إدراج اللغة الروسية إلى التعليم في سوريا "حل" أم "سياسة و تملق"

ريبورتاج: عماد برهو
اتخذت وزارة التربية السورية قرارا بإدراج اللغة الروسية في المناهج التعليمية اعتبارا من السنة المقبلة إلى جانب اللغة الإنجليزية، على أن يتم الاختيار بينها وبين الفرنسية كلغة أجنبية ثانية، في خطوة عدها معارضون سوريون بمثابة "تملق" من قبل النظام السوري ورسالة روسية إلى الغرب.
ويأتي قرار وزارة التربية السورية بعد أقل من ثلاثة أسابيع على إصدار منظمة "اليونيسيف" التابعة للأمم المتحدة، والتي تعنى بشؤون الطفولة، تقريرا بعنوان "توقف التعليم في سوريا"، أفادت فيه بتدهور مستوى تعليم الأطفال السوريين، ووصفته بأنه "الأسوأ والأسرع في تاريخ المنطقة".
وأشارت "اليونيسيف"، في تقريرها الصادر منتصف الشهر الماضي، إلى أنه منذ اندلاع أزمة سوريا اضطر ما يقرب من ثلاثة ملايين طفل من سوريا إلى التوقف عن التعليم بسبب القتال الذي دمر فصولهم الدراسية، وتركهم في حالة رعب، واضطرت كثير من أسرهم إلى الفرار إلى خارج البلاد.
وتدرس المدارس السورية اللغة الإنجليزية إلى جانب اللغة العربية التي تعد اللغة الرسمية في البلاد منذ الصف الأول الابتدائي، بينما تدرس اللغة الفرنسية إلى جانب هاتين اللغتين اعتبارا من الصف السابع.
وبحسب تقرير أعده المركز السوري لبحوث السياسات العام الماضي، "لم يلتحق من بين خمسة ملايين تلميذ و365 ألف مدرس وموظف بالدراسة لعام 2012 سوى 22.8 في المائة منهم، ومن بين 22 ألف مدرسة في سوريا تم تدمير 2362 مدرسة بشكل كلي أو جزئي غالبيتها تقع في المناطق التي تشهد عمليات عسكرية وبكلفة تقارب 5.7 مليار ليرة سوريا".
وللتوقف عند هذه المسألة، لمعرفة ماهية هذه الخطوة، استطلعنا آراء بعض المهتمين من الصحفيين والكتاب والمدرسين والحقوقيين، الذين أدلوا بآرائهم لما وصلت إليه العملية التعليمية في سورية، وفيما يلي تلك الآراء:
تملق وتلاعب على حساب دماء الشعب السوري
بدوره، قال (كوهدرز تملا) عضو هيئة المتابعة في حركة الشباب الكورد "إنها تملق وتلاعب من قبل نظام بشار الأسد وتقارب من حليفه الروسي على حساب دماء الشعب السوري، التي تراق منذ سنين ثلاث ، وإدخال للسياسية في التربية والتعليم حشراً دون النظر في الواقع والمصلحة الوطنية . مضيفاً، "أن أكثر من نصف طلبة سوريا تركوا جامعاتهم و مدارسهم في ظل الحرب الدائرة رحاها ، وقرارات حكومة نظام -على شفا هاوية- لن يكون لها أي صدى، أو تنفيذ كما قراره بإعلان محافظات جديدة قبل عام، ومنها (قامشلو) التي لم تنفذ إلى الآن" . إنه مجرد عرض ومحاولة إيحاء بأن النظام مازال مسيطراً على البلاد وقادراً على إدارة أموره من كافة النواحي و منها التعليمية .
