٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

الحدث قبل تشتت الذاكرة..

المصدر: KDP.info

 القسم الثاني

وليد حاج عبدالقادر: كاتب وناشط سياسي- دبي

 

أن تكون وجها معروفا في حزب معين ، تساهم في جميع أشكال نضاله شبه العلني ، تتواصل مع قطاعات وفئات المجتمع ، توزع جرائده وبياناته ، وبالتالي تقدّم مسؤوليه في الندوات واللقاءات الجماهيرية ، وتحضر الإجتماعات البينية واللقاءات مع الأحزاب الأخرى ووو : يطلب منك أن تتجاهل عضويتك الحزبية وتتشبث بالإنكار فيما إذا تعرضت لإستجواب أو تحقيق ما والحالة هذه ممكنة في الحالات الإعتيادية ، أما في موجات الإعتقالات وخاصة إذا ما كنت من النسق المفترض أن يشملك الإعتقال فهي أشبه بحالة النعامة حين تدفن رأسها في الرمال بينما كل جسمها ... حالة التبست الحركة الوطنية الكوردية التي ما حاولت مطلقا والتعرج على هكذا أنماط إن للمواجهة أو أقله تنبيه رفاقها واشكال الإستجوابات وآلية الإستعداد النفسي لمواجهتها كأقل تقدير ، سلسلة من الأسئلة والإستفهامات كانت رفيقة الذهن ومن ثم مآلات جلسات التحقيق التي كنت مقتنعا بأنها ستكون المفصل في الساعات القادمة لامحال .ومن هنا فقد كان لحظة دخولنا قبو فرع الأمن السياسي الجديد وإزالة الطماشات من على أعيننا وفك القيود ، خاطب رئيس الدورية المرافقة لنا من الحسكة العنصر المناوب في الفرع لإستلامنا وأوصاه بصوت عال بعزلنا نحن الإثنين ـ يقصدني أنا والسيد محمد بشير أبوكاوا ـ وأمامنا تمّ تسليم أماناتنا ومن جملتها علب الدخان وطلب أن يمنحنا كل واحد سيجارة وبالفعل نالها أبو كاوا وطلب مني الإنتظار حتى ينتهي وسألنا إن كنا جائعين ، فأجبنا نعم ، فقال أن الأكل هو على حسابنا ولدينا خيار واحد وهو صندويشات الفلافل ، فوافقنا ومن جديد أعاد لنا الطماشات وكل واحد بقيد منفصل وألقونا في ممر تحت الدرج وسط زعيق الذي يدفع بنا وهو يهددنا : إياكم وإياكم التكلّم مع بعض وطلب منّا الجلوس وسدّ الباب وسمعنا طقة مزلاج لربما لطاقة أو شباك وأنفاس كنّا نتلمسها تراقبنا و .. أذّن مؤذن جامع زين العابدين لصلاة العصر ، وبصراحة لاأعلم كم من الوقت مضى لابل والأصح القلق والخوف من المجهول ومنع الدخان وتقنين الحمام والأهم أنك لاتعلم كم واحد يتابعك أو يراقبك ، وأين هم رفاقنا الآخرين ، نعلم أن أمامنا منفردات وعلى يميننا أيضا ، عجبا !! ألا يستطيعون رؤيتنا .. لمحنا .. أن يهمسوا لنا بشيء !! هل سيتم نقلنا ؟ ولهذا لاأحد يحقق معنا ؟ .. همس على يميني حيث كان أبو كاوا بجانب باب نظارة وصوت ينادي : بشير بشير .. ألست بشير ومن عامودا ؟ لربما أجاب بشير بهزة من رأسه ولأسمع أنا الصوت بوضوح .. لا أحد في الطاقة بشير ؟ .. أزحت طماشة العين اليمنى وأنا أتطلع صوب بشير ومن ثم اليسار أتأمل الطاقة المفتوحة ودار همس ممزوج بخوف ومن طاقة قفل الباب المنزوع ، كان ذلك الشاب جار لهم من عامودا وقد عرفه وهو هنا منذ ثلاثة أيام بتهمة القيام بنشاط ما ـ لا أتذكره الآن ـ لصالح حزب العمال الكوردستاني و .. فجأة : ولا شو هلصوت ؟ تقدّم واحدهم وكنا قد عدنا الى طبيعتنا وجلستنا وهو يصرخ فينا ولكن لامن مجيب ؟ ليش ما تردوا ؟ ونحن طبيعي ألا نردّ لنوهمه لربما بأننا لسنا نحن المقصودين .. فتح الباب وأزاح الطماشات عن عيني وقدمه تسبقه رفسا وسألني لماذا لاترد ؟ قلت وما يدريني بأنني المقصود ؟ .. ليش عمال تحكوا ؟ .. مطلقا .. وأدار ظهره خارجا وهو ينوي إغلاق الباب فقلت له : ممكن حمام.. فأخذنا وطلبنا منه دخانا فقال بأنه لايدخّن ولكنه سيحاول أن يؤمنها لنا بعد قليل . وهذه ـ بعد قليل ـ صارت هاجسنا لابل وننتظرها على أحرّ من الجمر ، نسينا القيود والطماشات وما ينتظرنا أو لما نحن هكذا جالسون على الرغم من أن الصديق الآخر قد أوحى لنا بأنّهم سيحقّقون معنا عند بدء الدوام المسائي ، وطبيعي أن لاتأتي اللحظة ، لحظة السيجارة والتدخين إلا بعد دهر من الوقت خلناها سنين لولا القرب من جامع زين العابدين وصوت المؤذّن الذي كنا نعرفه قبلا . تقرقعت الأبواب ودبّت الحركة نشطة ومن جملتها باب الزنزانة خاصيتنا ومعه أقدام شخص ما تقدّمت ناحيتي فظننته يقصدني وتحسست مروره من أمامي ولينهض بشير ويزيح الطماشة من عينيه ويفك قيده ايضا ويصرخ فيها هيا تعال معي .. ذهب ببشير وأغلق الباب وصرت أركّز بكامل طاقة أحاسيسي عساي اسمع أو أتلمّس أي شيء .. بعد قليل وربما كثير من الزمن لاأدري فتح الباب وتقدّم أحدهم وأزال الطماشة من عيني وسألني فيما إذا كنت أريد الذهاب الى الحمام قلت لا ولكنني أريد سيجارة إذا أمكن ، إلا أنّه أنهضني بعنف وصار بي وسط دهاليز الممر المقطّع أوصاله ومالبث أن واجهني بباب غرفة صغيرة وليضع يده فجأة على فمي وأنا أصارع الهواجس متيقنا بأنّ حفل ترعيبهم سيبدأ ، ما أن سدّ فمي بيده حتى همس في أذني .. استمع فقط لتوّفر على نفسك حفلة التعذيب .. كان بشير يجلس وظهره لي ومحقق تبدو عليه سمات الكهولة يسأله وبصوت أسمعه بوضوح ثلاثة شهادات .. لا داعي أن تنكر هل نقابلك بهم ؟.. قل لي مع كم واحد من حزبك نفذتم الأمر ؟ .. أبدا أتحدى ، فقط أنا وأبو شيندا لوحدنا .. تقصد وليد ؟ .. نعم نعم لوحدنا نتحمّل المسؤولية ولارفاق لنا فقط أنا وهو ... وأعيد بي من دون حمام ولا دخان ولا أية شيء ومالبثوا أن أعادوا بشيرا وتوقعت أن يأخذوني .. طال الإنتظار .. أزحت الطماشة قليلا .. لا أحد في الطاقة .. سألت بشير : هل أنهوا التحقيق معك ؟ أجاب : لالا.. ولكن كلّ شيء مقرور عندهم ، هناك اعترافات وبالتفصيل عن يوم الإجتماع.. قاطعته أعرف أعرف وتمسّك فقط بما قلته أنا وأنت فقط ، ومن جديد أخذوه وليبدأ العداد من جديد والثواني تمضي وكأنها دهر وبالرغم من أنهم حرروني من القيد والطماشة وليتجرأ ذلك الموجود في الزنزانة التي بالصدر من عامودا خاصة وقد جلست وظهري مستند على بابها وفي مواجهة الطاقة واخذ يطمئنني وهو يقول : لطالما لاحفلة تعذيب فأموركم بخير وعلى العموم فهم حتى مع دارا تيرييز الذي كان في تلك الزنزانة مؤشرا على واحدة منها ، هم يدمّرون الواحد نفسيا فقط وبما أنّ الأمور الأساسية مكشوفة لديهم فلا حرج ، وأنا أقول فقط لقد تأخّر أبوكاوا ، وما دريت كم من الوقت قد مضى حتّى بعيد آذان العشاء بكثير وثقل تباطؤ الثواني عليّ أدخلوا بشير وليأخذوني ولكن بعد وضع الطماشة من جديد ولأدخل الى نفس الغرفة وتم تجليسي على كرسي وليخاطبني العجوز والذي تبين بأنّ اسمه هو أبو يوسف المحقق وبادرني : سمعت بأذنيك ؟ .. ومع هذا وحتى لا تدوّخنا وندوّخك .. فتح ملفّا وقال سأقرأ عليك اعترافات زملاءك وبدأ من / ع . أ/ وهو يشرح الأحداث التي تتالت حتى لحظة لصق وتوزيع المنشور بدءا من إعلامي له وبأدق التفاصيل والتي كانت ـ إعترافاته والصفقة التي تمّت معه ـ وبالتالي مواجهة الرفيقين دارا وأبوسربست بها بداية ـ كوني كنت معتقلا عند الأمن العسكري ـ وبالتالي مواجهة أبوكاوا بنفس الإقرار وبعد أن أنهى من قراءة التفاصيل المتعلقة بعمل لجنة القيادة المشتركة ضيّفني سيجارة وما كنت قد أنهيتها حتى دخل علينا أحدهم ورائحة الويسكي تسبقه وهو يفصفص حبات الهيل ومن آلية استقبال المحقق له ، عرفت بأنه ضابط وذي شأن في الفرع واستفسر عني ومن أكون ؟ فقال هذا فلان ومن جماعة الملصقات .. سأله وهل إعترف ؟ أجاب المحقق لا ولكن ياسيدي هناك خمسة اعترافات بحقّه والمجموعة التي هو منها .. فقال الضابط بعد وجبة مسبّات يأنف الآدمي حتى على نطقها وأردف : تصطفل تعترف ما تعترف أنت حر ، أغلق عينيه بالطماشة واساله واكتب مايشاء هو ان يقوله لطالما هناك اعترافات .. يكفيني اثنين لأؤدي به الى حبل المشنقة !! تظنونها ستنطلي علينا !! غاياتكم يا أولاد ال ... مكشوفة عندنا هي كوردستان الكبرى وسلخ ولصق .. أجبته يا سيدي من يطالب بالإنفصال من دولة لا يطالب ويتمسك بهوية تلك الدولة .. وتتشاطر يا ... أجبته المسالة ليست مشاطرة .. هاهم أهلنا بالجولان المحتل وبلاتشبيه فإسرائيل تعرض عليهم هويتها وهم يرفضونها ولاك وقاطعني بحدة ؟ أتشبّهنا بإسرائيل ؟ .. خذ إفادة هذا الإبليس وإن أنكر حولوه لعندي قال جولان قال .. وخرج من الغرفة .. صمت لثوان .. وبطبيعة الحال واستنادا الى التسلسل الزمني للإعتقال ـ وأؤكد بأنها لم تكن بطولة فردية مني ولا تقصيرا من همة وصمود المناضلين بشير ودارا وأبوسربست فإنني أجزم لو أنني سبقتهم لما تمنّعت أكثر منهم خاصة وأنّ القرار الحزبي هو أنّه لا مناص من تبني الدفاع عن حقّ المجردين مع نفي التحزّب والإنتماء التنظيمي وما ملكت إيماننا .. وبالفعل وأمام سيل الأسئلة كانت هناك قضايا تتصل بمبدأ الكرامة والحسّ الوطني والوفاء للرفاق ومن ثمّ صمود الرفيق بشير وإصراره قبلي على تبنيه وأنا المسؤولية الحزبية .. اصرّيت بأنني المسؤول الأوّل وأن الحزب بعد الإنشقاق لم يتبق سواي أنا وأبو كاوا وفقط لإثبات الوجود والدعاية السياسية وأننا قمنا نحن الإثنين بإلصاق المنشورات بذواتنا قاطعني وهو يهزهز برأسه .. مستحيل أن تكون قد قمت به أنت ؟ صفتك الحزبية المدوّنة عندنا .. قلت : بالعكس هكذا مهام من هم أمثالي يقومون بها / وأظن بأن السادة المحامين قد استخلصوا نسخ كاملة من التحقيقات التي عنتنا كلّنا وسلّمت منها نسخة الى القيادة المشتركة / وفي الأخير قرأ عليّ ما كتبه وطلب مني التوقيع .. أعادوني الى نفس الممر ولكن الى ماوراء الباب الذي في الصدر وما أن فتح الباب حتى كان الصديق محمد بشير وجاره العامودي بانتظاري .. أغلق الباب علينا وسط ظلام شبه دامس وبتّ أتأمّل القصر المنيف هذا وبيت الدرج وكامل هذا القبو الذي كان ذات يوم مديرية عامة لمؤسسة الحبوب .. زنزانة صغيرة عبارة عن بيت للدرج ـ تحت الدرج ـ بتواليت شبه مكشوف تفوح منه رائحة نتنة ولها طاقتين واحدة صوب الشارع العام الذي أعرفه بأدقّ تفاصيله والأخرى صوب الداخل ولا أدري كم من الوقت مضى علينا ونحن بين نوم وقلق وأفكار تذهب بنا الى كلّ الإتجاهات.. علمنا زميلنا بأنهم أخذوا الرفيق دارا تيريش أمس الى مكان ما وأن أبو سربست أيضا كان هنا ومثلهما مجموعات تأتي وتروح وهكذا ومع آذان الصباح يبدو أن النوم قد عرف طريقه الينا وليتمّ إيقاظنا وعنصر يطلب منّا فيما إذا كنّا نريد طعاما وحدّد لنا قائمة المسموحات وأنها تشترى لمرّة واحدة في اليوم وبالفعل حدّدنا قائمتنا وأخذنا ننتظر ...وما أتذكره عن ذلك اليوم هو أنّه كان يوم الخميس وكنت مدعوّا لحفلة عرس عبدو شكري الأومري بالقامشلي وعصر ذلك اليوم حيث مرّت قافلة السيارات وهي تهدر بأبواقها مخترقة هدوء الزنزانة الموقّرة والأيام تتالت بعدها الهوينى ونحن مرميين هكذا تفتح علينا الأبواب بحاجاتنا ونحن نرقب ثقبا صغيرا كان بقطر قطعة النقود المعدنية يتسرّب منه حزمة دائرية من شعاع الشمس فترسم دائرة لاتلبس أن تنحدر صوب الأسفل مع انحدار قرص الشمس وأخذنا نحدّد علاماتها وآذان العصر ، ما كان يذكّرنا تماما وآلية إسقاطات أشعة الشمس ومعبد أبو سمبل الفرعوني ، وهكذا كان قد مضى أكثر من تسعة أيام حينما فتحت الطاقة وطلب مني وبشير الإستعداد وفعلا صعدنا من جديد الى سيارة تويوتا وتوقعنا سفرة طويلة لولا انحراف السائق الى