٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

الأقليات بين الانتماء الوطني والاستحقاق القومي

المصدر: KDP.info

شفان إبراهيم

إن الانتماء الوطني شكل تتحدد به الهوية الاجتماعية- السياسية, حيث يقرن الأفراد وجودهم بالدولة عبر سلسلة من المتواليات المتبادلة بين الطرفين, هؤلاء الأفراد يقرون بوضعهم الشرعي كأعضاء وفق مجموعة حضارية (كيفما عرفت) بكيان, والشعور المرتبط بهذا الشكل من الهوية هو حب الأمة ووعي لتقاليدها, لذلك فإن معرفة ما جعل الأمة عظيمة وما يستمد في ذلك هو نوع من الأهلية المطلوبة للشعور بالكيان السياسي والإطار الجمعي للأفراد كأعضاء أصلاء في الدولة.

وبذلك نحصل على نوعية الانتماء الذي خلقته الدولة بسياساتها تجاه رعاياها, وهي تحديد علاقة الفرد ليس بفرد آخر فحسب, ولا بمجموعة, ولكن بفكرة الدولة بشكل رئيسي.

فالهوية المدنية مصونة بالحقوق التي تسبغها الدولة, وبالواجبات التي يؤديها المواطنون الذين هم أشخاص مستقلين ومتساوين في أوضاعهم الشرعية, فالمواطنون الصالحون هم الذين يشعرون بالولاء للدولة ويدفعهم الإحساس بالمسؤولية إلى تأدية واجباتهم وبالتالي فهم يحتاجون إلى المهارات المناسبة لهذه المشاركة المدنية.

إن الاستقلالية والمساواة في المكانة والمشاركة المدنية في شؤون الدولة تضعان حقوق الأقليات نظرياً بمعزل عن الأشكال الإقطاعية, والملكية, والاستبدادية للهوية الاجتماعية-السياسية. لقد قدم مجال واسع من المبررات التاريخية لهذا السعي وراء التجانس القومي, ولقد قيل في بعض السياقات إن الدولة بحاجة إلى أن تكون أكثر اتحادا لكي تدافع عن نفسها ضد الأعداء في الداخل والخارج بشكل فعال, أو لتبني التضامن المدني المطلوب لدولة الرفاه المنشودة, أو الدولة المتحدة ثقافياً لتسهل إدارتها.

حينها ليس فقط على الصعيد السياسي ستكون الدولة مزدهرة, بل سيكون لها سوق للعمل أكثر فعالية. غير أن هذه الحالة لا نجد طريقها للتطبيق في جو من الازدهار؛ لأن الحالات المعاكسة لها دعمتها إيديولوجيات عنصرية وعرقية أكدت أن كلاً من لغة وثقافة مجموعات الأقليات والسكان الأصليين متخلفة ومتدنية, إن لم تكن بربرية لا تستحق الاحترام ولا الحماية, علماً أن هناك تنوعا فكريا عنصريا منتشر في أغلب الدول المختلطة لغزل هذه الحجج الإيديولوجية, والاقتصادية, والسياسية, والجغرافية ونسجها معاً, غير أن العناصر نفسها تعاد وتتكرر في الحكايات التي ترويها

الجماعات المسيطرة لكي تبرز مشروعاتها في القهر, والقسر العرقي, وفرض العنصر القومي المرغوب.

لقد كان لتبني هذا النموذج وما يصاحبه من سياسات وتبريرات كامنة, نتائج مهمة على الجماعات الثانوية. يوجد داخل نطاق معظم الدول كثير من الجماعات ذات اللغة الخاصة, والتاريخ الخاص, والثقافة والأبطال والرموز الخاصة, وكثيراً ما تستبعد مثل تلك الجماعات تماماً بسبب صبغنة اللون القومي المرغوب, أو يتم تضمينها مقابل القبول بالاستيعاب ووضعية الطبقة الثانية في الدولة والمجتمع, وهذه الحالة مدعومة بالنزعات الإيديولوجية العنصرية والعرقية التي تستخدم عادة لتبرير بناء الدولة القومية العنصرية.

والواقع أن الأقليات غالباً ما تكون الهدف الأول لهذه السياسات, ما دامت هي العقبة الكبيرة أمام هدف أو أسطورة الدولة القومية المتحدة, ومن ثم فهي الأكثر حاجة إلى التأميم, وقد كانت النتيجة مع مرور الزمن هي خلق أشكال مضاعفة وراسخة لاستبعاد وتبعية الأقليات, وغالباً ما جمعت التهميش السياسي مع الإجحاف الاقتصادي والسيطرة الثقافية. ونتيجة لذلك عارضت جماعات ثانوية متنوعة هذه المحاولات لإنشاء دول قومية متجانسة غير مدعومة بضمانات للأقليات, وتبنت بالمقابل نموذجاَ أكثر تعددية للدولة.

ولم يكن هذا الكفاح باستمرار من اجل تعددية ثقافية, وربما رفضت بعض هذه المجموعات هذا المصطلح, بل كثيراً ما كان الكفاح من اجل الدولة باسم الدولة متعددة القوميات أو مثل عليا متنوعة للمشاركة والفيدرالية والحقوق التاريخية أو ببساطة الحقوق الديمقراطية.

بكل الأحوال تختلف التفصيلات الدقيقة من بلد إلى بلد في شكل الدولة المتعددة الثقافات, مع ذلك هناك بعض المبادئ العامة المشتركة بين الألوان المختلفة من الكفاح من أجل دولة متعددة الثقافات.

1 - تتضمن الدولة متعددة الثقافات نبذاً للفكرة القديمة التي تقول أن الدولة ملك لجماعة قومية مفردة, وبدلاً من ذلك لابد للدولة أن تُرى على أنها تنتمي إلى جميع المواطنين على حد سواء.

2 - الدولة متعددة الثقافات تنبذ أي سياسة لبناء الدولة القومية تضم أو تستبعد أعضاء جماعة الأقليات أو الجماعات غير المسيطرة وإنما تقبل بدلاً من ذلك أن يكون الأفراد قادرين على الوصول إلى مؤسسات الدولة, وان يتعاملوا كمواطنين متساوين بالكامل في الحياة السياسية من دون أن يضطروا إلى أخفاء أو إنكار هويتهم الثقافية العرقية فالدولة تقبل التزاماً بالاعتراف والتكيف مع تاريخ, ولغة, وثقافة الجماعات غير المسيطرة على نحو ما تفعل مع الجماعة المسيطرة.

3 - تعترف الدولة متعددة الثقافات بالظلم التاريخي الذي وقع على جماعة الأقليات المسيطرة بسبب سياسة الاستيعاب والاستبعاد, وتظهر استعدادها لتقديم نوع من العلاج أو التعويض وتصحيح الأوضاع.

هذه الأفكار الثلاث المترابطة التي تنبذ فكرة الدولة التابعة للجماعة المسيطرة, ولتحل عوضاً عن سياسات بناء الدولة القومية الاقصائية أو الاستيعابية, سياسة الاعتراف والتكيف والإقرار بالظلم التاريخي, وتقديم تعويضات عن هذا الظلم, إضافة إلى إشاعة الأفكار المتعلقة بجميع الكفاحات العالمية الحقيقية من اجل بناء دولة تعددية اتحادية.

                                                                                                                                              [email protected]

أخبار ذات صلة