مالكي يدق طبول الحرب في كوردستان

كان السيد نوري كامل المالكي أحد الكوادر القيادية البارزة في حزب الدعوة الأسلامية في العراق وكان يمثل الحزب في سوريا لسنوات طويلة تحت أسم حركي (( جواد المالكي ـ ابوأسراء )) وكانت علاقاته بالأحزاب والقوى السياسية الكوردية العراقية المعارضة في سوريا جيدة وكان يبدي تعاطفه التام مع القضية الكوردية وحقوق شعب كوردستان وكان يتردد على المناطق المحررة في كوردستان ويتخذ منها ملاذاً آمناً لنشاط حزبه ضد نظام البعث الدكتاتوري .
وكانت علاقات حزب الدعوة بالأحزاب الكوردية علاقات نضالية باعتباره أول حزب سياسي شيعي قد تشكل في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي بمبادرة من أية الله العظمى الشهيد محمد باقر الصدر وكانت مبادئه في الدفاع عن حقوق المحرومين ومحاربة الأنظمة الاستبدادية الدكتاتورية في العراق متقاربة مع مبادئ وأهداف الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة مؤسسه ورئيسه الخالد مصطفى البارزاني وكانت مواقف حزب الدعوة الاسلامية في عهد الشهيد الصدر حتى استشهاده في بداية نيسان 1981 تدين الحرب على شعب كوردستان من العوامل الايجابية في تقوية أواصر العلاقات النضالية بين الكورد والشيعة في العراق وهي امتداد لمواقف آية الله العظمى المغفور له السيد محسن الحكيم من القضية الكوردية وادانة الحرب ضد شعب كوردستان واصداره فتوى مبدئية جريئة بتحريم قتال الشعب الكوردي حيث رسخت دعائم العلاقات بين الشيعة والكورد ويشرفني أنني حملت أول رسالة شخصية من الملا مصطفى البارزاني قائد الثورة الكوردية الى آية الله السيد الحكيم في أواخر نيسان 1964 حيث كنت آنذاك مسؤولاً لفرع بغداد (( الفرع الخامس)) للحزب الديمقراطي الكوردستاني.
وكانت مواقف العشائر والمواطنين الشيعة في المحافظات الجنوبية تجاه المناضلين الكورد المبعدين والمنفيين الى هناك بعد قيام ثورة الحادي عشر من أيلول المجيدة في كوردستان ضد نظام اللواء عبدالكريم قاسم والأنظمة العربية الشوفينية فيما بعد ولاسيما بعد اتفاقية الجزائر الخيانية في آذار 1975 مواقف أخوية كريمة لا تنسى . ومن هنا أنقل عن البارزاني الخالد ما لاقاه من الكرم عندما كان مبعداً في الناصرية سنوات 1936 و 1941 .
هذه خلاصة موجزة عن العلاقات التاريخية بين الكورد والشيعة في العراق سواء في العهد الملكي ام في العهد الجمهوري وحتى سقوط نظام البعث في التاسع من نيسان 2003.
وبعد سقوط النظام البعثي الشوفيني الطائفي وقفت القوى الكوردية وفي المقدمة الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة رئيسه المناضل مسعود بارزاني بكل ثقل وقوة الى جانب الأخوة الشيعة لترؤس الحكومة العراقية باعتبارهم يشكلون أكثرية سكانية في العراق وقد تعرضوا الى المظالم والحرمان منذ تأسيس الحكم الملكي في عام 1921. وفي الوقت نفسه آملين من الأخوة الشيعة أن ينظروا بدورهم الى اخوانهم الكورد شركائهم في الاضطهاد والحرمان نظرة ايجابية وتعويضهم عما لحق بهم من الاضطهاد والمظالم والجرائم النكراء طوال تسعة عقود من الزمن .
إلا أن ما يؤسف له حقاً حيث أخذ قادة حزب الدعوة الأسلامية ولاسيما بعد أن تسلم السيد نوري المالكي رئاسة الحكومة في الكابينة الثانية مواقف غير ودية تجاه الكورد ويديرون لهم ظهر المجن والتوجه بالتدريج نحو الغرور والاستعلاء ثم الدكتاتورية.
