٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

داعش والغبراء

المصدر: KDP.info

 

العنوان يحاكي عنوان معركة العرب "داحس والغبراء"

بقلم كريم عبد الله محمد

في البداية علينا تحليل التسمية ومنها أن داحس والغبراء هي حرب من حروب الجاهلية وقعت في منطقة نجد بين فرعين من قبيلة غطفان هما: عبس وذبيان وتعد هي وحرب بني أصفهان وحرب البسوس وحرب الفجار وحرب بعاث من أطول الحروب التي عاشها وخاضها العرب في الجاهلية.

وداحس والغبراء هما إسما فرسين وقد كان "داحس" حصانا لقيس بن زهير العبسي الغطفاني، و"الغبراء" فرسا لحذيفة بن بدر الذبياني الغطفاني. كان سبب الحرب هو سلب قافلة حجاج للمناذرة تحت حماية الذبيانيين مما سبب غضب النعمان بن المنذر وأوعز بحماية القوافل لقيس بن الزهير من عبس مقابل عطايا وشروط إشترطها ابن زهير ووافق النعمان عليها مما سبب الغيرة لدى بنى ذبيان، فخرج حذيفة مع مستشاره وأخيه حمل بن بدر وبعضا من أتباعه لمقابلة ابن زهير وتصادف أن كان يوم سباق للفرس. إتفق قيس وحذيفة على رهان على حراسة قوافل النعمان لمن يسبق من الفرسين... الخ حتى نهاية القصة التي لم تنته كما يبدو لحين اللحظة التي أخط فيها مقالتي هذه.

التاريخ يعيد نفسه يا ناس, فها هم داعش يركبون جيادهم ويهبون على الأرض العراقية ويحرثونها قبل أوانها, وكأنهم تتار العهد الجديد وبرابرته بكل معنى الكلمة وإن كنت أتوقع بأن حملات التتار لم تكن بهذه القسوة التي أعلن عنها فرسان داعش, فداعش لم يوفروا وسيلة أو قناة أو أية مواقع للتواصل لم يعلنوا فيها وحشيتهم وقسوتهم وإبادة من لا يؤمن برسالتهم, فالمعلن كما يصرحون به بأنهم ينتمون إلى الإسلام كدين وعقيدة لهم, ولهذا فإنهم يرفعون راياتهم السوداء كما خطت في بداية نشر الدين الإسلامي الذي خرج من الحجاز ونجد واليمن لكي يجعلوا كل البسيطة تؤدي الشهادتين طائعة وإلا فالسيف سيكون فاصلا رقابهم عن الأجساد, وهم في هجمتهم أو هجماتهم التي يحملونها تسمية ومصطلح الغزوات, كالجراد الذي يمحو كل ما يواجههم, فلا محاكم ولا قضاة, ولكن المزاج الشخصي الآني هو من يتحكم في الأحكام التي ينزلونها على عباد الله الذين يسقطون في قبضتهم, والويل كل الويل لمن يقول لهم ماذا؟.

هذا الداعش أو دولة العراق والشام الإسلامية هو إيديولوجية دولة وليست دولة لها أركان وحدود وأنهار وبيوت ومؤسسات وما إلى ذلك, فهؤلاء يعرفون بأنهم راحلون وغير مستقرين وهم في النهاية غرباء مجتمعون في غفلة زمانية مكانية من اللامكان وفي كل مكان, فلا لغة تجمعهم ولا عقيدة سمحاء كما هي أديان السماء, وأنا أضع خطا تحت كلمة سمحاء, ولا حتى تراث أو تقاليد تجمعهم, بل إن ما يجمعهم هو القتل والقتل والقتل, وتعددت الأسباب والقتل لديهم واحد, فلا أسير لديهم في غزواتهم تلك, ولا جريح ولا حتى ولادات جديدة في العلاقات الإنسانية الحميمة التي يقيمونها مع ما ملكت أيمانهم حينما يقومون بغزواتهم تلك, وفي أراضي السواد التي يقيمون فيها للإستراحة وجر النفس والتهيؤ للغزوة القادمة, فدولتهم لا أرض لها ولا حدود، وحدود تطلعاتهم تمتد حيث ترى أعينهم ما يستطيعون وقبضاتهم وأسلحتهم وما تستطيع أن تقتل من أنفس, فالموت عندهم لعبة يلعبونها ويتقنونها لا بل يحترفونها لأنهم موهوبون فيها, ولهذا فإن خطرهم هو حقيقي وليس مدعاة للجلوس والمنقاشة, فهم لا يناقشون أحد ولا يدخلون في مساومات مع أحد, سواء كان شخصا معنويا سياسيا؟ جهة حكومية أو غيرها, هم يتحركون للتدمير والحرق والسلخ والذبح وبعد ذلك يتركون الركام وبقايا الجثث لمن يأتي بعدهم للتنظيف.

فحصان داعش هو حصان جامح لايمكن السيطرة عليه أو ترويضه أو تهدئته, همهم هو نشر الوجه الذي يعرفونه عن الدين الإسلامي الذي يؤمنون به حتى الموت ولا غير, فلا وجوه لهم ولا أسماء محددة ولا حتى تعاريف أو تصاريح لهم, وليسوا في وارد الدخول في محاججات أو ملابسات التعامل السياسي أو الحواري أو أي شيئ آخر, فإما أن تستسلم لهم وتنفذ تعاليمهم دون نقاش أو تردد؟ وإما أن تبحث لك عن قبور تحتويك ومن معك, ويجب أن لا ترتفع تلك القبور عن مستوى الأرض, الرضوخ والصمت وتتبع وثيقتهم وتقديم الحرائر لمقاتليهم حتى يكونوا على أهبة الإستعداد الذهني والجسدي للغزوات القادمة, وهم لا ينكرون ما يقومون به من فضائع في حق البلاد والعباد ولا يستحون منه لأن لهم ما يبرر ما يقومون به, على الأقل من الناحية العقائدية, والكل وأقصد هنا داعش وجيش داعش هم مشاريع جاهزة للموت في أية لحظة بدليل تمنطق جميعهم بأحزمة ناسفة جاهزة للتفجير حينما يحصر في زاوية الدفاع عن النفس.

