٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

في العراق، السنة يهاجمون والشيعة ينسحبون والكورد يدافعون

المصدر: KDP.info

 عبد الغني علي يحيى

إجمالاً، يمكن تلخيص الموقف العسكري في العراق، بين المكونات الاجتماعية الرئيسية المتناحرة، السنة والشيعة والكورد في العنوان أعلاه، ففي العاشر من حزيران الجاري هاجمت الفصائل السنية المسلحة على اختلاف توجهاتها وعقائدها مدينة الموصل التي تعتبر المدينة الثانية في العراق بعد العاصمة العراقية بغداد من حيث الكثافة السكانية، وتمكنت خلال ساعات من الحاق الهزيمة باكثر من (60) الف جندي عراقي غالبيتهم من الشيعة، والذين تركوا اسلحتهم ومعداتهم ومعسكراتهم للمقاتلين السنة اضافة الى المليارات من الدنانير والدولارات المودعة في المصارف، علماً ان اعداد المهاجمين لم تتجاوز بضعة مئات من المسلحين (وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة).

ولقد ذكّرنا هذا الانهيار السريع للجيش الشيعي في اليوم المذكور والأيام التي تلته، بانهيارين مماثلين للجيش السني، الأول كان في عام 1991 والذي حصل على أثر هزيمة الجيش العراقي في الكويت، ثم في اجزاء من جنوب العراق امام انتفاضة شيعية سميت بالانتفاضة الشعبانية نسبة الى شهر شعبان الذي وقعت فيه، وفي كوردستان العراق ايضاً اندلعت انتفاضة كوردية عارمة، وفيها تخلى الجيش عن معسكراته واسلحته والياته للجماهير المنتفضة وقوات البيشمركة الكوردية بقيادة الجبهة الكوردستانية عامذاك. ولقد دل الأنهيار الأول للجيش العراقي السني في الكويت وجنوب العراق وكوردستان، على ان هذا الجيش لم يكن سوى جيشاً عربياً سنياً محتلاً للجنوب الشيعي وكوردستان الكوردية منذ تأسيس الدولة العراقية في عام 1921 ولحين هروبه وانهياره في كوردستان في ذلك العام 1991.

بعد حل الجيش العراقي السني على يد السفير الأمريكي بول بريمر عام 2003 وزوال النظام السني في العراق، والذي كان الانهيار الثاني من نوعه لذلك الجيش، فقد حل محله جيش شيعي والذي لم يضم في صفوفه سوى نسبة قليلة من السنة والتي لم تتجاوز الـ(5%) ونسبة من الكورد لم تتجاوز الـ(2%) عليه، فإن تواجد الجيش الشيعي لم يعد مقبولاً لدى السنة في المناطق ذات الكثافة السكانية السنية والتي اصطلح على تسميتها بالمثلث السني، كما لم يعد مقبولاً ايضاً في المناطق المتنازع عليها ذات الغالبية الكوردية التي طالبت اكثر من مرة بسحب الجيش العراقي منها، ومنذ ذلك العام يخوض السنة العرب العراقيون عمليات مسلحة ضد القوات الشيعية في مناطقهم وطالبوا اكثر من مرة بسحب الجيش العراقي الشيعي الى خارج مدنهم وقصباتهم وقراهم، ولقد كان هذا المطلب من المطالب الرئيسية للمعتصمين السنة.

وبسبب اصرار الحكومة الشيعية على رفض مطالب السنة، فإن حرب السنة ضدهم اخذت بالتطور والاتساع إلى ان ارتقت الى مرتبة الحرب الجبهوية في محافظة الأنبار السنية مع بداية هذا العام 2014 ودخلت مرحلة نوعية في يوم 10 حزيران 2014 عندما استطاعت ان تحرر الموصل وفيما بعد معظم محافظة صلاح الدين والاجزاء العربية من محافظة كركوك وديالى كذلك، وبالاستيلاء على الموصل وصلاح الدين، فان السنة حققوا مطلباً جوهرياً لهم والذي يقربهم من الاستقلال، ألا وهو اجلاء الجيش من مناطقهم وبصورة أدق انسحاب الجيش الشيعي منها.

لم تكتف الفصائل السنية المسلحة بالاستيلاء على المساحة الأوسع من الأراضي التي يقطنها العرب السنة، بل راحت تواصل هجماتها وما تزال لانتزاع المدن والقصبات والأراضي العربية السنية الاخرى، ويبدو ان المعارك تتواصل مالم تتدخل القوى الدولية لوضع حد لها، ففي يوم 21-6-2014 نقلت الأخبار سقوط قضائي (القائم) و(راوة) بيد الفصائل السنية المهاجمة، وفي اليوم نفسه ذكرت الأنباء انسحاب الجيش العراقي من قضاء (عانة)، وبذلك فان الحدود العراقية السورية صارت تحت سيطرة تلك الفصائل.

