفى البارزاني الرجل القادم من وراء ستار الأزل، الآتي بطوفانه الجليل ليساهم في عرس تخليد الأزل، وبعد ذلك جابه خيل علوم الفناء .... إلى مشارف اللا مكان السحيق في العبث بمصائر الأمم، كان الشخصية المهيأة لتأسيس كيان، أو إحياء كيان هذا الرجل الشخصية المنقذة للأزل إنه القدر المنذور لوطن قادم، انتهت المسيرة الكبرى البارزانية في الساحة الحمراء لا يذكر التاريخ الكوردي أي قائد مماثل كان له نفس الدور والتأثير في تقرير مصير شعبه وقدم التضحيات الجسام من أجله، وما من أحد حقق مآثر تضاهي مآثره، وصل إلى ذروة المجد اللا متناهي، ويتميّز عن نصوص الملاحم التي أوردت في الأفيستا، وعن القصص الخرافية والخيالية التي تروي المآثر عن الأبطال الأسطوريين في كتاب الشهنامة للفردوسي، وعن الروايات الكوردية الخرافية الواردة في الأفسانا، أو الطرائف مثل "لولو سرهاد" عاشق الحرية وملهمها، حيث تتماهى في هذا السفر الحقيقة مع الأسطورة، والواقع مع الخيال. والأسطورة مع التاريخ لقد صنع الفرسان البارزانيين الأبطال من أمثال إدريس البارزاني مجدا مبهرا لأمة الكورد.

إن التاريخ النضالي لبارزان يعود لبدايات القرن العشرين، وذلك بعد أن قام الشيخ عبد السلام بإصلاحاته، حين وحّد العشائر السبع في منطقة بارزان (مزوري، به روزي، نزاري، كهردى، هرك بنه جي، شيرواني، دلوميري).

ثم قام بتنظيم مسلحين لكل عشيرة، وتعيين مسؤولين لهم تحت لواء البارزانية، وكان ذلك بمثابة القوة الضاربة للدفاع، شكلت إصلاحاته خميرةً  لبلورة الوعي القومي في آن واحد، كما كانت نواة القومية الكوردية المعاصرة، وارتقاء المجتمع الكوردي من العشائرية والاقطاعية إلى الحالة القومية. ومع قيادة البارزانيين لحركة التحرر الكوردستانية تبلور مفهوم الأمة الكوردية.

لقد بدأ البارزانيون معركتهم الأولى ضد الاحتلال العثماني عام 1907، واستشهد الشيخ عبد السلام البارزاني عام 1914، على أيدي الأتراك، ثم تتالت معارك البارزانيين على امتداد القرن العشرين، من معركة دولافازي الشهيرة، ومعركة ميدان موريك، ومعركة كورة تو، ومعركة مزنه، إلى معارك ثورتي أيلول وكولان وصولاً إلى ملحمة كوري.

شهدت هذه الأرض جحافل اسكندر العظيم، وكورش، وسنابك خيول فرسان هولاكو، وتيمورلنك، وأصبحت بمثابة ديان بيان فو، وبرادينو كوردستان، لأنها حوّلت الهزيمة إلى نصر عسكري مظفّر. ثم إلى نصر سياسي فيما بعد في المفاوضات مع الحكومة العراقية، فقد بدأت أحداثها عشية الهجرة المليونية إلى تركيا وإيران، أثناء انتفاضة آذار 1991، فاضطرَّ حينها مئات الآلاف من المواطنين الكورد إلى الهرب خوفاً من هول آلة الحرب العراقية، التي هددت بالويل والثبور، وانفجرت دموع التاريخ وتفتحت الورود في الثلج الأبيض الناصع وبدأ يفوح شذى ورد الجبل. وقد وصف الأديب الكبير سليم بركات ذلك الحدث قائلاً: في السنين الأخيرة هذه المرمية على قارعة حرب أكثر نكالاً بما تبقى من تاريخ عربي... وحين نحا الغرب إلى تقديم العون في شكل حماية، كان كورد العراق يتوجهون، أنصاف موتى، في ثلوج الممرات الجبلية بآلاف آلافهم إلى تركيا الرحيمة هرباً من السعادة التي وعدتهم بها طائرات الأب القائد السمتية"، فتصدّى لها الرئيس مسعود بارزاني بمهارة ودهاء نابليون، وشجاعة الخالد مصطفى البارزاني.

إذ استطاع وقف سيل الهجمات المضادة للقوات العراقية بعد أن وجد نفسه مع المئة والخمسين من حرسه الخاص في خضم المعركة، بعد أن أخفق في إقناع زعماء العشائر في الوقوف معه لوقف زحف القوات العراقية على المنتجع الجبلي "صلاح الدين".

وبعد أن تخلى حلفاء الرئيس عنه معتقدين أنهم قادمون على معركة خاسرة، تصدى لفرقة عراقية مدرعة كاملة في وادي كوري، وألحق بها هزيمة ساحقة، وأوقف الهجوم العراقي، وأمن الخطوط الآمنة للمهجرين للعودة إلى ديارهم، واضطر صدام حسين للجلوس على طاولة المفوضات.