هذا ما أستيطع أن أقوله أو أوجزه عن حصان داعش, ولكن ماذا عن الحصان الثاني وهو الغبراء؟

الغبراء حصان آخر ومن نوع آخر أمتطاه لثمان سنين عجاف, نوري المالكي وأحس بأنه قد ملك الدنيا حينما إنطلق به في أرجاء المعمورة فطاب له المقام عليه, وفي غفلة من الزمن إلتقى الحصانان داعش والغبراء وصار ماصار, فالغبراء ترك التخوم والبساتين والأنهار وهرب إلى جهة مجهولة بينما كان داعش يأكل ما يستطيع من خيرات ما وطأته أقدامه الأربعة من نفط وأسلحة وحرائر وخيرات وكرامات الناس والتي قدمت لهم على أطباق من ذهب وفضة وبعضها من الألماس والزبرجد, وفتحت مغارة علي بابا الموصلية بعد أن تواطأ معهم الحمار سمسم الشهير الذي كان يحرس تلك المغارة حين فتح لداعش ومن معه أو من يمتطيه, المغارة حتى دون أن يسمع منهم الجملة الشهيرة, إفتح يا سمسم.

ولكن لم تنته القصة هكذا, فها هو المالكي الذي لا يزال يمتطي الغبراء, يلوح بأن ما حدث هو مؤامرة ومخادعة وخيانة وتواطؤ وخذلان ووووو, ليقول, الصولة القادمة ستكون لك يا غبراء, والحصان المسكين يصهل ويقدم للمالكي فروض الطاعة فالرسن لايزال في يد المالكي وعلى الحصان المسكين أن لايتحدث بحديث العقلاء ليقول له, مهلا يا سيدي فما هكذا تورد الإبل.

الدولة الداعشية أو الفكرة أو الإيديولوجيا الداعشية تقام دائما على الرمال السهلة وتنجح فيما يفشل فيه الآخرون, وكما قالت العرب قديما الوقاية خير من العلاج, كان حري بالمالكي بناء دولته على أرض صلبة بدل أن يبنيها على رمال هشة وفي معظمها متحركة قاتلة مليئة بالأفخاخ ومصائد المغفلين, حتى يجعل داعش يخترقها كما يخترق الخيط الإبرة, لا بل حتى جعلوا أنعامهم تخترق سم الخياط.

ماذا يحدث الآن؟

داعش وأقصد هنا الحصان أو الفرس جلست في إسطبلها ذي النجوم الخمسة تأكل فطورها الصباحي الإنتركونتيننتال حيث يقدم لها أفخر أنواع الجت والشعير وتعيد بناء نفسها لتصبح متهيأة لصولة الغبراء والتي ستأتي أو لا تأتي, فغودوا دائما موجود كالشيطان في التفاصيل.

والغبراء المتعبة تنتظر صولة المالكي الذي جيش الجيوش غير المدربة وغير المهيأة أساسا لخوض صولته تلك, وها هو قد أفرغ كل شيء من معانيه ومحتوياته ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة, وإحنا مشينا مشينا للحرب, فما فعله صدام في قادسيته حينما قلت أعداد جيشه في جبهة قتاله مع إيران, فتح باب التطوع الإجباري لكل من يستطيع الوقوف والسير على قدمين حتى ولو كان بمساعدة عكازة أو عكازتين للإنخراط في صفوف الجيش الشعبي, لأن لا صوت يعلو على صوت المعركة وغرد طالب القرغولي وفرقته في التلفزيون بإنشودة إحنا مشينا مشينا للحرب, عاشق يدافع من أجل محبوبته... الخ.

لا يا سيد نوري لا يا مالكي, لا يا حجي أبو إسراء, لا يا أيها القائد العام للقوات المسلحة, وكما قلت لك, ما هكذا تورد الإبل, ودار السيد ليست مأمونة كما قالها خالد الذكر نوري السعيد من قبل, فدع للحل السياسي مجالا وفسحة, فداعش مغادرة في الغد إلى أرض رملية رخوة أخرى مثل الأردن أو السعودية أو الكويت أو دول الخليج الأخرى, ولكن شعب العراق باق, ومن يرفضونك باقين ومن لا يرضونك حاكما عليهم باقين, فماذا سوف تفعل؟ هل ستغير حصانك الغبراء لتمتطي حصان داعش؟ وكل ذلك من أجل أربع سنين عجاف أخرى.

الحل وكل الحلول في إحتواء ما حدث ومناقشة أسبابه ومسبباته وليكن شجاعا من يعترف بأنه قد أخطأ ويعترف بذلك لأن الإعتراف بالخطأ هو فضيلة, وصوت الناس وجل الناس هو أقوى من كل المعارك والصولات والغزوات, الحوار السياسي مع أركان العملية السياسية والشجاعة في قول الحق حتى ولو كان على النفس, هو الحل الأمثل للعبور للضفة الأخرى, فكل العراقيين وكل الطوائف وكل القوميات وكل المذاهب في العراق ترفض داعش وحصان داعش وفكرة داعش, والمكاشفة وإعطاء كل ذي حق حقه هو الشوكة التي ستفقأ عيونهم وهي القشة التي ستقصم ظهر بعيرهم.

أخبار ذات صلة