الرئيس مسعود بارزاني حكيم العراق

آزاد مصطفى
قديماً قال أفلاطون "لا يكتمل فضل المرء، حتى يزيل من نفسه الكره تجاه أعدائه".
عرف الرئيس مسعود بارزاني كسياسي، ومنذ دخوله معترك النضال الثوري في صفوف البيشمركة ومن ثم قيادته الثورة الكوردية، إلا انه تميز بمآثر عسكرية يمكننا الإشارة إلى بعض منها وهي:
قيادة معركة خاكورك في عام 1988 لمدة خمسة وخمسين يوماً، قيادة الفعاليات العسكرية في منطقة برواري بالا عام 1987 لمدة ستة أشهر، إذ لم يترك رفاقه في الخطة الحرجة على الرغم من وفاة أخيه إدريس بارزاني على الحدود الإيرانية، إذ بقي على رأس مقاتليه.
تصدى بارزاني للقوات العراقية في موقعة كوري عام 1991مع أفراد حراسته في الوقت الذي هرب فيه الكثيرون، استطاع وقف الهجوم العراقي بعد أن ضرب عمامته الحمراء والبيضاء على الأرض، وألحق الهزيمة بها، بحكمة القائد الثوري المتمرس الذي عاش مآسي الحرب، وذاق مرارتها تمسك بخيار السلام والديمقراطية، ودعا العراقيين بعد سقوط النظام البعثي إلى إلقاء السلاح واللجوء إلى الحكمة والتسامح ولغة الحوار، وفتح صفحة جديدة مقتدياً بحكمة القادة العظام، والتي تؤكد إن الانتصارات الحقيقية والدائمة هي تلك التي تأتي من السلام، وليس من الحرب.
حتى نابليون بونابرت، بعد أن كان سيد حرب عظيم تحول إلى داعية سلام وأطلق جملته الشهيرة "إن تحقيق السلام أفضل من كسب الحروب، فإن لم تسعوا لتحقيق السلام فإن الحرب ستلغيكم".
عرف العالم العديد من الشخصيات العظيمة التي نشرت قيم التسامح والسلام بين الشعوب، وأصبحوا بمثابة منقذين ومخلصين، وأحد أبرز هؤلاء الشخصيات كان غاندي الذي تأثر بكتابات ليف تولستوي المقتبسة من الإنجيل ومن تعاليم الديانة الهندوسية، وكذلك نيلسون مانديلا، الذي قال قولته الشهيرة: "إذا لم أغادر الحقد والكراهية وأنا خارج من السجن سأبقى سجيناً"، وخاطب الثوار عشية ثورات الربيع العربي، ودعاهم إلى الكف عن الثأر والانتقام بالقول "أتمنى أن تستحضروا قول نبيكم: اذهبوا فأنتم الطلقاء ..".
وعبر التاريخ عُرف القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي، بالنبل والتسامح عندما عرف أن الملك ريتشارد قد مرض، أرسل له بعض الأطباء المسلمين الذين توصلوا إلى أصل مرضه، ووصفوا له العلاج الذي كان في جزء منه بعض الفاكهة الموجودة في بيت المقدس والثلج، ولما عرف صلاح الدين ذلك لم يتردد في إرسالها له كل يوم، وكذلك عرف بحسن معاملته لأسرى الحرب.
وقد اشتهرت الأسرة الأيوبية بالخلق والورع والتقوى لذلك أصبح لها سلطان وهيبة بين الناس مثل آل البارزاني في وقتنا المعاصر. وقد عرف البارزاني الكبير الذي نهل من قيم النقشبندية بتسامحه مع أعدائه وأصدقائه في معركة خيرزوك الشهيرة أصيب البارزاني بجروح طفيفة، وشاءت الصدف أن يقع الشرطي الذي أصاب البارزاني أسيراً بعد إصابته بجراح ولاه البارزاني رعاية خاصة، ولم يسمح لأحد أن يسيء إليه، وفي اليوم التالي، أعاده البارزاني مع جميع الأسرى، وأرسل معه نبي حسن وهو موضع ثقة تامة لحمايته وإخلاء سبيله بسلام.
