٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

التفريق بين الصديق والعدو محك لانجاح السلطة

المصدر: KDP.info

محمود محمد

في القرن الماضي وابان انتصار البريطانيين في الحرب العالمية الاولى عكفت المملكة المتحدة على تأسيس دولة جديدة على أساس متخبط ومتشعب الابعاد.

ان القراءة السيسيولوجية والسايكولوجية لسكان ولايتي البصرة وبغداد عندما كانتا ترزحان تحت سلطة الامبراطورية العثمانية تبين لنا أن الغطاء الديني طغى على جنبات تلك المرحلة والوهلة التأريخية خاصة عندما استعاروا وجلبوا الملك من الهاشميين في العربية السعودية وتتويجه ملكا في بغداد.

وكانت العادة السائدة آنذاك أثناء تلك الحقبة الزمنية هي أن التقديس وتقديم الطاعة لملوك نجد والحجاز (السعودية) كان واجبا ويجب أن يخضع هذا الولاء لطاعة عمياء وكل من يخل بهذا الانتماء الديني سوف يتحول الى رجل أعمى. لكن بعد تفكك وتلاشي هذا المفهوم والاعتقاد السائد تيقن الناس أن عدم تقديم الولاء والطاعة والسباحة ضد هذا التيار لايصيبهم بالعمى كما كان متوارثا ولم يقفوا عند هذا الحد بل عمدوا الى ارتكاب القتل وتنفيذ المجازر بحقهم للقضاء على كل ما يمت لهم بصلة وكان الانكليز جزءا من هذه المعادلة ... وبعد مرور سنتين وولايتي البصرة وبغداد ودمجهما ببعضهما البعض غصبا أضيفت اليهما ولاية الموصل لتكون كوردستان ضحية هذا التغيير وجزءا من الدولة العراقية التي تم تأسيسها وتنشئتها في تلك الفترة.

اليوم وحتى هذه اللحظة عندما يتم الحديث عن كيفية تأسيس الدولة العراقية يصاب جزء كبير من العراقيين بالكلل والذهول وهم يدركون جيدا أن للعراق جذورا تأريخية وأن الانكليز قاموا باحتلال العراق. هذه المقدمة التأريخية كانت فقط تمهيدا لحقيقة ماثلة أمامنا مفادها أن بعض ساسة العراق في عراق اليوم يرون وينظرون الى عملية اعادة تنظيم الهيكل الاداري والسياسي في العراق كأنها بمثابة (خطيئة كبرى) ويبررون هذا التوجه العقيم بتنظيرات متعددة... نحن هنا لا نرمي الكلام والاحكام جزافا ولانقصد بكلامنا هذا الساسة والاحزاب العربية السنية ممن خاضوا التجارب وأداروا دفة الحكم في العراق فترات طويلة من بداية عشرينيات القرن المنصرم وحتى عام (2003) دون أن يكلل اسلوبهم في ادارة السلطة بالنجاح وقد برهنت على هذه الحقيقة كل الاحداث والمظالم التأريخية التي حدثت ووقعت في العراق طيلة حكم هؤلاء في الايام الخوالي التي لم تأت بشيء.

أما لو خصصنا ساسة العرب الشيعة بالذكر في كيفية ادارتهم للسلطة فنلاحظ عليهم طيلة السنوات العشر الماضية التي تلت سقوط بغداد في نيسان (2003) لوجدنا ان الولايات المتحدة الامريكية قد دأبت بكل طاقتها على تسليح الترسانة العسكرية العراقية وفق أحدث التكنلوجيا العسكرية الحديثة الى جانب مساعدة قوات بيشمركة كوردستان لتلك القوات خاصة في محافظات أربيل وكركوك والموصل وديالى وصلاح الدين وتسهيل عملية دخولهم لبغداد والتمسك بالسلطة على طبق من ذهب أملا في بناء دولة ديمقراطية عصرية لتكون نقطة انطلاق عظيمة في بناء شرق أوسط جديد.

