المشهد السياسي الكوردي في غربي كوردستان خلال عام 2013
عماد برهو
كورد غربي كوردستان في عام 2013، اختلفوا وتوحدوا، تباعدوا والتقوا، لكنه عامٌ طغى فيه مشروع "غرب كوردستان" اسم يحمل في ثناياه نوايا قومية، وضع كورد سوريا في حيرة حول شكله وانتمائه وارتباطه بسوريا المستقبل. فبين نموذج ناجح لأبناء جلدتهم في إقليم كوردستان العراق، المستقل ذاتياً، وحلم عبد الله أوجلان بكوردستان الكبرى، تنقسم القوى السياسية الكوردية في سوريا، لا بل تتنافر إزاء انفراد حزب الاتحاد الديمقراطي الكوردي(PYD) بالمشروع القومي الكوردي، ومعها الشارع الكوردي.
مشروع بغض النظر عن شكله ولونه، يضع كورد سوريا في مواجهة المناهضين له من الدول والتنظيمات، ما يفتح الباب على مصراعيه بحدوث صراع دموي، بدأت ملامحه على الأرض في جبهات فتحت هنا وهناك على حدود المناطق ذات الغالبية الكوردية، بل تجاوزتها أحياناً، ورافق هذا الاقتتال موجات لجوء وتهجير واعتقال واقتتال.
يعتبر عام 2013 أكثر أعوام الثورة السورية الثلاث نشاطاً على الساحة الكوردية، من جهة ما احتوته من أحداث ومنعطفات كان لها تأثير مفصلي على ما آلت إليه الأوضاع في الوقت الراهن.. لعل أهمها عدم قدرةالمجلسين الكورديين (المجلس الوطني الكوردي، مجلس الشعب لغربي كوردستان)طرفي اتفاقية هولير، وتفعيل "الهيئة الكوردية العليا" المنبثقة عنها، واستمرار "استفراد" و "استئثار" أحد طرفي الاتفاق على القرار الكوردي في غربي كوردستان، ما استدام على المشهد السياسي الكوردي من تخبط وعدم استقرار.فقد مرت أحداث كثيرة لترسخ بها الصراع والاختلاف بين المجلسين الكورديين، ومنها عدم تفعيل اللجنة التخصصية ( العسكرية )، واختصارها على تشكيل قوات الحماية الشعبية (YPG)، والتي تتبع لحزب الاتحاد الديمقراطي الكوردي، وإدارة المدن الكوردية شراكة دون تفرد، وكذلك معبر سميالكا الحدودي الذي فتح بغرض التجارة وتسهيل إيصال المواد الإغاثية والغذائية .. إلا أن (مجلس الشعب لغربي كوردستان) أغلق المعبر بقرار "منفرد" من قبله دون الرجوع إلى (المجلس الوطني الكوردي) شريكه في اتفاقية هولير.
وهكذا، يمر الوضع الكوردي بعدها بفترة "هدوء" تنذر بقدوم عاصفة قوية بدأت بوادرها تظهر على الساحة الكوردية، خاصة بعد اتهامات صادرة من أحزاب المجلس الكوردي لقوات الـ" PYD" باغتيال ثلاثة من أبناء قرية (تل غزال) في كوباني بتهمة الحشيش، بالتزامن مع اعتقال ثلاث نشطاء أخرين في بلدة (عامودا) بالتهمة ذاتها، الأمر الذي أثار غضب وسخط أهالي المدينة، مما دفعهم في اعتصام جماهيري، استمر لـ "سبعة" أيام، انتهى بما عرف بـ "الخميس الدامي" و "جريمة عامودا" في 27 حزيران 2013، حينما أقدمت قوات الأسايش بالهجوم على الاعتصام السلمي بالرشاشات والدوشكا سقط على إثرها 7 شهداء وعشرات الجرحى، واعتقلوا كذلك أكثر من مئة ناشط سياسي لتتراجع حدة التظاهرات والحرك الثوري عامة.
