استعجلت الرحيل ؛ الى الذى لا انساه...!

هاوار كاكه يى
شاءت الأقدار أن أرتبط بالشخصية الفكرية والسياسية الكوردية فلك الدين كاكه يى باكثر من وشيجة وصلة، منها صلة الطفولة والقرابة والنضال ، وعلى مر الايام والسنين توطدت اواصر هذه الروابط بدءا من القرية و من ثم فىرحاب مدينة الذهب الاسود ، وانتهاء فى العاصمة أربيل .
التقيته فى بيته فى شباط عام 2013 م ،بناء على طلبه ورغبته ،وكان اللقاء الاخير (الوداع)على ما يبدو ؛اختزلنا من الزمن سويعات خاطفة ...اذ خضنا حوارات هادئه وعميقة تمحورت حول امور انية ساخنة واخرى هامة : قضينتا السياسية ، التأليف والمنفى والصحافة و التصوف والدولة المرتقبة .هموم لابد منها ونحن ملتقيان وجها لوجه وكنا مشتاقين لهذا اللقاء ،اشتياق الارض للمطر .
مضت عقارب الساعة بسرعة ، كم تمنينا أن تتوقف تلك العقارب عن الدوران ،ولكن هيهات وكلما مرت برهة حسبناها سرقة من محظوظيتنا وقدرنا وكأننا كنا فى اول المشوار او فى بادئه نرفض الختام ! احيانا كنا نشعر بالانهاك ورشفة شاى كان يسعفنا ويجدد فينا
التواصل ،جلستنا اتسمت بالاستثنائية واللهفة ورسم الكلمات وغبر الاغوار فى محيطات لا تنضب ولا نهاية لها ، بتنا نخطط ونبرمج حسب منهجية شفافة ومستساغة سهلة الهضم والافهام .
وقتئذن نسينا بأن ( الفلك ) دوار لاهل الفلك وصحبانه، ولا يؤتمن الدهر، وتناسينا صيحةغاليلو بان الارض تدور ،ها ان دواليب العصر دارت لكنها توقفت على تخوم (بيرمام ) المجد والبارزانى ، ويسير بنعش - فلكنا – الانسان والحب والنرجس الى مثواه الاخير محمولا على اكتاف مهندس حركتنا العمرانية والديبلوماسية نيجيرفان بارزانى ابن الثائر الجبلى كاكه ادريس وحفيد البارزانى الخالد قاهر الجبال والاعداء .
تجاوزنا الاتكيتات ،بت المس منه الصدق والجدية وفتح ملفات تهمنا اذ ترسم لشعبنا خارطة طريق مثلى...الماضى كان حاضرا بيننا
ولا حاجة لنبشه ،اما الآتى قيمناه بعبارة اخترته : ان اجمل الايام لم تأت بعد !
لا اخفى سرا ان حرارة اللقاء بدت تتصاعد درجتها كلما طال الحوار وتشعب ،ومما اثلج مهجتينا ولم نسلم منه ،دخول الطرافةو الظرافة والنكت على الخط ،والبسمات راحت ترتسم على محيينا رويدا رويدا وبلا استئذان.
صعقنى رحيله - المستعجل – وانا فى الغربة سالت له دموعنا سخية رغما عنا فالدموع ليست قطرات بل هى كلمات تترسخ فى القلوب وتعلنها المحاقات،...الفضائيات باتت سلواى تابعتها بشغف ومرارة ، ولما لملمت قواى ،قررت اقامة مجلس عزاء وندوة تأبينية يليق بالفقيد بالتعاون مع اللجنة المحلية للحزب الديموقراطى الكوردستانى فى ولاية كاليفورنيا الامريكية ، وخلال اكثر من ساعة ونصف تطرقت الى سيرته الذاتية والذكريات الحلوة والمرة مع الراحل العظيم والى مؤلفاته ، مفعومة بالصور الارشيفية العديدة التى جمعناها هنا وهناك و حسب امكانياتنا المحدودة .