إن الجيش العراقي والذي يسميه السنة بجيش المالكي أو الطائفي لم يعد مرغوباً في كل المنطقة السنية، وعلى حكام العراق الشيعة أن يدركوا هذه الحقيقة مثلما ادركها حكام البعث عام 1991 من ان المنقطة الكوردية بفعل انتفاضة اذار وهزيمة جيشهم في كوردستان، لم تعد منطقة عراقية واصبحت خارج نفوذ حكومة البعث، لذا فانهم، أي الحكام البعثيين قاموا بسحب جيشهم واداراتهم المدنية الحكومية من مدن وأراضي كوردستان، وقام المجتمع الدولي وعلى رأسه ثلاث قوى عظمى: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ومعهم تركيا بفرض منطقة الحظر الجوي عند خط العرض الـ36 لحماية السكان الكورد من الحكومة العراقية، وسمح هذا الاجراء للكورد باجراء انتخابات تشريعية ديمقراطية اسفرت عن ظهور برلمان وحكومة ومؤسسات مختلفة، وكان ذلك في عام 1992 وبفضل تلك الحماية تقدمت كوردستان وازدهرت وراح شعبها ينعم بالسلم والاستقرار.

إن شعب المثلث السني بحاجة الى استنساخ التجربة الكوردية، وعلى المجتمع الدولي نقلها الى هذا المثلث مع مد يد المساعدة الى سكانه وحثهم على اجراء انتخابات تشريعية فحكومة ديمقراطية تعددية تقوم على ادارة شؤونهم، فتحويل فصائلهم المسلحة الى جيش نظامي خال من العناصر الارهابية يأخذ على عاتقه الدفاع عن العرب السنة. نعم، يصعب تخيل حياة مشتركة للسنة والشيعة، وعلى الطرفين استيعاب ذلك، وأن يتوقفا عن التوسع كل منهما على حساب الاخر والكورد كذلك.

وعلى ذكر التوسع، فان احلاماً تراود الفصائل السنية بضم اجزاء من الوطن الكوردستاني الى المناطق الخاضعة لنفوذهم، نفوذ السنة، الامر الذي اضطر معه الكورد، الى التحرك في الايام الاولى لسقوط الموصل الى ضم المدن الكوردية كركوك وغيرها الى كوردستان وتطبيق المادة (140) من جانب واحد ان جاز القول، بعد ان كانت الحكومة العراقية تتهرب من تطبيقها، غير انه يبدو ان الامر لا يروق للفصائل السنية المسلحة فها هي تهاجم قوات البيشمركة الكوردية في المناطق الكوردية، فلقد شهد اليومان 19 و 20 من شهر حزيران الحالي (11) هجوماً مسلحاً لتلك الفصائل على قوات البيشمركة الكوردية في مناطق كوردية بمحافظة كركوك، وفي محافظة ديالى فإن القتال سجال بين تلك الفصائل والبيشمركة في ناحية السعدية واجزاء من جلولاء تقدر بـ(10%) من مساحة الاخيرة.

على الفصائل السنية وضع حد لاطماعها في اراضي الكورد؛ و بعكسه فانها ستخسر معركتها مع الشيعة أيضاً، دع  جانباً القول الفشل الذي ينتظرها في المناطق الكوردية في حال احتلالها، وذلك بالنظر للقدرات المالية للمثلث السني والضئيلة الى درجة مخيفة، كون المثلث يقوم اصلاً على مناطق صحراوية وشبه صحراوية خالية من الثروات المعدنية بالأخص.

ان الفصل بين المكونات الاجتماعية: الشيعة والكورد والسنة بات ملحاً لتحقيق الامن والاستقرار في اوطان هذه المكونات ولن يتم ذلك إلا بقيام (3) دول شيعية وكوردية وسنية محل العراق الآيل الى السقوط والانهيار. على ان يساعد المجتمع الدولي في انجاز ذلك ونبذ ماعداه من الحلول العسكرية التي لن تجدي نفعاً وسوف تزيد الطين بلة وتطيل من المأساة العراقية وتدفع بالمكونات الاجتماعية المذكورة الى حرب أهلية رهيبة.

 [email protected]

أخبار ذات صلة