ربيعٌ كوردي بانتظار ذوبان الثلج في هولير
عماد برهو
بعد مضي عام ونصف العام على توقيع المجلسين الكورديين اتفاقية هولير، والتي جاءت لإعادة ترتيب البيت الكوردي وتمتين الحياة الداخلية فيه، واستبعاد شبح "تكريد" الصراع والاقتتال الكوردي الكوردي، وحاجة ملحة في مرحلة تاريخية حساسة في سوريا المقبلة على تغييرات جذرية هامة، وفي المنطقة عموماً، وتؤدي في نهاية المطاف لتحقيق مطالب شعبنا الكوردي، وكان لها صداها الرائع في الشارع الكوردي حيث تلقفتها المظاهرات الحاشدة والحناجر في مدن وبلدات غربي كوردستان كافة، تهتف بأنّ "الهيئة الكوردية العليا تمثلني"، وتمثل إرادة الشعب الكوردي.وتكمن الأهمية الكبرى، بأنها جرت بإشراف ومباركة من سيادة الرئيس مسعود بارزاني رئيس إقليم كوردستان، حيث أعطاها طابعاً من الأمانوالرسمية، وتوقع الجميع بأن تلتزم كافة الأطراف بهذه الاتفاقية التاريخية، لكن مع الأسف الشديد، ومنذ اليوم الأول من توقيعها، لم تنفذ بنود هذه الاتفاقية على أرض الواقع، ونجد طرفي الهيئة الكوردية العليا يتحملون مسؤولية ما آلت إليها.
وجرى الإساءة لاتفاقية هولير من قبل أحد أطرافها- بدرجة أكبر- وبدل أن تكون السلطة والإدارة في المناطق الكوردية مناصفة بين طرفي الهيئة الكوردية العليا، استئثر هذا الطرف بالقرار الكوردي، وفرض سلطة الأمر الواقع، وبالتالي تعطيل دور الهيئة الكوردية العليا، والتي أثبتت فشلها بعد أشهر، وظهرت أصوات كوردية كثيرة بضرورة حلها بدل الاستمرار فيها تحت هيمنة ذاك الطرف المسيطر عليها، وتحويلها لـ "رهينة" يتخذ باسمها قراراته كافة، حتى باتت "حصانة طروادة" وحِملاً وبالاً على كاهل الموقعين على هذه اتفاقية، وعلى الشعب الكوردي بالدرجة الأولى، وضرورة التخلص منها سريعاً.
والطرف الآخر، وبعد تجربة ثلاث سنوات من عمر مجلسه الكوردي، وبالتزامن مع الثورة السورية، أثبت أنه لا يملك أي استراتيجية أو رؤية لكيفية العمل على الأرض، واكتفاءه بقيادة المرحلة وفق منظور سياسي بحت في ظل خروج أغلبية قياداته السياسية والحزبية إلى الخارج، وابتعد عن الإحساس بمعاناة الشعب الكوردي في غربي كوردستان، وبات يغرد "خارج السرب"، وعدم وجود حالة من التوافق بين أحزاب هذا المجلس، وانقسامه فيما بينه إلى كتلتين، أولى، تمثل كبرى تلك الأحزاب وتشكيلها لائتلاف فيما بينها سميت بـ "الاتحاد السياسي الديمقراطي"، ومحاولة فرض وجهة نظرها على باقي أحزاب المجلس، وثانية، تمثل أحزابا كوردية صغيرة ومتوسطة، ارتأت بعضها الوقوف بجانب الطرف الأكثر سيطرة على الهيئة الكوردية والعزف على وترها، وأحزابا أخرى فضلت رفض انضمام إلى الطرفين في محاولة لتشكيل قوى ثالثة.
المجلس الكوردي، ومن خلال خطابة السياسي الرسمي عبر وسائل الإعلام، والموجهة للرأي العام الكوردي، يشدد فيها على ضرورة العودة لاتفاقية هولير الموقعة بين المجلسين الكورديين في 11/6/2012، وبناءاً على تلك الوثيقة تم توقيع اتفاقية عرفت بـ "اتفاقية هولير"، وتمخضت عنها في 10/7/2012 هيئة سميت بـ "الهيئة الكوردية العليا"،كقاعدة وحجر الأساس للعمل الوطني الكوردي المشترك في غربي كوردستان، وأساسا للحوارات مع مجلس الشعب لغربي كوردستان، شريكه في هذه الاتفاقية، وكذلك دعا لتفعيل وتنشيط (الهيئة الكوردية العليا) المعطلة منذ أمد طويل.
وبالعودة للطرف الأكثر تحملاً ارتكاباً للأخطاء والإساءات بحق هذه الاتفاقية (مجلس الشعب) بغربي كوردستان، والذي تمادى في ارتكابه لممارسات لا تمت للأخوة الكوردية بشيء، وذهب به الأمر، بأن قام باعتقال واحتجار الكثير من الوفود الكوردية الرسمية بعد عودتها من مهامها في إقليم كوردستان، بحجج ومبررات واهية، وكل ذلك لأنها تمتلك سلطة الإشراف على المعابر الحدودية، وتمتلك للسلاح من خلال إنشاءه لقوات باتت تسمى بـ "قوات الحماية الشعبية"، هذه القوات التي وجهت فوهة بنادقها لصدور أخوتهم الكورد قبل توجيهها إلى النظام وأعداء الكورد، ومدينة (عامودا) وما جرى فيها خير مثال على ذلك. وتعريض أبناء شعبنا في المناطق الكوردية (سري كانيه وعفرين وكوباني، وتربة سبي..)، للقتل والتهجير والحصار من قبل النظام والجماعات الإسلامية المتطرفة، والدخول معها في قتال لا مبرر له، الأمر الذي أدى لموجة نزوح جماعية لسكان هذه المناطق إلى تركيا وإقليم كوردستان، وفرضت عليهم حالة اللجوء، وأبقت الذين فضلو البقاء على الخروج "حصاراً" خانقاً من قبل الطرفين المتقاتلين.