لم استطع حضور مراسيم العزاء المقامة على روحه الطاهرة فى اربيل ،لكن راودتنى فكرة العودة والقاء كلمة فى اربيعينة الفقيد امام الملأ والمدعوين لاوفى دينا وجدانيا تجاه انسان اجله واعرفه من قرب ولسانى حالى ينطق : حزنى لفقدكم كنعيم الجنة كلما نفذ تجدد !!
وحضرت مراسيم الاربعينية مع الاسرة المفجوعة ومع الجمع الخير والنخبة ،والالم كان يعصر قلبى – ولم يزل – اذ لم استطع القاء كلمتى لاسباب خارج ارادتى ورغبتى الشخصية ، لحظتئذ لعنت حظى العاثر وتشبثت بصبر ايوب!واسفا و هكذا فقدنا - فـــلـــكا- بل مدرسة قطبا ، لايمكننا خلق او الاتيان ببديل آخر لفلك جديد ، طالما التاريخ لا يعيد نفسه .
خسرناه جميعا شعبا وحزبا وعشيرة واحبة...خسرناه قلما وعلما من اعلام امتنا - ثقافة وسياسة وبشمه ركة - و رائدا من رواد مسيرتنا الكفاحية والفكرية النيرة ؛ وبموته خلد ت الاحبار الى السكينة والاحجام وخفتت شعلة العطاء ،وجفت ينابيع الكتابة وفرغت الساحة من فارس من فرسان ثورتى ايلول وكولان و كان مناضلا ثائرا من الطراز الاول وقف فى الصف الامامى مع مناضلى شعبه مقارعا الظلم والاضطهاد وعسف الحكام الجائرين.
وها يبدو كل شىء هادئا... صامتا حول مسكنه لاننا نتقن الصمت حملونا وزر النوايا و الصامتون فى حياتهم ومماتهم يحملون هما كبيرا و حلما سرمديا .
زاملت المفكر الكبير فى قسط من حياته سواء فى البداية او فى النهاية ، وذاكرتى تختزن الكثيرعنه ، و لسوف امر على شذرات مما دونته فى كلمتى ( اليتيمة)التى كانت جاهزة من المفترض ان القيها فى اربيعينته ... واليوم لا استطيع جعلها طى الكتمان الى ابد الابدين ايمانا منى بحرية الرأى والفكرولكى لا اندرج مع اسراب صمت القبور، ها انقل لكم الشذرات منها لا كلها :
فلك الدين كاكه يى ، كان مؤسسة ثقافية - اعلامية ،انفتاحيا وموسوعيا متبحترافى مجمل شؤون وشجون الادب والفكر والسياسة ، ورائدا من رواد نهضتنا الحديثة فى العراق ،كان ديدنه -رحمه الله - الانسان...والحرية..والوجدان .
كان يخاطب الذات وطبقة النخبة والعامة ، لم يبن اسوارا بينه وبين الاخرين وكان يقف على مسافات قريبة منهم،عاش عصاميا زاهدا مال الى التصوف فى اوخر سنوات عمره وبات – حلاجا- وظل بارعا فى امتزاج علمانيته ويساريته وكوردايته بالعرفانية وبالمنطق والعصرية ؛ ربما (هادى العلوى نموذجا )الى حد ما مع الفارق ، كان مؤمنا بالوحدانية وبتعاليم *كاكه ئيته * المستمدة من اصول زرادشتية عريقة، و يؤمن بتعايش الاديان والمذاهب والاثنيات واختلاف الاراء، نظرته انصبت على التسامح وتعددية الافكار باعتبار الانسان قيمة عليا فى الحياة والكون.