لقد أعاد التاريخ نفسه في ملحمة كوري، فعندما دحر ملا مصطفى بارزاني القوات العراقية في حزيران 1966 أعلن رئيس الوزراء العراقي آنذاك عبد الرحمن البزاز، أنه مستعد للاعتراف بالحقوق القومية للأكراد، والدخول في مفاوضات أفضت إلى بيان التاسع والعشرين من حزيران، وكان هذا بمثابة نجاح للدبلوماسية الكوردية التي وضعت الخطوط العريضة لاتفاقية آذار 1970 التي أصبحت فيما بعد ورقة عمل في محادثات 1991 في بغداد.

بعد أن ألحقَ الرئيس البارزاني مع عناصر حمايته هزيمةً ساحقة بالقوات العراقية المهاجمة عند موقعة كوري على مشارف مدينة صلاح الدين، لاذت القوات العراقية بالفرار تاركة آلة حربها مدمّرة في أرض المعركة، حيث صارت أسلحة العدو المدمّرة من معالم الحرب.

تدخل ملحمة غوري من وجهة نظر الفن العسكري الكلاسيكي في عداد تكتيكات فابيوس القائد الروماني المشهور، فعند مواجهته لقوات القائد القرطاجي هانيبال كان يعلم أن الاصطدام المباشر معه يعني الهزيمة للقوات الرومانية فلجأ إلى الكمين والمباغتة والإغارة عليه وقطع المؤن عنه وقد عمل الزمن لصالح روما، وقد اتبع القائد الروسي كوتوزوف التكتيك نفسه ضد نابليون عام 1812 وانتصر عليه عند قرية برودينو، وقد أصبحت تكتيكات فابيوس مصطلحاً عسكرياً منتشراً في عصرنا الحديث لقد أصبحت ملحمة كوري نقطة تحول في التاريخ الكوردي الدامي والمرير.

عندما انتشرَ النبأُ بين المهجّرين بأن البارزاني قد دخل المعركة وردّ العراقيين على أعقابهم بدؤوا بالعودة إلى مدنهم وقراهم.

لقد أثبتت ملحمةُ كوري مرة أخرى أنّ البارزانيين سادةٌ في الحرب، كما أنهم أمراء سلام زرعوا الزهور والقرنفل الأحمر في زمن الشوك على صخور كوردستان، وكأنّهم خلقوا ليكونوا في المقدمة بشموخ مثل جبال شيرين، وبيران، وبرادوست، وكوري هوري، وسري حسن بك التي تعانق أرض اليباب الملأى بالحسرات والأحزان وأنين اليتامى والثكالى، أرض الخراب والحرائق والدماء والورود، فمن غمامة البرق على ضفاف نهر روكوجك نهض البارزاني الكبير ملا مصطفى كالمارد منقذاً أمّة الكورد.

ستبقى ملحمة كوري مفخرة معارك البارزانيين فمن أشواك الخطر فتحت زهور السلام  صفحة ناصعة في سجّل أمجاد الكورد، تغنّى بها الشعراء والفنانون، وألقيت فيها القصائد والأناشيد، وهدهدت بها الأمهات الكورديات أطفالهنّ تحت الخيم في المنافي المهجّرة والعراء.

هكذا يؤدي القادة التاريخيون دورهم لشعوبهم في المنعطفات والمواقف الحرجة. إن ثقة الرئيس الدائمة بشعبه وتفانيه من أجله كان العامل الأهم للنصر المظفر في ملحمة كوري التي كانت خاتمة عشرات السنين المليئة بالأمجاد في بحر من الدموع والدم وهي شامة على وجه أمة الكرد رسمها بألسنة الرماح والحراب الرئيس مسعود البارزاني. وعلى الدوام، كان البارزانيون في المقدمة، مثالاً للشجاعة والشهامة والمهارة في العمل والتواضع والثقة بالنفس والصّدق مع الشعب. عقيدتهم دفاعية، ليسوا هواة طبول الحرب والغزوات، بل هم عشّاق حرية وسلام يدافعون عن أرضهم بشرف، ويحاربون ملتزمين بأصول وأعراف الحرب.

ومن مآثر الرئيس مسعود بارزاني، ومواقفه الإنسانية أنه طالب بمعاملة الأسرى العراقيين معاملة إنسانية بعيداً عن روح الثأر والانتقام، وقد تمَّ إطلاق سراح الجميع.

عندما كنتُ في زيارة منطقة بارزان، أشار زميلي إلى بقايا أنقاض القرى المدمرة على جانبي الطريق من قبل الجحوش قائلاً: إن سيادة الرئيس قد أصدر عفواً عن جميع الجحوش ماعدا واحداً لأنه قام بتدمير جامع في إحدى القرى وفي أيامنا يعيد التاريخ نفسه في الوقت الذي تحول العراق من نظام دكتاتوري إلى نظام دكتاتوري طائفي من خلال قانون الإرهاب المريب وتم تعطيل المادة 140منذعشر سنوات بحجج واهية إذ أن كوردستانية كركوك ماثلة للعيان من خلال الاستفتاء الأخير في الانتخابات البرلمانية والتي حصل الكورد على ثمانية مقاعد من أصل أثني عشر .لقد ظهر هذا الفاتح العظيم في كركوك مؤكدا على حق الكورد في تقرير مصيرهم مثل كل شعوب الأرض.

أخبار ذات صلة