النظام بدأ يحتل المدارس ويجعل منها مقرات للجيش والشبيحة
أما فدوى كيلاني (شاعرة وكاتبة)، بكالوريوس لغة عربية -دبلوم في التربية، والتي استبعدت عن سلك التعليم لأسباب سياسية عام 1995، فترى بأن "واقع التربية والتعليم في سوريا يزداد سوءاً منذ السنة الأولى للثورة السورية، وذلك لأن النظام الدموي في سوريا مارس العنف ضد المواطنين السوريين، ولم ينج الأطفال من دوامة العنف ولا سيما أنه بدأ بقصف المدارس حيث ذهب ضحية ذلك تلاميذ وطلاب المدارس والجامعات مع الأسرة التعليمية، كما أنه تم اعتقال المدرسين والمعلمين بالإضافة إلى طلاب المدارس، وإن الأسوء من كل ذلك هو أن النظام بدأ يحتل المدارس ويجعل منها مقرات للجيش والشبيحة، ينطلقون منها لمواصلة عمليات القتل بحق المواطنين، كما أنهم جعلوها سجوناً ومعتقلات لأبناء الوطن السوري . ولهذا فإن حوالي مليوني طفل سوري هم الآن خارج المدارس، بل إنهم مشردون إما لدول الجوار أو أنهم يعيشون ضمن الوطن حالة الرعب، بالإضافة إلى أنه تم قتل آلاف الأطفال ومنهم طلاب المدارس والقرار الأخير الذي أعلنه وزير التربية السوري (هوزان الوز) بإدراج اللغة الروسية هو امتداد للقرار السياسي للنظام و- رد الجميل-لأنه مده خلال الفترة التي تقارب الثلاث سنوات بالسلاح والعتاد والخبراء العسكريين، وما تم هو مجرد"رد" لذلك الدين، ولا بد من الاعتراف أن حالة التعليم في سوريا خلال العام الجديد قد بلغت أسوأ حال، والغريب أن العالم كله صامت ساكت، وفي هذا تآمر على العلم والتعليم والتربية كما هي مؤامرة على السوريين جميعا.
"من الطبيعي" أن الدولة التي دعمت النظام أن تكون لغتها هي لغة المدارس
من جانبه، الصحفي والكاتب الكوردي السوري آلجي حسين، يذكرنا بالفترة التي كانت العلاقات السورية – التركية "مثلاً" تمر في شهر العسل، كانت الدراما السورية التي تصور الأتراك على أنهم محتلون قد غيّرت نهجها واعبترتهم فاتحين "الفتوحات العثمانية"، وكذلك لم نسمع وقتها عن أي مطالبة بلواء اسكندرون المحتل من الجانب التركي، فالنظامان كانا في غفلة من المناوشات السياسية، هذا ما لاحظناه على اللافتات السياحة التي توسطت وسط دمشق وغيرها "تركيا جنة العالم"، الأمر نفسه ينطبق الآن على العلاقات السورية – الروسية، فمن الطبيعي أن الدولة التي دعمت النظام السوري بكل ما يلزم أن تكون لغتها هي لغة المدارس. أما فيما يتعلق بتأثير هذا الإجراء على التلاميذ، فهذا جهد إضافي عليهم، وهم بكل الأحوال ضحية النظام، كما كانوا من قبل، فالحروب يخوضها الكبار ويدفع ثمنها الصغار كما يُقال، فالمرحلة صعبة إذاً، واللغة الروسية هي في نهاية المطاف تنفيذ لأجندات سياسية سابقة بين الدولتين السورية والروسية، في وطن لم يعد أحدنا يعرف ماذا يفعل رأس النظام فيه وكيف يرضي الأطراف الدولية التي تدعمه.