حيث حاول الدكتور ابراهيم الجعفري الأمين العام للحزب رئيس الوزراء دقّ الأسافين بين اقليم كوردستان والحكومة التركية وتجميد المادة 140 من الدستور العراقي وفي عهد نوري المالكي اخذت الثقافة الشوفينية ضد الكورد وحقوقهم القومية تنتقل الى الوسط الشيعي في المناطق الجنوبية في الوقت الذي كانت محصورة على الأكثر في أوساط بعض القوى القومية العربية السنية الشوفينية ... وأخذ نوري المالكي يراوغ ويماطل فيما يتعلق الأمر بتنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي التي تتعلق بازالة آثار التعريب التي طالت بعض المناطق الكوردية مثل كركوك وخانقين ومخمور وزمار وسنجار وشيخان وإعادة الأوضاع الى حالتها الطبيعية ومحاولة المالكي الابقاء على التعريب في تلك المناطق كأمر واقع وتشجيع القوى والأطراف العربية المناوئة للمادة 140 وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم كقيامه بعقد جلستين لمجلس الوزراء في كركوك والموصل واجتماعه سراً مع بعض رؤساء العشائر من العرب والكورد العملاء للأنظمة العراقية المتعاقبة وتشجيعهم لرفض المادة 140
لقد رفض المالكي على الرغم من وعوده المتكررة للقيادة الكوردستانية اعتبار قوات البيشمركة كجزء من القوات العراقية وصرف المخصصات المطلوبة لهم من ميزانية وزارة الدفاع وتسليحهم أسوة ببقية منظومة قوات الجيش العراقي.
من ناحية اخرى كان من المتفق عليه في بداية تشكيل الجيش العراقي بعد انهيار نظام البعث أن تكون نسبة الكورد 15ـ 20% من الضباط والمراتب في الجيش العراقي بمختلف صنوفه إلا أن نوري المالكي رفض تطبيق الاتفاق وأخذ يقلص نسبة الكورد في الجيش حتى أصبحت الآن أقل من 03% فقط واخذ بنقل بعض الضباط الكورد من الفرق في المناطق المتنازع عليها والمشمولة بالمادة 140 الى المناطق الجنوبية والوسط وجردّ رئيس الأركان الكوردي الفريق بابكر زيباري من معظم صلاحياته وأصبح نوري المالكي يصدر قرارات تحرك القطعات العسكرية وتنقلات الضباط متجاهلاً رئيس الأركان ...
ـ أما بخصوص قانون النفط والغاز فقد أصبح مجرد حبر على ورق ومنع إقراره بشكل رسمي من قبل مجلس النواب العراقي . كي لا يتمكن شعب كوردستان من استخراج ثرواته النفطية من باطن ارضه والاستفادة منها في اعمار وازدهار وتطوير وتقدم الاقليم ، كما فعلت الحكومات العراقية المتعاقبة من قبل... وجاء بوزير من حزبه حاقد على الكورد ليضع العراقيل والعقبات المصطنعة لمنع اقليم كوردستان من استخراج وتصدير نفطه بحجج واهية وهذه سياسة استعمارية قديمة بامتياز...
ـ تشكيل الصحوات:
لقد أقدم نوري المالكي في السنة الأولى من الكابينة الثانية لحكومته على تشكيل قوة شبه عسكرية خاصة به تحت اسم (( الصحوات)) لا لدعم ومساندة القوات النظامية ضد الأرهاب بل لتكون مرتبطة به شخصياً وتتلقى الأوامر منه فقط كما فعل حزب البعث بعد انقلاب شباط 1963 عندما قام بتشكيل الحرس القومي واخذ المالكي يتصل سراً ببعض رؤساء العشائر الكوردية المرتزقة المعروفين بالعمالة للحكومات العراقية بغية تشكيل الصحوات في المناطق الكوردية المتنازع عليها والمشمولة بالمادة 140 من الدستور مثل محافظة نينوى وكركوك وديالى كما فعلت الحكومات العراقية بعد اندلاع ثورة الحادي عشر من أيلول 1961 حيث تم تشكيل أفواج الجحوش بغية ضرب الكورد بعضهم بالبعض ... وأراد المالكي تكرار نفس التجربة في كوردستان كموقف شوفيني عنصري مقيت...
