عشية جنيف2
عماد برهو
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن حتمية الحل السياسي للصراع الدموي في سوريا، هذا الحل السياسي الذي يحقق أهداف الثورة في الانتقال إلى نظام ديمقراطي تشاوري وينهي نزيف الدم السوري المستمر منذ قرابة ثلاث سنوات هو الحل الأمثل لهذا الصراع.
لكن، هل الحل السياسي للصراع العسكري في سورية ممكن؟ في ظل ارتفاع ضحايا هذه الحرب ضد الشعب السوري لأكثر من (120) ألف قتيل من المدنيين، إضافة لأكثر من ثلاث ملايين سوري بين نازح ولاجئ، وتدمير أكثر من 50% للبنى التحتية في سوريا.
وبعد تأجيل موعد تنظيمه لعدة مرات تقرر رسمياً عقد مؤتمر جنيف للسلام حول سوريا في 22 من كانون الثاني 2014 فما هي فرص نجاح هذا المؤتمر للتوصل إلى اتفاق ينهي الصراع الدموي القائم في سوريا؟ وما هي الآفاق بالنظر إلى المواقف المتباينة.
من جهتها، اعلنت الأمم المتحدة ان مؤتمر السلام الدولي حول سوريا المعروف باسم (جنيف 2) سيبدأ في 22 كانون الثاني/ يناير في بلدة مونترو السويسرية، وليس في جنيف -كما كان مقررا اصلا- بسبب عدم وجود فنادق شاغرة في جنيف.
وفي الوقت الذي يبدو فيه أن الرئيس الأسد لن يحضر شخصيا فعاليات مؤتمر (جنيف2)ولا شك، فإنه من المحتمل أن تنوب عنه في هذه المفاوضات لجنة تضم كلا من وزير الخارجية وليد المعلم ووزير المصالحة علي حيدر.
وتنقسم المعارضة السورية بخصوص المشاركة في مؤتمر جنيف. فبينما أبدى الائتلاف الوطني السوري المدعوم من الغرب ودول الخليج العربي استعداده للمشاركة في المفاوضات، أعلن الجيش السوري الحر مقاطعته لها.
وها هو المجلس الوطني السوري، وقبل أيام من اجتماع سيعقده الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، بخصوص اتخاذالمعارضة السورية قرارها بشأن المشاركة في مؤتمر (جنيف2) للسلام في سوريا،يقرر عدم المشاركة في اجتماع (جنيف2 ) المزمع عقده في 22 كانون الثاني الحالي لمناقشة حل الأزمة السورية، ويعتبر المجلس الوطني أحد مكونات المعارضة الرئيسية.
بدورها ستغيب المجموعات الإسلامية المقاتلة في سوريا عن مؤتمر جنيف 2 حيث إنها ترفض التفاوض مع النظام وترى في ذلك اعترافاً ضمنياً بأعمال العنف التي يرتكبها الأسد. كما أعلنت هذه المجموعات بأنها ستعتبر كل من يتوجه إلى سويسرا للمشاركة في مؤتمر جنيف شخصاً خائناً.
من جهة أخرى وضع رئيس الائتلاف الوطني السوري أحمد الجربا شروطاً للمشاركة في مؤتمر جنيف 2 حيث ربط إمكانية مشاركة إيران في المؤتمر بتقديم وعد منها بعدم التدخل في الصراع السوري، كما طالب طهران بسحب مستشاريها العسكريين من سوريا.
وتسعى المعارضة السورية بالأساس إلى هدف واحد وهو تنحي الأسد، غير أن هذا المطلب صعب المنال فبسببه تأجل عقد مؤتمر السلام مراراً لأن المعارضة تحفظت على التفاوض مع ممثلي نظام الأسد.
وتهدف المعارضة إلى تشكيل حكومة انتقالية بدون الرئيس الأسد وأعوانه المشاركين في قمع الانتفاضة السورية. وينتظر مراقبون أن تتولى الحكومة تمهيد الطريق لانتخابات حرة وإصلاحات ديمقراطية. إضافة إلى ذلك يتعين عليها إدخال إصلاحات على جهازي المخابرات والجيش، لكي يصبحا "مستقبلاً في خدمة الشعب وليس النظام".
وبما يخص النظام في سوريا، وحلمه في البقاء في السلطة هو أكثر ما يسعى إليه الرئيس الأسد، الذي يعتبر نفسه الرئيس الشرعي لسوريا. وقد أعرب الأسد عن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها عام 2014. كما أعلن ممثل عن وزارة الخارجية السورية بأن " الوفد السوري الرسمي لن يتوجه لجنيف من أجل التنازل عن السلطة"، وأن مطالبة الغرب والمعارضة السورية بتنحي الأسد "مسألة لا تقبل النقاش". علاوة على ذلك أكد النظام السوري عدم استعداده لتوقيع اتفاق مع من أسماهم "بالإرهابيين" ويقصد بذلك كل المتمردين ومؤيديهم.
كما أن قوات النظام تمكنت في الأشهر الأخيرة من استرجاع مناطق كانت خاضعة لسيطرة المتمردين، وهو ما يجعل الأسد يشعر بأنه في موقع قوة. كما إن موافقة الأسد على تدمير الأسلحة الكيميائية السورية حولت صورته في المجتمع الدولي من شخص غير مرغوب فيه إلى طرف أساسي في عملية التفاوض. ومن المتوقع أن يقترح الأسد احتواء أطراف من المعارضة في حكومته.
كوردياً، من جهة، انضمام المجلس الوطني الكوردي بـ (11) عضواً، وانتخاب الدكتور عبد الحكيم بشار، سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا (البارتي) نائباً لرئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض، ومشاركته الأكيدة مع وفد المعارضة السورية كجزء أساسي منها- في حال عقد المؤتمر- وكان حاضراً في مؤتمر قرطبة الأخير لأطياف للمعارضة السورية.
ومن جهة ثانية، بقاء (مجلس شعب غرب كوردستان) خارج العملية السياسية، وجرى استبعاد ممثله في مؤتمر قرطية، لأن حزب الاتحاد الديمقراطي وهيئة التنسيق يعملان لصالح النظام ولايمكن القبول بهما في مؤتمر خاص بالمعارضة، والموقف السابق للائتلاف الوطني، واعتباره حزب الاتحاد الديمقراطي معادياً للثورة السورية، بوقوفه مع النظام وضد المعارضة.
ضمن هذه الأجواء المشحونة بين طرفي الصراع في سوريا، ليس من المرجح التوصل إلى حل شامل للأزمة السورية في مؤتمر جنيف 2- في حال لم يجري تأجيله مرة أخرى- وإعلان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري عن تخوفه من عدم نجاح مؤتمر جنيف 2. فهو يرى فيه " فرصة جيدة" لإيجاد مخرج من الأزمة الدامية في سوريا، لكنه يحذر في نفس الوقت من صعوبة تحقيق ذلك. وقال بهذا الخصوص:" نحن ندرك وجود عقبات كثيرة في طريق الحل السياسي".
كذلك، بسبب الاختلاف الكبير في وجهات النظر بين أطراف النزاع. ويذهب الكثير إلى حد اعتبار المؤتمر مجرد إضاعة للوقت. فالسبيل الوحيد لتجاوز الأزمة السورية في رأيهم يكمن في "ايجاد مرحلة انتقالية يتخلى فيها الأسد عن السلطة لتشكيل حكومة جديدة بعيدة عن حزب البعث وأجهزة الاستخبارات". وبأن النظام فقد مصداقيته وشرعيته. غير أن نظام الأسد يرفض كل فكرة مرتبطة بالتنحي عن السلطة.