حيث الفرع القديم الذي كنت قد تشرّفت استدعاءا لها مرتين في السابق .. ما أن نزلنا من الدرج وبواجهة الباب هناك زنزانتان وليتواجه عيناي بعيني المناضل الراحل أبولورين ومعه شخص آخر عرفته فيما بعد المناضل الراحل محمد شريف أبو زيد .. والزنزانة الأخرى فيها شخص لا أعرفه .. ادخلوني بداية الى نظارة الراحلين وبقي أبو كاوا واقفا.. وبعجالة أعطاني الراحل أبولورين إيجازا سريعا عن الرفاق الموجودين وما كان قد أنهى الحديث حينما صاحوا فيّ من جديد ولأقف بجانب أبو كاوا وبالقرب من باب النظارة الكبيرة ومتاخم لباب النظارة الأخرى ولحظتها أخرجوا شخصا ليذهب الى الحمام وتطلّع فيّ وهو يقول : أنت أبو شيندا ؟ أجبت نعم .. قال : سلّم لي على دارا ويونس وقل لهما إذا ما طلب منهما التوقيع للخروج فليفعلا ذلك وعلى لساني أنا أبو دارا .. قلت له : أبو دارا هذه الأمورليست من اختصاصي حتى أنقل لهم هكذا تعليمات و ... أدخلونا بداية صالونا / ممرا بين الزنزانتين وكنت أعرف واحدة منها حيث أوقفت فيها مرّتين لساعات ولكنها لم تكن محوّطة كما هي عليه الآن أخذنا نتمشى الهوينى وما أن غاب العنصر وسدّ طاقة الباب حتى هجّ علينا الرفاق دارا وأبو سربست وآخرون لم نكن نعرفهم وكان الأهم عندنا وهذه اللحظات سحبة من الدخان وفاض كرمهم علينا بنعمة سحبتين من الحمراء الطويلة لكل واحد منّا ، وما كان المساء قد أسدل ستاره حتى استقدموا أبو لورين وأبو زيد وبعدها أبو دارا وزكي الحجي وليبدأ سلسبيل الذكريات وقصص التعذيب الوحشي الذي تعرّض لها رفاقنا والتي كانت آثارها لاتزال واضحة وبعنف على جسد المناضل زكي الحجي حيث كان قد تعرّض الى جولات وجولات من غزو الخيزرانات وبشكل همجي مارسته سادية مفعم بروح التشفي والإنتقام وبوحشية قلّ نظيرها وهي تفعل فعلها في تلك الأجساد الآدمية وما أن تتحطّم واحدة من الخيزرانات حت يؤخذ ثمنها من جيب المناضل المسبب لكسر الخيزرانة وهكذا كان علي مخلوف بنفسه وشخصه يمارس طقس نرجسيته البشعة دون وازع لضمير أو إحساس ، وكان الرفيقان أبو لورين وأبو زيد يتحمّلان ذلك والصديق زكي تورّمت يديه وأصابعه وبات يصعب عليه حتى مجرّد تحريكهما لابل ولايستطيع مسك اية شيء حتى تناول لقمة الأكل أو استخدام الحمّام بمفرده / وأستغرب صمته وعدم سرده لتلك الأحداث مع وجود ذاكرة خصبة لديه وقلم كان رائعا في تلك الأيام / .. وطبعا سردت علينا قصصا لصنوف متعددة من أشكال التعذيب الوحشي داخل تلك الزنزانات و .. بقينا هكذا ولربما لفترة تجاوزت 25 / 12 / 1992 عندما جاؤوا إلينا بحلاّق ليطيح بشعر رؤوسنا وعلمنا بأن هناك أمر سيستجد علينا وبعدها نودي علينا ولنوضع في سيارتي ستيشن ولكن مضافا إلينا الرفيق سليمان أوسو ولتنطلق بنا السيارات صوب دمشق وأذكر تماما شعوري