كردستان العراق.. راهنيه الحالة السياسية والاستحقاقات الوطنية الكردستانية... عبدالرحمن كلو*

من خلال تتبع الحالة العراقية منذ انهيار منظومة المؤسسة الفاشية في العراق نلاحظ بوضوح تجليات حالة الولادة العسيرة للعراق الجديد، حيث قوى الممانعة ما زالت تحتفظ بالكثير من مستلزمات بقائها كعائق وممانع على الصعيدين الداخلي العراقي والإقليمي في الجوار العراقي، فهذه القوى ذات طبيعة عقائدية متجذرة تاريخياً، نشأت مع صراعات المذاهب والطوائف على سلطة الدولة الاسلامية واستمرت في سيرورة متغيرة بحسب الحقب التاريخية حتى أخذت شكلاً نمطياً في الفهم والانتماء. والعهود الاستعمارية القديمة - العثمانيون والانكليز- ساهمت إلى درجة كبيرة في إدارة هذه العقائد بحسب ما كانت تقتضيه موازين إدارة المستعمرات، وتم تقديم كل الرعاية والعون لتنشئتها وفق ما مصالح الدولة الاستعمارية، وأوجدت من خلال السلطة السياسية للعراق العربي طبقات ونخب سياسية منسجمة مع مصالحها كما سلحتها بأيديولوجيات غريبة عن واقع هذا الشرق، وفي صيرورة جدلية تاريخية امتزج الارث العقائدي القديم مع النظريات القومية المستوردة في تشكيلة ثقافية وفكرية خاصة ومعقدة، باتت عصية على الفهم أو التفاهم، حتى أصبح من الصعوبة بمكان إمكانية قبول فكرة وجود أي طرف آخر في معادلاتهم السياسية أو الجغرافية فكل شيء عندهم لا يقبل القسمة، هذه القوى لن تستسلم للواقع الجديد ولن تسلم بمستجدات المرحلة الحالية، والمشكلة الكبيرة في هذه القوى هي طبيعتها العقائدية - وهنا تقصدنا استخدام مصطلح عقيدة عوضا عن استخدام كلمة أيديولوجيا بسبب التحول الفكري إلى عقائد جامدة بعيدة عن المذاهب الفكرية ومنطق التاريخ - فالطبيعة العقائدية لهذه القوى ما هي إلاّ مزيج غير متجانس لأوهام وخرافات عنصرية مع نظريات غربية ذات طبيعة فاشية، تقولبت في إطار معين، وبقوة السلطة وأدواتها ،أخذت شكلا من أشكال النظم السياسية له قوانينه الخاصة جداً، ومن هنا بالذات تُسمع الكثير من الأصوات تصرخ منادية بضرورة الدفاع عن الخصوصية العربية، وهذه الأصوات تقصد خصوصيتها هي، الخصوصية الموروثة عن نظريات الغرب المستوردة، خصوصية العنصر الواحد، خصوصية السلطة الواحدة، اللغة الواحدة ،...الثقافة الواحدة ،..الفهم الواحد.. لذلك نرى أننا وأمام هذه القوى مرغمين على قراءة التاريخ من السطر الأول دوماً ، للتذكير بأهمية البعد التاريخي في صناعة الظاهرة أو الحدث.