ومنذ أيام ليست بقليلة، يجتمع المجلسان الكورديان في غربي كوردستان (المجلس الوطني الكوردي، مجلس الشعب لغربي كوردستان)، في هولير برعاية مباشرة من الأخ مسعود بارزاني رئيس إقليم كوردستان العراق، وحضور الوسيطين الكورديين ليلى زانا وعثمان بايدمير، للوقوف عند المشاكل العالقة بين المجلسين الكورديين، والعمل على إزالتها، وتوحيد الخطاب والصف الكورديين قبل الاستحقاقات السورية القادمة.
وجرى الاستعانة بالوسيطين الكورديين، النائبة الكوردية ليلى زانا وعثمان بايدمير، رئيس بلدية (آمد) من قبل رئاسة إقليم كوردستان العراق (المشرف) المباشر على هذه الحوارات، نظراً لتحلي هاتين الشخصيتين الكورديتين بالاحترام والتقدير الكبيرين على مستوى كوردستان بأجزائها الأربعة.
ومرة أخرى، توجهت عيون وقلوب أبناء شعبنا الكوردي في غربي كوردستان نحو هولير (عاصمة إقليم كوردستان)، ولسان حالها ينادي بوحدة الصف الكوردي، وترتيب البيت الكوردي قبل أن تضيع الفرصة "التاريخية" أمام شعبنا الكوردي في غربي كوردستان، لنيل حقوقه المشروعة في سوريا المستقبل، وخاصة أننا على أعتاب استحقاقات كوردية وسورية قادمة في غاية الأهمية، لكنها في الوقت نفسه، لن تسمح لهذه الأحزاب "التفريط" بهذه الفرصة، وتتعهد بأن تسحب منه الشرعية الشعبية كما أعطته.
قلوب أبناء شعبنا الكوردي- قبل عيونها- متوجهة "بشغف" هذه الأيام نحو هولير، وكلها أمل في أن تسفر هذه الحوارات بالجديد باتجاه تمثيل إرادة الشعب الكوردي، وصنع ربيعه الجديد بعد شتاء طويل دام لعقود، لكن الأنباء الواردة من إقليم كوردستان، تقول بأن هناك بنود ونقاط جرى الاتفاق عليها بين المجلسين الكورديين، ومنها:
- توحيد الخطاب الكوردي في مؤتمر (جنيف 2)، وتقديم وثيقة سياسية واحدة حتى إذا ذهب الكورد في وفدين إلى المؤتمر، ومن يذهب إلى جنيف عليه تقديم هذه الوثيقة.
- إعادة فتح معبر (سيمالكا) الحدودي بعد إغلاقه بقرار "منفرد" من قبل مجلس الشعب لغربي كوردستان.
- الإفراج عن المعتقلين السياسيين الكورد لدى حزب الاتحاد الديمقراطي.
- تشكيل لجان "تحقيق" في الأحداث التي جرت في المدن الكوردية (عامودا وعفرين وكوباني).
- تشكيل لجنة لتفعيل الهيئة الكوردية العليا.
لكن من خلال متابعة هذه الحوارات الجارية، تبين بأن السلبية أكثر منها ايجابية، تطغى على هذه اجتماعات، خاصة أن مجلس الشعب لغربي كوردستان، يشترط قبل التوقيع النهائي للبنود السابقة المتفق عليها، الاعتراف بمشروع "الإدارة الذاتية الديمقراطي"، والذهاب إلى (جنيف2) عبر الهيئة الكوردية العليا، والاعتراف بوحدات حماية الشعب (YPG) كقوة عسكرية "وحيدة"، وتبني شهدائها، وأن ما يجري في غربي كوردستان ثورة.
من جانبه، يتمسك وفد المجلس الوطني الكوردي باتفاق هولير كمنطلق لأي اتفاق كونه يحتوي على الإدارة وتشكيل قوة عسكرية وتوزيع عادل للثروة والسلطة.
من جهتها، رئاسة إقليم كوردستان العراق- راعي الاتفاق- وعلى لسان الدكتور حميد دربندي مسؤول العلاقات الخارجية في ديوان رئاسة إقليم كوردستان أكد بأن المجلسين الكورديين توصلا إلى توافقات إزاء بعض النقاط الهامة، كما أكد على أن حكومة الإقليم لن توفر جهدا في سبيل تحقيق الوفاق بين المجلسين، والخروج بنتائج تلبي طموحات الشعب الكوردي في غرب كوردستان و توفير مستقبل أفضل لهم.مشيرا "أن الاجتماعات لا تزال مستمرة، وسيتم الإعلان عن نتائجها في بيان رسمي من قبل ديوان رئاسة الإقليم فور الانتهاء من تلك الاجتماعات".
إذا، هذه الحوارات بين المجلسين الكورديين تكتسب بالنسبة للشعب الكوردي في غربي كوردستان، الفرصة الأخيرة في التوصل إلى اتفاق هولير "جديد" يخرج اتفاقية الأولى من حالة اللا تطبيق إلى اتفاقية سهلة التطبيق على الأرض، وتكون بـ "تعديلاتها" تلبي تطلعات وآمال الشعب الكوردي في غربي كوردستان، وتفتح الطريق أمام ربيع كوردي يختبئ تحت جليد ثلج هولير.