إدراج اللغة الروسية هي جزء من مصالح الروسي في سوريا
أما سالي علي (اتحاد الصحفيين الكورد السوريين) فترى أن " سورية ليست معصومة من الأخطاء فحسب، بل و إنما وقعت فريسة سهلة أمام روسيا لتعزيز وتأييد الدعاية للحكومة روسيا أمام مجتمعهم، وقد مرت على مراحل عدة، وبالطبع دون محاولة لانتقاد احد من شخصيات المعارضة السورية، رغم أخطاءهم الإستراتيجية الفادحة، و كما أن نتائجها ظهرت و ستظهر في المستقبل المنشود لسوريا، كان نصيب لغتهم إلى جانب لغة الأم و اعتبارها اللغة الرسمية الثانية في البلد، والبقاء في دوامة الشعارات المتناثرة من هنا وهناك، ويمكننا القول إن أسلوبهم لا يختلف عن أسلوب النظام القائم أو الأحزاب العربية التقليدية، ذات منبع ثقافي واحد، كما أن فشلهم في الحصول على الأهداف السياسية ( سببه )، و عدم وجود مناورة السياسية تعتمد على التنظيم، وأعتقد أن إدراج اللغة الروسية هي جزء من مصالح الروسي في سوريا . و وجدنا ان مزيج ثقافتهم ضمن الثقافة السورية للحصول على أهداف المرسومة له، كما الإعلام السوري أصبحت في قبضت إعلام روسيا وكما استخدامهم المعارضة السورية في أهدافه . حيث المصالح الروسية هي ذات طبيعة سياسية إستراتيجية وعسكرية واقتصادية في جوهرها. انهيار العملية التعليمية في سورية بعد سيطرة (داعش) والأحزاب والمليشيات الطائفية.
انهيار العملية التعليمية في سورية بعد سيطرة (داعش) والأحزاب والمليشيات الطائفية
ويؤكد الكاتب أمين عثمان: "ان ما يقرب من ثلاثة ملايين طفل سوري، اضطر للتوقف عن التعليم بسبب القتال الذي دمر فصولهم الدراسية، وتركهم في حال رعب، واضطر العديد من أسرهم إلى الفرار إلى خارج البلاد". إذ دمرت آلاف المدارس، وقتل المعلمون والتلاميذ على حد سواء، بالإضافة إلى انقطاع التمويل عن قطاعي الصحة والتعليم في المناطق المحاصرة، وتأثير الوضع الاقتصادي المتأزم على جميع مستويات التعليم في البلاد. وتدهور وضع التعليم في سورية ما بعد الثورة، وقلت نسبة المشاركين في منظومة التعليم، كذلك قلة نسبة الدعم الحكومي لهذا القطاع. ونظراً لتلك الأسباب توقف العديد من الأطفال السوريين عن الدراسة، وبدأ واقع التعليم في سورية ينحدر تدريجياً بعد حرب السنوات الثلاث والحصار الذي عانى منه السوريون، مما اضطر الكثير من العائلات أن تشعر بالخوف من ارسال أولادهم الى المدارس، ما دفع الكثير من الطلاب السوريين إلى التسرب من المدارس والجامعات.
وأضاف: كما زاد الأمر سوءاً بعد دخول الحركات الدينية التكفيرية وعمليات الاختطاف، وتسبب ذلك في تدمير 60% من المنشآت التعليمية في سورية، بل وانهيار العملية التعليمية في سورية بعد سيطرة (داعش) وسيطرة الأحزاب والمليشيات الطائفية على مسار العملية التعليمية في سورية، وكان من نتاج ذلك ضياع مستقبل جيل كامل من المجتمع السوري . وزاد في الأمر، عندما تم التخطيط إلى تغيير المناهج الدراسية بشكل طائفي، فقد سعت المعارضة السورية - بالتعاون مع بعض الدول العربية - إلى تغيير المناهج التعليمية في سورية، ورصدت مبالغ مليونية من الدولارات تعمل على تغيير هذه المناهج، وبالفعل تم تغيير الكثير من المناهج الدراسية في سورية، وحذف الكثير، وتم إدخال الكثير من الأفكار المتطرفة عن الدين في هذه المناهج.
إدخال اللغة الروسية ونشر الكوردية.. خطوات سياسية تستهدف إرضاء أطراف معينة..