ويبدو أن التركة كانت ثقيلة جداً على ثقافة المنطقة بشكل عام حتى باتت نشاز الأمور من صلب القوانين المعمول بها ، بل أكثر من ذلك أصبحنا أمام ثقافة اللاضوابط ، ثقافة الحقيقة الواحدة المعرَّفة والمحددة ، فمهما كانت طبيعة أو نوع المسألة الخلافية، ومهما كنت تملك من المنطق والحجة فهو لن يقبل إلا بالحقيقة المرسومة في مخيلته والجاهزة منذ ما يقارب قرن كامل، حقيقة واقع ساهم في صناعتها الغرب الاستعماري عبر قرن كامل من الزمن وصدقها الكثيرون وهي أشبه بحقيقة أدولف هتلر عندما قال الكذبة كلما كبرت كلما كثر مصدقوها، وانتشرت وكبرت هذا الحقيقة المزيفة حتى طالت كل جوانب الحياة التاريخية والفكرية والثقافية والأخلاقية في منطقتنا، إلى درجة أصبحنا نعيش حالة زيف كامل ، فالبيئة لم تعد تخضع لقانون أو ضابط،والأخلاقيات باتت لها نكهة نتنة، والمنطق أصبح يسبح في فضاء المفارقات والمتناقضات ،فعند سقوط الصنم ، في التاسع من نيسان، وبعد يومين فقط أي في الثالث عشر من نيســان، وعندما كانت بعض الفضائيات تسـتطلع آراء الناس من الشـارع العراقي في المناطق أو الأحياء السنية من المحسوبين على نظام صدام حسين سـمعناهم يقولون: هل هذه هي ديمقراطية أمريكا ؟؟! يطالبون خلال يومين فقط ، ما عجزت عن تقديمه كل " الديمقراطيات " العربية خلال قرن كامل؟! رفض المكون السني الاشتراك في العملية السياسية بدايةً ، فكل ما ينتمي إلى سلطات الدولة الرسمية في العراق هو مرفوض ومرهون للاحتلال ( حكومة احتلال ) لكن هذا لا يمنع من جانبهم أن يقبل هذا الشخص بمنصب رئيس الجمهورية إذا أعطي له !! أو منصب وزير الخارجية لذاك الشخص!! فهم مكون أساسي من مكونات المجتمع العراقي..!! ولا بد من أن تكون آلية صناعة القرار توافقيا مشتركاً بين المكونات الأساسية... !! لكن إذا ما توفر إمكانية التصويت وإنجاح قرار ما ، فلا ضير في اللجوء إلى التصويت في البرلمان" اللاشرعي " ..! لكن ليس دائماً فالعبرة لديهم دائماً في النتيجة،وهكذا فنحن أمام منطق فاشي موروث هرم ومشوش يفتقر إلى أبسط قواعد السلوكيات السياسية وحتى الأخلاقية ، مفارقات لا تخضع لأية شرائع أو قوانين، من جهة لا توجد انتخابات نزيهة تحت حكم الاحتلال فهي مزورة وغير شرعية ( طبعاً باستثناء حكومة حماس فرغم انها انتخبت في ظروف احتلال لكنها حكومة شرعية ومنتخبة ! )، لذا لا يقبلون أن تمرر عبر البرلمان قرارات مصيرية مثل الفيدرالية أو قانون تشكيل الأقاليم .. ومن جهة أخرى يمكن تمرير قانون مخالف للدستور العراقي الدائم الذي صوت عليه أغلبية الشعب العراقي عبر هذا البرلمان " اللاشرعي " ، وهنا نتساءل: هل قبلتم بقرار البرلمان العراقي الذي أقضى بتغيير العلم العراقي؟ لماذا لا ترفعون علم العراق الذي طالما طالبتم إقليم كردستان برفع هذا العلم ؟ أم العلم العراقي هو في نظركم يجب أن يكون العلم الذي خط عليه صدام حسين بيده وسيبقى هو علم العراق حتى لو صوت ضده ألف برلمان؟ وبعبارات أخرى أكثر وضوحاً يريدون اختزال كل المراحل التاريخية للعراق بما فيها من مآسي وتشريد ، وحروب إبادة، وتهجير ..وتغيير وتزوير في الجغرافيا والتاريخ عبر عشرات السنين،في لحظة تصويت تكتيكية مؤامراتية ....لتبدو وكأنها حالة سياسية راهنة أو مجرد موقف سياسي من مسألة معينة، فهم لم يستيقظوا بعد من الصدمة، صدمة الانهيار الكامل والسريع للمؤسسة الفاشية في العراق ، فما زالوا يعيشون أحلامهم المريضة ، ولم يعتادوا بعد أنهم هزموا ومهزومون بحكم التاريخ عقيدةً وثقافة.
