صحيفة أمريكية : صُعود كوردستان الكبرى

لقد كان لوضع الشعب الكوردي ( أكبر مجموعة عرقية في العالم لا يملكون وطننا)، مصدرا لعدم الاستقرار لعقود من الزمن في تركيا، العراق، إيران. و لكن مع بدء الحرب الأهلية في سورية، تصاعد ظهور ساحة جديدة فيما يتعلق بهذه المسألة، خاصة بعد إعلانحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) إنشاء " حكم ذاتي مؤقت " للمنطقة الكوردية في سورية. كان من الواضح تماما أن هذا لم يكن تدبيرا مؤقتا . كما أكد الإعلان ذاته من أن إنتخابات لتشكيل حكومة طويلة الأمد ستجرى قريبا.
سبب ذلك التطور عدم الإرتياح في العواصم المُجاورة. فبينما يبدو بأن الأسد قد اسقط أي محاولة لإستعادة السيطرة على المنطقة في شمال شرقي البلاد، على الأقل حتى يكون قادرا على قمع التمرد العربي السني الأكبر، الذي يسعى للإطاحة بحكومته، تشعر كل من أنقرة وبغداد بالقلق حول ما سيترتب عليه ولادة كيان سياسي كوردي جديد ومستقل بشكل أساسي لبلدانهم.
يبدو بأن القادة الأتراك حائرون على نحو متزايد بشأن كيفية التعامل مع القضية الكوردية . فقد شنت أنقرة صراعا مسلحا لعقود ضد الإنفصاليين في الداخل، بقيادة حزب العمال الكوردستاني . و قد كان المسؤولون الأتراك مستائين بشكل ملحوظ عندما استغلت القوات الكوردية في العراق قرار الولايات المتحدة بفرض منطقة حظر جوي فوق شمالي العراق في التسعينات، لإنشاء منطقة حكم ذاتي هناك.
لكن في السنوات القليلة الماضية، قامت حكومة رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان بجهود أكثر جدية لمعالجة المشاكل المحلية الكوردية في تركيا من خلال العملية السياسية عوضا عن مجرد استخدام القوة الغاشمة . وأصبحت علاقة أنقرة مع حكومة إقليم كوردستان في العراق أكثر تميزا وتعقيدا من قبل. في الواقع تستمر العلاقات الاقتصادية بين تركيا وكوردستان العراق في النمو بوتيرة سريعة جدا. بالنسبة للشركات التركية فإن كوردستان تُعتبر المنطقة الأكثر جذبا للإستثمارات، وخطوط أنابيب النفط بين شمال العراق وتركيا هي منفذ ضروري لإنتاج النفط في كوردستان . مُقومات الربح هي ذو منفعة متبادلة، فالعلاقة التجارية موجودة بشكل واضح. ولكن قد تكون الإعتبارات الأمنية أيضا هي التي تقود أنقرة لإتخاذ موقف أكثر مرونة تجاه حكومة إقليم كوردستان. مع تجدد العنف في مناطق أخرى من العراق، حتى يرى بعض الأتراك الآن، بأن منطقة هادئة، مستقرة تحكمها حكومة إقليم كوردستان ستكون كمنطقة عازلة ممكنة بين تركيا و" ما تبقى "من العراق حيث الفوضى.
في نفس الوقت، لا يشعر القادة الأتراك بالرضى من ظهور كيان سياسي كوردي واقعي آخر على الحدود مع بلادهم . حتى قبل الإعلان الرسمي عن الحكومة الذاتية المؤقتة للمنطقة الكوردية في سورية، فقد حذر المسؤولون في انقرة من أن مثل هذه الخطوة هي أمر غير مقبول. حيث أكد نائب رئيس الوزراء التركي "بولنت ارينج" من أن بلاده ملتزمة بوحدة الأراضي السورية، وأعلن صراحة من أن حكومته لن تتسامح مع إنشاء منطقة حكم ذاتي كوردية على الأراضي السورية. يخشى المسؤولون الأتراك على وجه الخصوص بذلك منذ فترة طويلة، من شأن هذا الكيان السوري أن يتحد مع أبناء جلدتهم في العراق في العراق لتشكيل كوردستان الكبرى، وسيصبح ذلك التطور دافعا سياسيا لا يقاوم للأقلية الكوردية في تركيا.
سياسة أنقرة بشأن القضية الكوردية تبدو متناقضة الآن، حتى مُضطربة قليلا. و لكن يحاول المسؤولون الاتراك على الأقل معالجة عودة ظهور القضية الكوردية كمصدر رئيسي للقلق في الشرق الأوسط.
من جهة أخرى فإن المسؤولين الأميركيين يبدون حائرين. هناك دلائل قليلة على وجود سياسة مُتماسكة، بالرغم من أدلة متزايدة على أن "القضية الكوردية " أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى ومن الممكن أن تكون عاملا مُدمرا . لا تزال واشنطن رسميا تدعم النظام في بغداد بإعتباره الحكومة الشرعية لجميع العراق، بالرغم من أن تلك الحكومة لا تمارس أي سلطة ذات مغزى على الشمال الكوردي . تُصرح إدارة أوباما بأنها تتقاسم مع أنقرة الإلتزام بوحدة و سيادة الأراضي السورية، حتى مع إنقسام البلاد والتوجه السريع للمنطقة الكوردية في شمال شرقي البلاد نحو الاستقلال الفعلي.
تشكل القضية الكوردية بإعتراف الجميع، مشكلة دبلوماسية شائكة لواشنطن. من دون شكل فإن السكان الكورد في العراق هم الفصيل الأكثر ديمقراطية، والموالي للغرب في هذا البلد المُضطرب. وبالرغم من أنه من المبكر جدا أن نقول بأن الكورد في سورية قد يحملون توجهات مشابهة. لكن الدول الموجودة في الشرق الأوسط تقلق كثيرا من النتائج المترتبة من امتداد الحكم الذاتي الكوردي، و واشنطن مُترددة في تجاهل أو حتى رفض اعتراضاتهم.
إن قادة الولايات المتحدة هم بحاجة إلى أن يسألوا أنفسهم ما إذا كانت السياسة القائمة التي تصرُعلى عراق موحد وسورية موحدة، تفتقرالآن إلى أي ربط مع الحقائق على أرض الواقع. إن إعطاء الإعتبار لإقامة علاقات مع دولة كوردستان المستقلة، والتي تتجاوز حدود العراق وسورية ستجعل مما لا شك فيه من حكومات سورية، العراق وتركيا غير سعيدة بالأمر. لكن أحد الإختبارات المُهمة في الحنكة السياسية هي الإقرار بالأمرعندما تصبح السياسة القائمة ضعيفة. يجب أن يبدأ قادة الولايات المتحدة على الأقل النظر فيما إذا كان ذلك الوقت قد حان فيما يتعلق بالقضية الكوردية.
المصدر: تيد جالين كاربنتير،موقع ذا ناشينال انتريست الأمريكي