استمرارالضغط من قبل قوات الحماية الشعبية (منع الحراك الشبابي من الخروج في المظاهرات، اعتقال الناشطين وتعذيبهم،..) زاد من حالة الاحتقان في الشارع الكوردي، وبدت بوادر الاقتتال (الكوردي- الكوردي) تلوح في الأفق، سارع على أثرها حزب الاتحاد الديمقراطي، عبر قوات الحماية الشعبية (YPG) بفتح جبهة عسكرية مع الفصائل الإسلامية، التي كانت قد سيطرت على رأس العين بموجب اتفاق بين الطرفين، في محاولة منها لـ "إلهاء" الكورد، وإثارة شعور القومية لديهم، إلا ان الأمر انعكس سلباً، فاتسعت دائرة المواجهات بين الـ (YPG) والكتائب الاسلامية لتشمل أغلب المناطق الكوردية، مما تسبب بقتل العشرات من المدنيين، وتهجير المواطنين الكورد من بيوتهم في هذه المدن والبلدات والقرى التي تدور فيها هذه المعارك، و دفعت عشرات الألاف من أبناء شعبنا الكوردي في غربي كوردستان إلى اللجوء إلى إقليم كوردستان العراق، خشية امتداد المعارك أكثر في العمق الكوردي، إضافة لسوء الأوضاع المعيشية، والحصار "المزدوج" المفروض على المناطق الكوردية في عفرين وكوباني...
اصرارحزب الاتحاد الديمقراطي الكوردي(PYD) على مواقفه، دفعت أحزاب المجلس الوطني الكوردي (الطرف المقابل) من اتفاقية هولير إلى تقوية أوراقهم السياسية، وشكل ائتلافاً سياسياً بين أربعة من أحزاب المجلس الوطني الكوردي (البارتي، يكيتي، آزادي بفصيليه)، سمي بـ "الاتحاد السياسي الديمقراطي في سوريا"، كما انضم المجلس الكوردي إلى الائتلاف الوطني المعارض بـ (11) عضواً، الأمر الذي دفع حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بالرد على هذه الخطوة بإعلان مشروع "الإدارة الذاتية المرحلية" بشكل منفرد، دون مشاركة معظم أحزاب المجلس الوطني الكوردي، وباقي المكونات من (العرب والكلدان والآشور والأرمن..) في هذا المشروع، والذي لا يلبي "بالمطلق" طموحات الشعب الكوردي في غربي كوردستان، تحت حجة غياب (السلطة والنظام) في المنطقة، ووجود "فراغ" إداري وأمني، وتنتفي منه أي صيغة سياسية أو جغرافية،وتم استفراغه من مضمونه "الشعبوي" الكوردي، وكأنها ستكون إدارة "بالإنابة"،بينما رؤية غالبية الحركة السياسية الكوردية، ممثلة بالمجلس الوطني الكوردي، ترى بأن القضية الكوردي في سوريا، هي قضية (أرض وشعب)، وأن "الفيدرالية" هي صيغة الحل في سوريا، ومطلب الشعب الكوردي، بينما هذه "الإدارة المرحلية" تجسد وجهة هيئة التنسيق الوطنية- وحزب الاتحاد الديمقراطي جزء منه- والتي ترى في القضية الكوردية "حق ثقافي" ضمن إطار الجمهورية العربية السورية.
وبالعودة للبدايات، كان مشروع "الإدارة الذاتية المرحلية" في البداية مشروع المجلسين الكورديين، وجرى مناقشته بين الطرفين، وإضافة وتعديل نقاط هامة فيه، إلا أن (مجلس غرب كوردستان) لم يلتزم بالتعديلات، وأعاد المشروع كما كان عليه في مسودته الأولى، الأمر الذي دفع بالمجلس الوطني الكوردي للإنسحاب منه، وبقاءه مشروعاً فردياً، يمثل حزب الاتحاد الديمقراطي.