أما الجانب الآخر من المعادلة السياسية في العراق هو المكون الشيعي الذي يريد العودة إلى المربع الأول للعملية السياسية في العراق، إذ يتناول الشأن الكردستاني على غرار تناول مسالة في إحدى المحافظات العراقية كالبصرة أو الكوت أو واسط، ويتعمدوا على إثارة الوجود الكردي خارج إقليم كردستان في المدن الأخرى داخل العراق، ويأتي الحديث بصيغة استهجانية ، على الشكل التالي: إذا كان هناك كم واحد كردي في البصرة أو في بغداد أو في دمشق فهل هذا يعني أن هذه المناطق كردية أو تابعة لإقليم كردستان؟ أو ربما يطالب الأكراد غداً بضم بغداد!
نعم يأتي الحديث بهذه السذاجة المتعمدة للتشويش على موضوعية الحقائق التاريخية لكردستان، والتهرب من الاستحقاقات السياسية والسيادية لهذا الوطن الملحق بالعراق العربي، وذلك بتجريد الظاهرة من البعد الديموغرافي التاريخي،متناسين أن الشعب الكردي كان وما زال يعيش في وطنه وعلى أرضه التاريخية كردستان وأن هذا الوطن له من الدلالات الجغرافية والتاريخية والروحية تعيش مع نبض الحياة الكردية في كل شبر من أرض كردستان، وأن كردستان ليست محافظة إدارية عراقية بل هي كيان جغرافي سياسي تاريخي تشكل جزءاً من كيان الدولة العراقية الناشئة ومن الخطأ القبول بمنطق التعامل مع هذا الكيان كمحافظة إدارية ومن الخطأ أيضا الحصول على الموافقة من حكومة المركز لسن أي قانون إداري ضمن الاقليم وحدوده الادارية الحالية ومع الأسف حتى الجانب الكردستاني لم يتمكن حتى الآن من الترجمة الفعلية لهذه العلاقة، ففي موضوع تحويل حلبجة إلى محافظة لجأ إلى البرلمان الاتحادي بدلاً من لجوئه إلى برلمان كردستان وهذا هو الخطأ بعينه لأن الجانب الإداري القانوني في هيكلية الاقليم الفيدرالي يعود لسلطات الاقليم ذاته وشكل علاقة الإقليم - بكل محافظاته الادارية - بالمركز يكون من خلال القوانين الفيدرالية التي تنظم هذه العلاقة، فإذا فالمسألة ليست خلاف سياسي راهن حول تفسير معين لمسالة إدارية أو مالية أو عقود نفطية أو اتفاق أو معاهدة أو ... الخ بل هي قضية وطن ألحق بدولة ناشئة له من السيادة الوطنية أرضاً وشعباً وثرواتاً كما للعراق العربي سيادته، وما يربطه بالعراق إلا عقد شراكة بموجب دستور اتحادي ينظم هذه الرابطة، وكل القضايا الخلافية مع بغداد مثل النفط والثروات الطبيعية وقضية تسليح البيشمركة ومسائل الحدود الادارية بخصوص الأجزاء المقتطعة من الوطن، مثل كركوك ومناطق أخرى ما هي إلا قضايا وطنية بامتياز وذات أبعاد تاريخية وجغرافية وسياسية ، قضايا وطنية كردستانية وليست وطنية عراقية ، كما يحلو للبعض أن يرددها على سبيل المزايدة السياسية، والسبب في هذا التوصيف هو أن العراق لم يكن وطناً للكورد في أي يوم منذ تأسيس الدولة العراقية ، وحتى هذا اليوم ، بل كان الجيش" الوطني" العراقي من ألد أعداء الشعب الكردي ولم يأل جهداً في حروبه الطويلة القذرة والغنية عن التوصيف، ضد الكورد أرضاً وشعباً ، وحينما كانت البيشمركة تقاتل الجيش العراقي، كانوا "عصاة ومتمردين" وكانوا يقاتلون جيشاً وطنياً عراقيا بالمفهوم العربي، علماً أن جيش العراق لم يكن في يوم من الأيام جيش وطن بل