والجملة التي قلتها ولنفسي والسيارة تصعد فينا دوار طلعة مطار قامشلو / وحده الله يعلم بعد كم سنة سنعود إليك ياقامشلو / ... وصارت فينا السيارات وبرعب حقيقي وأتذكر أن رئيس الدورية كان يكنى بأبو ربيع وبرفقتنا في نفس السيارة الرفيق سليمان وطبعا لامجال مطلقا للحديث وإن كانوا كرماء معنا بالدخان نسبيا وما أن وصلنا الضمير وتحديدا الى سكة القطار القديم وطلبنا قضاء الحاجة فتوقفت السيارة وأنزلونا وهنا أشهر رئيس الدورية مسدسه ولقمها وقال معي أمر بإطلاق الرصاص فورا على من يحاول الهروب مما ذكّرني فعلا وقول الضابط علي مخلوف لأحد العناصر المناوبة ذات يوم وهو يخرجنا بالتتالي الى الحمامات وحينما نزل من الدرج استوقفنا مع العنصر وهو يخاطبه : أين تأخذهم ؟ قال : الى الحمّام ؟ فقال له : وكيف تأخذهم هكذا .. عليك أن تشهر مسدسك وتلقّمه وتوجهه صوب رؤوسهم ومن ثم تقتادهم .. عليك أن تعلم وهم أيضا بأنهم مثل أسرى الحرب تماما .. وصاروا بنا في دمشق الى قيادة الشعبة السياسية ومن هناك الى فرع التحقيق بالفيحاء ، هذا الفرع الذي ما قلّ وإن لم يكن أكثر بشاعة من فرع فلسطين سوءا وقذارة وتعذيبا . وضعونا بعد الإستلام جميعا وبرفقة الرفيق سليمان في نظارة كبيرة وما أن انفردنا حتّى بدأت القبلات والسلامات و ... تلك الفترة الطويلة التي غيبنا فيها عن الدنيا وحيث أنه كان قد اعتقل قبل تسفيرنا ليوم أو يومين فقد كانت أخباره هامة وطازجة لابل وللحق كانت دفعة قوية جدا زادت من همة الشباب ، لعلها لحظات من الزهو التي لن ننساها جميعا وصدى اعتقالنا في الخارج وفي قلوب شعبنا والذي استطاع الرفيق سليمان أن يختصرها لنا بأسلوبه الرائع المتعارف عليه وأخذ يسرد أسماءنا واحدا واحدا والأقاصيص المسرّبة عنّا وكيف أنّ منظماتنا وأحزابنا هي بروح عالية وهي تستمد تلك الروح : من صمودكم ، أنتم أبطال حقيقيون ياشباب ومثار فخر لشعبكم بجميع قواه السياسية ، وصلتنا معلومات التعذيب الوحشي الذي مورس بحقّكم ونعلم ماذا حدث معكم المناضلين الثلاث موجها كلامه ل ـ زكي وأبو لورين وأبو زيد ـ وأنت العم أبو سربست ودارا تيريش نعلم من أوقع بكما ومثلكما وليد وبشير .. كنّا حقيقة بحاجة ماسة الى معرفة صدى اعتقالنا ومدى تقبّل أو تقدير شعبنا لهذا الأمر ولم ننم ليلتها مطلقا الى اللحظة التي نودي فيها علينا حيث أبقي الرفيق سليمان هناك وانطلقوا بنا الى مكان ما لم يلبث عناصر الدورية بعد أن عرفوا بأننا كورد وأننا نطالب بالجنسية السورية حتى تكرّموا علينا بالدخان ولعلّها المرّة الأولى منذ دهر ويحظى كلّ منّا بسيجارة تخصّه حتى أننا عاتبنا أصدقاءنا غير المدخنين لماذا لم يأخذوها .. السجارات...
    
سجن عدرا ومخاضات المحاكمات.

يتبع ..

 

 

 

 

 

 

أخبار ذات صلة