اختين اسعد، كاتب وصحفي، يرى بأن التعليم في سورية اختلف الآن عما كان عليه قبل ثلاث سنوات- أي قبل الثورة السورية- فقد تراجع التعليم بكل مراحله، ففي المرحلة الابتدائية والتي هي بأمس الحاجة الآن الى تربية الوعي لدى الطفل وايجاد الانتماء لديه فكل هذا مفقود الآن، فقد انقسم الطلبة في هذه المرحلة بين نازح ولاجئ في احدى الدول المجاورة ، وبالتالي تكون فرصة تعليمه تضاءلت اكثر، او يكون طالبا في منطقة محاصرة ،أي الذهاب للعلم من عدمه عنده وعند اهله غير مهم وليست في الاولويات .
وأضاف: اما بخصوص ادخال اللغة الروسية الى التعليم في سورية ونشر اللغة الكوردية بإنشاء معاهد لها في الجامعات السورية، فأنا أرى أنها مجرد خطوات سياسية من النظام يستهدف بها إرضاء أطراف، فمتى كانت دول العالم تهتم بالروسية، إلا ان اهتمام النظام السوري هو بند في معادلته السياسية، أو ان يظهر بمنظر المنفتح على أطياف الشعب، هذا بالنسبة للكورد طبعا، ومثل هذه القرارت تبقى حبيسة الادراج لتخرج في وقت يقدم النفع لصاحبها، وليس من الواقع بشيء ان نهلل لهذه القرارات فهي مجرد بنود في قرار يمكن سحبها وشطبها متى ما ارد النظام .
التعليم في سورية مسيّس ومرتبط بعلاقات النظام
أما الصحفي قهرمان عبدالله، فيرى "أنه من الناحية التعليمية لا مشكلة في إدراج أية لغة في المناهج كون تعلم اللغات يعود بالفائدة على الطالب ويساعده على التعرف على ثقافات الشعوب الأخرى لكن للأسف في حالتنا السورية نرى ان التعليم مسيّس ويتم دائما ربطه بعلاقة النظام مع الدول الاخرى".
وقال: "إدراج اللغة الروسية باعتقادي ماهو إلا مجاملة لروسيا التي دعمت النظام سياسياً وعسكرياً في الأزمة التي يمر بها منذ قرابة ثلاث سنوات، ثم ان معظم المدارس في سوريا تحولت الى رماد والتي بقي منها تحولت الى مآوى للاجئين، وعلى النظام ان يفكر كيف يعيد تلك المدارس الى سابق عهدها بدلا من زج السياسة في التعليم"، مضيفاً "اللغة الروسية هي لغة جميلة وعريقة لكن حبذا لو تم ادراجها في المناهج بعد إعادة أكثر من ثلاثة ملايين طفل سوري الى مدارسهم بعد ان حرمتهم الحرب منها".
في ظل قيام روسيا بإجلاء رعاياها.. تقوم الحكومة السورية بجلب مدرسات روسيات للتدريس فس سوريا
يؤكد الناشط الكردي المحامي عمران منصور "أن النظام في سورية يعيش حالة تخبط في اصدار القرارات وفق سياسة إرضاء الأطراف الدولية والاقليمية، ومن بينها اصدار قرار من وزارة التربية بادارج اللغة الروسية الى جانب الفرنسية كمادة اختيارية في المرحلة الاعدادية".
وأضاف: "انها خطوة رمزية الغاية منها ارضاء الحكومة الروسية واظهار التضامن المعنوي لهم، ومن جهة اخرى ليس لها اي معنى او فائدة للسلك التعليمي السوري خاصة ان اللغة الروسية ليس لها تاثر على الحياة التعليمية والاجتماعية في سوريا، ففي ظل الحرب الدائرة في قيام روسيا باجلاء رعايها بالسفن والطائرات تقوم الحكومة السوريا باصدار قرارات بجلب مدرسات روسيات للتدريس في سورية، وهو الامر الذي يُظهر بشكل جلي مدى انفصام النظام عن الواقع الدولي والسوري".