وبمرور الوقت وتوالي الاحداث انقلب المشهد السياسي رأسا على عقب وجرت الامور على عكس منوالها ومسارها الصحيح وكان السبب أن البعض من الاخوة الشيعة قد تقمصوا وتبنوا ونظروا الى هذه المفاهيم العصرية بشكل ثانوي واعتباطي وعدم ترجمتها الى خطوات عملية تؤسس لاجواء مرنة مبنية وفق مبدأ حسن التعايش وعلى أساس تقبل كل الاطراف الموجودة داخل العملية السياسية بل ذهب البعض منهم الى التمسك بالعصبية المكرهة وتبني غريزة الانتقام بدافع الانتقام من هول السنوات التي حرموا فيها من حكم العراق وعندما تسلموا السلطة في العراق الجديد قام البعض من هؤلاء ممن يحملون غريزة الانتقام ويعملون وفق هذا الدافع، قاموا بتطبيق ما تلجلج في صدورهم من غرائز انتقامية تجاه غيرهم ورفض كل المشورات والنصائح التي ترسم لهم تبني المنهج الصحيح في التعامل مع الاخرين وكان من بين حملة هذه النصائح أشخاص من ابناء جلدتهم وطائفتهم ممن لديهم الخبرة والتأني والدراية بأمور الحكم والرعية والسلطة لكن دون فائدة لتذهب النصائح المقدمة لهؤلاء الساسة أدراج الرياح بعدما ضربوا بها عرض الحائط خاصة في السنوات الثماني الاخيرة عندما التف حول رئيس الوزراء الحالي المنتهية ولايته السيد نوري المالكي أناس حاقدون لايعملون على اسعاد الخلق والشعب وتقديم المشورة الصحيحة في المكان الصحيح للغرض الصحيح بل رسموا لرئيس الوزراء صورة الزهرة الزائفة دون أن يأتوه بالرائحة؟ وبكل أسف خضع رئيس الوزراء لنصائح واستشارة هؤلاء التي جلبت للعراق الويلات والويلات بعدما منح لتلك الفئة الضالة صلاحيات مفتوحة وواسعة في الجوانب السياسية والادارية والاقتصادية والاعلامية واعتمد عليهم وهكذا أساءوا الجواب لانهم أساءوا السمع؟ بعدما اعتمد عليهم رئيس الوزراء كل الاعتماد وهم يخلطون الحابل بالنابل وكل وفق أجنداته وغاياته الخاصة. العبث بكل ماهو صحيح وفق مايحلو لهم فلم يفرقوا بين الصديق الحقيقي والعدو المتربص وهكذا تاه صاحبنا في متاهاتهم وقناعاتهم الزائفة التشكك في كل شيء من أجل لاشيء والنظر الى المقابل وفق تنظيرات امنية بحتة وتوقع المؤامرة من الجميع قبل وقوعها واتخاذ موقف الضد أزاء مصالح العراق بدافع الجهل بالحقائق وعدم أخذ الدرس والعبرة من الماضي فالذين أداروا دفة الحكم في العراق طيلة (82) عاما الماضية بالحديد والنار لم يفلحوا في مسعاهم وفشلوا فشلا ذريعا وكان من الممكن أخذ العبرة من صفحات الماضي المأساوية.

لقد كانت القيادة الكوردستانية جادة وصادقة أثناء مشاركتها ودخولها الى معترك العملية السياسية في بغداد وكانت لهذه القيادة رؤى وتنظيرات وتكهنات مستقبلية تنفع الجميع على أرض الواقع وهي تنبه وتحذر بغداد من خطورة وهشاشة الوضع الحالي لكي لا ينجرف العراق الى مالا تحمد عقباه ووضعوا بين  أيدي الساسة في بغداد ثلاثة حلول جذرية للخروج من الازمة وانهاء دوامة العنف في البلاد وكانت كالاتي:

أولا: الابتعاد عن فكرة الانتقام التي طالما راودت بعض السياسيين العراقيين واهمال تداعيات وظلم ومآسي الماضي المقيت الذي تعرض له المجتمع العراقي وعدم الركون الى غايات انتقامية وقد تلمسنا هذه الحكمة والنصيحة المحكمة في كلمة الرئيس مسعود بارزاني في مؤتمر لندن قبل سقوط النظام السابق كما برهنت تجربتنا في اقليم كوردستان على صدق هذه الرؤية العقلانية وهذا التوجه الصحيح للتعامل مع مسار الاحداث خاصة عندما تبنينا روح الاخوة والتسامح بدل الانتقام كضرورة ملحة من ضرورات الحياة العصرية.

ثانيا: لايمكن تقمص وتقبل سياسة اهمال الاخرين وازاحتهم جانبا وعدم اعطاء الاعتبار للطوائف والقوميات الموجودة في العراق لأنه وطن الجميع وكان يستلزم على ساسة العراق والقائمين بالامر اتباع وتبني سياسة قبول الاخرين على أساس مبدأ الشراكة الحقيقية المبنية على التسامح والتعايش السلمي مع كل مكونات الشعب العراقي كلبنة أساسية من نواة ادارة السلطة في بلد متعدد الديانات والطوائف والمذاهب والاعراف وكان بالامكان السير بمحاذاة هذه التوجهات السديدة في مداراة السلطة في العراق، وهذا ما لم يحدث مع الاسف.

ثالثا: معالجة الازمات التي تعصف بالعراق وعدم خلق الازمات ونسيان الازمات السابقة والعمل على عدم تصدير المشكلات والازمات الداخلية الى مناطق متفرقة بالعراق والعمل الجاد من اجل عدم ادخال القوات المسلحة في معمعة الازمات والصراعات والمشكلات السياسية واعتبارها طرفا في أروقة الصراعات أو استغلال أجهزة قوى الامن الداخلي كوسيلة لفض النزاعات والازمات الموجودة.