امتازت كتاباته فى البداية – مرحلة التآخى – الاولى بالرمزية والتقمص واحيانا الغموض لدى البعض ، بدأ مشواره السياسي والثقافي
فى اعقد واصعب مراحل الحياة فى العراق وكوردستان ،حيث الصراعات الحادة بين اطراف الحركة الوطنية و بين القوى الظــلامية
لاسيماابان عهد بلطجية الثامن من شباط الاسود وما بعدها ، وعاصر المذابح والســـجون والمعتقلات وحملات الابادة الجماعية لابناء
كما عايش انتصارات شعبنا فى آذرى عام 1970 و1991م ، وكذلك نكسة ثورة ايلول وهبة كولان والانتفاضة،من رحم هذه المخاضات والمفاجأت السارة والمؤلمة
انبرى فلك الدين نبراسا لشعبه التواق الى الانعتاق والسؤدد ، تخرج من مدرسة النضال الثورى ، مدرسة البارزانى الخالد بالذات، مدرسة البارتى الام والاصالة ؛واكب مسيرة شعبه بكل شرف واعتزاز ،مشروعه السياسى كان يتلخص بوحدة ودولة كوردستان .
كان سقراطا وتولستويا كورديا بالرغم انه كان من المخضرمين فلقداقتحم الحداثوية بكتاباته وارائه الجريئة ربما كان يخالفه فى هذا المنحى بعض وافراد حتى من اعضاء حزبه ،بلغت كتاباته ومخطوطاته الالاف بل قاربت الطن حسب علمى ،منها منشورة واخرى غير منشورة ومؤلفات ولقاءات
تسجيلية راديوية وتلفزيونية او صورية ، غرفتاه فى بيرمام تشهدان بهذه الحقيقة ...ارشيفه ثرومنوع وكان قارئا مواضبا، حبذا لو بادرت قيادتنا السياسية ولاسيما بايعاز من الرئيس المفدى مسعود بارزانى او من رئيس الحكومة نيجيرفان بارزانى بانشاء بيت ثقافى باسم بيت( فلك الدين كاكه يى ) فى العاصمة اربيل ليحوى مؤلفاته ومخطوطاته وصوره ومقتنياته الخاصة واشرطة الفيديو ، ليؤومه محبوه ومعارفه و مريدوه والزائرون الاجانب .
كما اناشد وزارة الثقافة والتربية وكلية الاعلام فى اقليم كوردستان بانشاء دار نشروطبع باسمه الخالد ،واطلاق اسمه على عدد من المدارس والشوارع والدورات هنا وهناك ،تيمنا بذكره و عرفانا بدوره فى حركة التنمية الثقافية والفكرية والسياسية وازدهارها فى بلادنا على مدى اكثر من نصف قرن .
لم يكن طارئا اوخيال مآته اوقاحلا جدباء، كان حضوره واحة خضراء ، كثير التأمل والتعمق واتسم بالهدوء ورباطة الجأش ؛ طروحاته امتازت بالتحليلية والسببية والجد لية ،وغالبا كان ييستثير الوعى والحسية والذات والفلسفة ويعول فى استنباط الحقائق على العقل الباطنى وعلى خبرته وخبرة العظماء من الشرق والغرب ولم يكن خارج موجة العولمة بل ساهمت هذه الموجة فى اغناء فكره فى حدود مدارات وعيه وادراكه ؛ وثقافته الانسانية التى تجاوزت الانتقائية او المحورية ، خاض لوحده معركة الجمع بين التصوف والسياسة والهم المعرفى والانتمائية فى دفعات متفاوتة من مرحل عمره وعطائه ، ربما شكل هذا اختلافا بينه وبين النخب الكلاسيكية والمحافظين والتـحد يثيين .
لم يكن سرديا يثقل الطرح موهبته الفذة اعظم واكثر مما خلفه او نشره حتى اليوم او ما قيل عنه ، بنى واستمد خلفيته الفكرية من المدرسة اليونانية والطاغورية ومن وصايا زرادشت الثلاث و من لاعنفية غاندى ،و تسامحية الانبياء والمصلحين ؛ومن تنظيريات احمد خانى وابن الرومى الروحية ، مفهوميةهذا الاتجاه السامى تنامت فى ذهنيته مخالفا بذلك المفكر المعروف حسين مروة الذى اكد بان : *التصوف حجرة فى مياه راكدة * مكانته الرفيعة مكنته ان يصطف مع نجيب محفوظ وكافكا وجبران وموكريانى وسارترومسعود محمد والجواهرى وهمكواى وادونيس وغيرهم من عمالقة التاريخ .