ـ التوجه نحو الدكتاتورية :-
لقد أصيب السيد نوري المالكي بداء الغرور واخذ يتحول نحو الدكتاتورية في السنتين الاخيرتين من كابينته الثانية مستنداًً الى دعم دول اقليمية وخارجية ويستغل منصبه والامكانيات المادية الهائلة التي تحت تصرفه لتقوية نفوذه الشخصي وفرض حزبه على الأحزاب والقوى السياسية العراقية الأخرى بما فيهم الأطراف الشيعية نفسها ليحل محل حزب البعث ويحل هو محل صدام حسين ويتجاهل الدستور ومجلس النواب العراقي ويحاول إزاحة من يقف في طريقه لفرض دكتاتوريته على الآخرين ويعتقد بأن القيادة الكوردية ممثلة برئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني رئيس اقليم كوردستان السيد مسعود بارزاني هو العقبة الوحيدة أمام طموحاته الدكتاتورية ولابد من تركيعها واخضاعها لتحقيق أهدافه كموقف عبدالكريم قاسم في سنة 1961من الحزب الديمقراطي الكوردستاني ورئيسه الخالد مصطفى البارزاني حيث أندلعت الثورة الكوردية وها هو نوري المالكي يحاول إعادة نفس التجربة الخطيرة والمقيتة ... واخذ بافتعال الأزمات السياسية مع حكومة اقليم كوردستان والقيام باستفزازات مقصودة في الاقليم مثل ارسال بعض قطعات الجيش العراقي الى مدينة خانقين والقيام بتحركات عسكرية ضد قوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها في محافظة نينوى وأخيراً الاقدام على إرسال لواءين من الجيش العراقي الى منطقة زمار للتمركز في نقطة بيشخابور الحدودية مع سوريا والتي تقع تحت سيطرة قوات البيشمركة منذ نيسان 1991 كنقطة عبور الى سوريا من اقليم كوردستان وكانت تستخدم من قبل جميع فصائل المعارضة العراقية والسيد نوري المالكي نفسه عبر من خلالها الى سوريا مراراً عندما كان لاجئاً سياسياً في دمشق.ان السماح للجيش العراقي بالتمركز في بيشخابور اليوم سيفتح الأبواب أمام المالكي لارسال الجيش غداً الى اربيل والسليمانية ...
ان محاولة السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق الاتحادي زج الجيش العراقي بمغامرات خطيرة في اقليم كوردستان خلافاً للدستور العراقي ومصلحة شعب العراق والقيام باستعراض العضلات سيضع العراق برمته أمام كارثة مأساوية ونسف الوحدة الوطنية للشعب العراقي والعلاقات بين الكورد والعرب وبالاحرى بين الكورد والشيعة في العراق .
ان ممارسات السيد نوري المالكي تجاه الكورد جعل الشارع الكوردستاني يفقد الثقة بجميع القادة السياسيين العرب في العراق بمختلف اتجاهاتهم السياسية ومعتقداتهم الطائفية والمذهبية والقومية ويطالبون القيادة الكوردستانية للبحث عن بدائل اخرى لتقرير مصير شعب كوردستان العراق وقد دفع المالكي بتصرفاته وممارساته القادة الكورد مكرهين الى تحالفات غير متكافئة ومتوازنة والتوجه صوب دول اقليمية غير صديقة للكورد لحماية أمن ومصالح شعب كوردستان . وحث الشارع الكوردستاني قيادته للبحث عن تسليح قوات البيشمه ركة بأسلحة دفاعية متطورة للدفاع عن وطنه وحياة مواطني كوردستان نتيجةً لمغامرات نوري المالكي لزج الجيش العراقي في حرب طائفية وعنصرية في كوردستان...
انني ومن منطلق الحرص على العلاقات التاريخية بين الكورد والشيعة التي كان لي شرف تطويرها في عهد اية الله العظمى السيد محسن الحكيم . أتوجه بنداءٍ مخلص الى المرجعية الشيعية الموقرة وكافة الأحزاب والقوى الشيعية الصديقة بأن من مصلحتهم قبل غيرهم ابعاد السيد نوري المالكي عن رئاسة الوزارة قبل فوات الأوان . لأنه بممارساته ومغامراته ودكتاتوريته سيعرض مصالح الشيعة الى مخاطر جسيمة وفقدان ما حققوه بعد حرمان طويل.
ـ ان اية مغامرة عسكرية في كوردستان من قبل المالكي ستقلب الموازين السياسية الى ما لا تحمد عقباه ولن يحصد المالكي سوى الندم والدمار للعراق بعد ان اوصله الى هذه الحالة التي هو عليها اليوم وليتعظ بالدكتاتور صدام حسين وحزب البعث ..
وعلى المالكي وكل من يستعرض العضلات ان يعتبر بمن سبقه في طريق الدكتاتورية ومحاربة الكورد منذ عام 1961 وانتهاء بعام السقوط 2003 وان لا يقف بالضد من شعب كوردستان الآمن والمسالم بل ليخرج من المنطقة الخضراء ويوفر الأمن لبغداد عاصمة الرشيد ... سيبقى الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة رئيسه المناضل مسعود بارزاني حزب الثورات وقوافل الشهداء والبيشمركة الأبطال مدافعاً عن أرض وشعب كوردستان كما كان دوماً حتى لو بقي وحده في ساحة الصمود والنضال وهذا قدر الحزب وقيادته ومناضليه وبيشمركته الشجعان ليدفع باهظاً ضريبة حقوق شعب كوردستان بالدماء الزكية الطاهرة
علي سنجاري