هذا المشروع، لم يلقى الرفض من قبل النظام السوري (غض النظر)، الذي طالما أشاد بانجازت قوات الحماية الشعبية، ووصفهم بـ "القوات الوطنية"، ما كان له أثر بالغ على الأوضاع الميدانية وبالتحديد الكتائب الإسلامية، الذين رفضوا هذه الخطوة وعملت على فرض حصار على كوباني وعفرين وفتح جبهات قتال في مناطق الجزيرة ضد قوات الحماية الشعبية، إضافة لقيام تنظيم الدولة باعتقال العشرات من المدنيين الكورد..
تزامنت هذه الأحداث مع اشكالية حضور جنيف 2، وكيفية تمثيل الكورد فيه، وعليه وبعد جولات صالح مسلم وأعضاء المجلس الوطني الكوردي بين عواصم دول القرار،عقد اتفاق "هزيل" بين المجلسيين الكورديين برعاية رئيس إقليم كوردستان مسعود البارزاني، ومشاركة الوسيطين الكورديين (ليلى زانا وعثمان بايدمير) في مدينة هولير، سمي فيما بعد بـاتفاقية هولير 2، لم يلبي "الحد الأدنى" لطموح الشعب الكوردي، وشدة متابعته لما ستؤول إليه هذه الحوارات، لكن الذي نتج عن (هولير2) هو أنه:
- جرى الاتفاق على الذهاب لمؤتمر جنيف2 بورقة كوردية موحدة، سواءً كانوا بوفد كوردي مستقل، أم بوفدين مستقلين، أحدهم ضمن وفد المعارضة الوطنية (الائتلاف)، والثاني ضمن وفد النظام، عبر هيئة التنسيق الوطنية، وما تسمى (معارضة الداخل).
- فتح معبر (سيمالكا) الحدودي، والذي كان الأجدى ألا يدخل ضمن هذه الحوارات، وتستخدم كورقة ضغط فيها، لأنه مطلب إنساني قبل أن يكون مطلباً سياسياً، وبقاءه مغلقاً لحين كتابة هذه السطور .
- تشكيل لجنة لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين الكورد لدى الـ (PYD)، والذي سرعان ما أعلن من خلال جناحه العسكري (YPG) بأنه "لا وجود لمعتقلين سياسيين في سجون الأسايش"، ولم تعتقل قوات الأسايش أحداً بسبب آرائه ومواقفه السياسية، إنما اعتقلوا على خلفية علاقاتهم مع الإرهابيين وغيرها من الأعمال غير الشرعية، الأمر الذي لاق استهجاناً ونفوراً من قبل الشعب الكوردي.
وفور عودة الوفدين الكورديين لغربي كوردستان، بغية استكمال ما تم الاتفاق عليه في هولير، خاصة تشكيل لجنة لإطلاق سراح المعتقلين المعتقلين السياسيين الكورد لدى الـ (PYD)، والتوصل "لتوليفة" لاتفاق إزاء المشاركة في جنيف2، وإعادة النظر في مشروع "الإدارة المرحلية" وشكل وآلية الانضمام لقوات الحماية الشعبية، وربما "تشكيل قوات كوردية" تحت اسم آخر، وإعادة النظر في تفعيل اتفاقية (هولير1) ولجانها المنبثقة عنها، وعلى رأسها "الهيئة الكوردية العليا" وإلغاء "سطو" و "استئثار" (مجلس غربي كوردستان) عليها، وإعتماد معيار الشراكة الحقيقية في عملها.
كل هذه "الأحلام" و "الأمنيات" السعيدة، التي يحملها معه الوفدان الكورديان، كـ "هدية" للسنة الجديدة لأبناء شعبنا الكوردي في غربي كوردستان، ولكن بشرط السماح بإدخالها خشية أن لا يتهموا بـ "التجارة" الممنوعة، مما يستوجب التوقيف والعقاب.
وبذلك، يكون عام 2013 حافلاً بالأحداث الميدانية والسياسية للكورد، ومأساوية في الكثير منها، كما هو الحال عليه في باقي مدن وبلدات سوريا..