وبعيدا عن الافراط فى المزاجية والاهواء والمحاباة والاطراءالمتكلف ومن باب المفارقة والاستغراب يحضرنى تساؤل ،لماذا لم يرشح هذا الالمعى لنيل جائزة نوبل للسلام او الادب اوللتسامح الاممى ،وسيظل هذا التساؤل يثير اشكالية محيرة لنا نحن الكورد، وكما وصفه احد القياديين وسكرتير حزبه السيد فاضل ميرانى بان الفقيد لم ينل قسطه من الانسانية . ربماجغرافية وطنه كوردستان او لامبالاتنا بهذه المؤسسات الحيوية فى العالم
جعلنا نتقوقع ولا نقف عند اسوار( نوبل ) كى نقترب ونخطو بخطوات من لجنة الجائزة ونحن تدفعنا الكبرياء والثقة بالنفس و نقدم هويتنا الثقافية من خلال فلك الدين كاكه يى لهذا المنبر العالمى، لننال منه شهادة ميلاد حديثة لوجودنا ولثقافة الكوردية المشعة .
عندما شاهدت جثمانه محمولا على اكتاف رئيس حكومة كوردستان المناضل العزيز نيجيرفان بارزانى و استمعت الى رثائه عند مراسيم الدفن وفى اربعينيته ، زادنى اعتزاز وخيلاء بصاحب المعالى رئيس الحكومة وهو يرثى ابنا بارا للبارتى والبارزانى كان قريبا منهم روحا ونضالا ،مما دفعنى ان ادعوا جميع ابناء عشيرة الكاكه يية وفى سائر ارجاء كوردستان وفى الخارج ان يعلقوا هذه الصورة التذكارية فى بيوتاتهم وفى اذهانهم كلما بحثوا عن خياراتهم ومساراتهم المصـيرية ضمن منظومة المجتمع الكوردى الحديـث كما اناشدهم
ان يلتفوا حول الحزب الديموقراطى الكوردستانى ورئيسه المناضل مسعود بارزانى فى كل الظروف والاحوال ،لانه امل شعبنا وبانى كوردستان الحديثة ، وعلى يده ستتحقق دولتنا المنشودة ، واجندة المؤتمر القومى تتناغم مع استرتيجية ا لعمل القومى الفعال فى القادم من الايام.
وفلك الدين لم يكن شحاذ الكلمات او هشة المنهجية بل كان صانع الكلمة الحرة وباحثا مثابرا للحقيقة رغم بنيويته فى النص الكتابى لم يغفل الحداثوية والثورة المعلوماتية والتجديدية والجمالية،وكان بحق استاذ الجيل والقدوة المثلى فى القيم والرصانة والعطاء الغزير وشاهد على عصره، فلقد نال ثقة القراء من عهد ( التأخى ) وخه بات واعلام الجبل والانتفاضة ،فالتأخى الصحيفة كانت ولم تزل بيت العراقيين ومنبرهم الوطنى تصدر فى بغداد ثورة تموز و( وهه ر بزى كوردو عرب رمز النضال ) وبيان آذار التأريخى .
وبما ان المفكر الراحل ساهم وبجدية ونكران ذات فى(التآخى) ، و لما كان لكاتب هذه السطور الشرف بالكتابة فيها ايضا فى السبعينيات بعدة مقالات وبحوث وباسمى الصريح ، اعود ثانية الى حاضنة (التآخى ) واستظل بظلالها الوارفة واخصها بهذه المقالة ... كما اعود الى الاقدارطالما هى مسطرة لنا ، فلنعشها بهدوء واتزان .