وفي بداية الامر اتفقنا جميعا على وثيقة محددة وصوتنا لها واصبحت هذه الوثيقة دستورا وقانونا اعلى للعراق دون أن يلتزم صاحبنا بهذا الدستور الذي يشكل القواعد الاساسية لشكل الدولة وبدل الالتزام بمقاطع الدستور ومواده الاساسية لجأ دولة رئيس الوزراء الحالي ومن دار في فلكه الى استخدام لهجة التهديد والوعيد وتعطيل مواد الدستور الذي صوت له غالبية الشعب العراقي.

كنا على ثقة تامة أن العوامل والمسببات الداخلية والخارجية على المستوى الدولي لاتقبل اطلاقا أن تقوم فئة معينة او مكون واحد في العراق بالانفراد بالسلطة واهمال الاطراف والمكونات الاخرى بحيث نادى وصرخ وطالب الطرف الكوردي مرارا وتكرارا بضرورة قيام العراق الجديد على أساس الشراكة الوطنية الحقيقية بين جميع أطيافه. رفعنا أصواتنا مرات عديدة مؤكدين للكل أن الحقوق القومية والدينية والمذهبية ليست مرتبطة بقلة وزيادة عدد السكان دون أن يؤخذ كلامنا عند المقابل بنظر الاعتبار فقد اعتبروا أن الصحيح ما يرونه صحيحا فقط وعلى الكل تنفيذ الاوامر وفق ما يملى عليهم من أجندات وعلى الاخرين العمل بمبدأ السمع والطاعة!! وكل من يثبت عليه عدم تطبيق الاوامر يتعرض لعقوبة جوفاء جائرة مثل عقوبة قانون الموازنة التي يعاني منها شعب اقليم كوردستان بعد قطع رواتب موظفيه؟ وهكذا لم نعرف متى نتكلم ومتى نصمت؟ وعلى مستوى الصراع الطائفي والمذهبي في العراق بشقيه الشيعي والسني كان  يتوجب على ساسة الاخوة الشيعة في العراق عدم استعمال الوسائل والاساليب التي لجأ اليها النظام السابق عندما اتهم مناوئيه ومعارضيه بالارهاب ولصق التهم بهم بينما لجأت القوى الشيعية الى استخدام ذات التسميات والاسلوب ذاته في قمع من يقفون بوجههم بل كان الاجدر بهم اللجوء الى وسائل قانونية بحتة لمعالجة هذه الظواهر وفي اطار العمل الحكومي المنظم.

ان الخوض في مسار هذه الاحداث وكيفية حدوثها خطأ كان ام صحيحا يجعلنا نفكر ونقيم وقع الاحداث الاخيرة التي حدثت بتأريخ 10/6/2014 وآنذاك يجب الابتعاد عن لهجة اتهام الغير وتوزيع التهم جزافا على الاخرين ويجب الوقوف على حقيقة قاطعة وفق أدلة دامغة مضمونها أن جيشك يا دولة رئيس الوزراء أصابه الفشل والانهيار لانكم لم تراعوا الاسس الدستورية والقواعد الصحيحة في بناء أجهزة القوات المسلحة وقطعاته العسكرية وكثيرون ممن قالوا لكم يجب اشراك كل المكونات في بناء الجيش العراقي لكن دون فائدة. قالوا لك لا تهمل المكون السني بهذه الدرجة؟ لكنكم ذهبتم الى أبعد من ذلك واتهمتنا بمؤازرة السنة؟ قالوا لك إن الاوضاع الامنية في نينوى آيلة الى السقوط ونحن مستعدين لمساعدتكم والتعاون معكم من أجل معالجتها وعودتها الى المسار الصحيح لكنكم أبيتم النصيحة وقلت لنا (انت ديربالك على كوردستان ماكو شي الوضع تحت السيطرة) حتى وقع الفأس في الرأس ووقع المحظور وما كنا نخشاه! وعدتم بخفي حنين.

ان الواقع الحالي يجعلنا نقف على وقع الاحداث الاخيرة وقفة جدية من أجل تقييم كل المجريات الاخيرة على أرض الواقع للوصول الى نتائج ملموسة وأن الوضع الماثل أمامنا يفرض على الكل العمل من أجل الخروج بالوطن من مأزقه الحالي وتأسيس حكومة جديدة تتفق مع الواقع العراقي لكي نخرج من مأزق التشرذم والتفتت والاحتراب وتكون لديكم رؤية وطنية شاملة للتمييز بين الصديق والعدو وعدم احراج الدول التي تساندكم وتدعمكم فهذه الدول في غنى عن ازماتكم التي لا تنتهي وهي تعيش وتعاني من دوامة أزماتها المتتالية.

فليكن العراق بلد الجميع.. يجد فيه أنا الكوردي وانت الشيعي وذاك السني نفسه في هذا البلد وان يكون المكان لصاحب المكان لا لك وحدك.. حتى يشعر الجميع بالمسؤولية الوطنية داخل دولة عصرية تبنى بأبسط الطرق المعروفة بعيدا عن سلطاتك القائمة على اساس سياسة التفريق وتوزيع المسؤوليات والحقوق وفق أهوائك الشخصية من أجل أن لا يختلط عليك الصديق والعدو والمحب من المخادع وبالتالي تقعوا في دروب الضياع.

أخبار ذات صلة