وعلى نفس الخطى سار الرئيس مسعود بارزاني الذي قال ذات مرة: نحن في إقليم كوردستان اعتمدنا سياسة التسامح والتعايش السلمي وقبول الآخر، لم ننتقم ممن ظلمونا خلال انتفاضة شعب كوردستان في آذار 1991 وكذلك لم ننتقم ممن أساءوا إلينا بعد سقوط النظام العراقي في 2003 وفتحنا صفحة جديدة مع أنفسنا ومع غيرنا، وساعد هذا على أن نتفرغ لبلدنا، وللتخفيف من معاناة شعبنا إن شعب كوردستان إبان انتفاضة عام 1991 قد قدم درساً بليغا وإنسانيا للعالم أجمع عندما وقع فيلقان من الجيش العراقي أسرى في أيدي شعبنا، وعاشوا بيننا معززين مكرّمين ودون أن يلحق بهم أي أذى، وكان الكثير قد استشهدوا على يد بعض أفراد هذه القوات.
وقاموا باستخدام السلاح الكيمياوي بحق الناس، لكن عندما استسلموا ووقعوا في الأسر لم يتلقوا من ذوي المؤنفلين سوى الترحاب وأخلي سبيلهم فيما بعد، أين نجد شعباً بهذه الأخلاق والمبادئ الإنسانية الرفيعة؟ الشعب الكوردي انتصر بهذه الأخلاق الرفيعة السامية في الوقت الذي يدعو سيادته إلى الضغط على الجراح والتسامح ونبذ العنف، يتوجه إلى أبناء الشعب الكوردي والشبيبة خاصة، ألا ينسوا تلك المآسي التي عانى منها الشعب الكوردي الذي قدم الكثير من الشهداء البيشمركة في ثورات الكورد المتعاقبة في جنوب كوردستان، إضافة الى 182 الفاً في الأنفال وثمانية آلاف من البارزانيين وتدمير أكثر من خمس آلاف قرية، وأن يدركوا إن ما تحقق من المكاسب هو ثمرة دماء هؤلاء الشهداء وهذه التضحيات.
وإننا ضحينا بالآلاف من شبيبتنا الذين لم يعثر على رفاة الكثيرين منهم لحد الآن إنهم ذهبوا، واستشهدوا فداء لكي يبقى من يأتي بعدهم.
خلال الأزمات العديدة التي مر بها العراق والمنطقة أظهر الرئيس الخلق الرفيع والاعتدال في التصريحات والأقوال، ولم يتحدث بلغة الطائفة والعشيرة والنعرات القومية، كما فعل البعض، ويشهد له دوره البناء والإيجابي في حل هذه الأزمات فهو ينظر إلى الأمور بحكمة وعمق ولا يأخذها بتعجل ويسعى إلى درء الفتن، وحل كل المسائل العالقة بالوسائل السلمية، وكان علي بن أبي طالب قد توجه إلى أهل الفتن من الطائفيين بالقول: كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب. والناس أعداء ما جهلوا. وأحصد الشر من صدر غيرك...بقلعه من صدرك.
إن لجوء الكورد إلى السلاح كان اضطرارياً للدفاع عن وجوده وهويته القومية.
اتفاقية هولير التي أتت بالمالكي إلى الحكم تمت تحت رعاية الرئيس مسعود وصولاً إلى محاولته الأخيرة وقف القتال في الرمادي، إذ تجري المفاوضات في هولير بين الحكومة وممثلي العشائر. وفشل الحل الأمني والخيارالطائفي لحكومة لحكومة المالكي وخروج الارهاب من عقاله خير دليل على صحة موقفه السياسي.
وقد أصاب الإعلامي السوري القدير فيصل القاسم الصميم عندما لقب الرئيس مسعود بارزاني في برنامج الاتجاه المعاكس بحكيم العراق.