كان جيشاً للأنظمة ولم يخض معركة وطنية واحدة ولم يرد عدواناً عن العراق، بل غزا، ولم يقاتل عدواً حقيقياً للعراق، لا في فلسطين ولا في لبنان ولا على الجبهة السورية –الإسرائيلية، وبقيت القدس تنتظر جيش تحريرها بملايينه السبعة وما زالت تنتظر... ! لكنه حارب الكورد وقتل مئات الآلاف من المدنيين العزل وعبر عقود من الزمن، وابن الرمادي أو الأنبار أو البصرة أو كربلاء بمختلف انتماءاتهم الطائفية أو السياسية لم يدافعوا يوما عن شعب كردستان، بل لم ينظروا للكرد إلا أكثر من عدو، ولم ينظروا إلى كردستان إلا إسرائيل ثانية في جسد وطنهم العربي، فكيف لنا بالقبول أن تكون كركوك مسألة وطنية عراقية وعلى كل الشعب العراقي أن يكون له رأي فيها ؟ رأي من ؟ الذي حارب الكورد على مر عقود من الزمن ؟ ..رأي الذي شرد، وأحرق ... وغزا ... وكانت أموال الكورد غنائم حرب لهم في حملات الأنفال؟ رأي من استوطن، في كركوك وخانقين وزمار وسنجار.. ومندلي ..و قه ره ته به ... وقام بالاستيلاء على بيوت وممتلكات الكرد وسلبها ؟، إضافة إلى استلام المبالغ المالية الكبيرة مقابل البقاء والسكن في بيوت الكورد، أي وطن هذا هو شعبه ؟ وأية وطنيةٍ هذه ؟ ولهذا نجدهم مدافعين بحماس شديد عن" سيادة " الدولة العراقية ، فأية دولة هذه ؟ وأية سيادة؟ لا شك أن لديهم تعريف خاص وواحد للدولة ، فهي دولة الحزب الواحد، والقومية الواحدة ،والطائفة الواحدة، والثقافة العربية الواحدة،والمذهب الواحد،....دولة حروب الإبادة الجماعية في العهد السابق.. دولة الاستقواء بدولة اقليمية أجنبية لضرب شعبها ...دولة تعادي كل من يختلف مع ثوابت حكامها؟
لذا فالهوة كبيرة جداً بين الكورد من جهة وشركائهم في العراق الجديد من جهة أخرى، وما أفسدته العهود الطويلة لا يمكن إصلاحه بقرار سياسي آني،تكتيكي، أو بمشــروع حســن نية من طرف واحد، وما السياسات والمواقف الأخيرة لحكام العراق الجدد تجاه إقليم كردستان ما هي إلا امتداد طبيعي للذهنية العروبية التقليدية، فهي تنسى أو تتناسى أن الأمور تغيرت على الأرض وأن الإرادة الكردية كانت وما زالت محمية بقوات البيشمركة، وأن هذه القوة كانت وما زالت تشكل الضمانة الأساسية لصيانة الحق الكردي، فإذا كانت كردستان العراق جزءاً من العراق، والشعب الكردي جزء من الشعب العراقي فالبيشمركة التي قاتلت من أجل حرية هذا الشعب يجب أن تشكل النواة الأساسية لجيش هذا الشعب، وإذا كانت المعايير غير ذلك، فالأمور يجب وبالضرورة أن تسير باتجاه آخر، باتجاه تحدي القوى الإقليمية وإعلان الدولة المستقلة وفرض قوة أمر الواقع، وترك العراق العربي لأهله من الفرقاء المتناحرين سنةً وشيعة، ليتذكروا أن كردستان لم تكن جزءاً من العراق في أي يوم من الأيام رغم الإلحاق ألقسري الذي قام به الانكليز عام 1921 ،وأن شعب كردستان لن يتنازل عن مكتسبات نضالاته الطويلة، مهما حاول البعض بالإخلال بموازين القوى في الداخل والمراهنة على المرونة السياسية لدى القادة الكرد، أو على الموقف البراغماتي للولايات المتحدة في التعامل مع بعض مسائل الداخل العراقي أحياناً.
*عضو اللجنة السياسية لحزب يكيتي الكردي في سوريا
7/3/2014




