معارضة ام مفارقة ؟

هاوار كاكه يى
لم اكن متحمسا او بالاحرى لم احبذ خوض غمار هكذا موضوعات ،سواء كانت المعارضة (عراقية او كوردستانية )،لان المسألة شـــــــــــائكة وغير مرغوبة نوعا ما لانها صعبة الاستيعاب لدى البعض، وهى بذاتها متعددة العناوين والافتراضات؛لولاتطور الاحداث وتسارع وتيرتها لاسيما فى السنوات الاخيرة ، وبروزتحولات فى البنية السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وبدورها ادت الى ظهور مفهومى الســــلطة والمعارضة فى العراق بجلاء ووضوح .
وحسب المعطيات التأريخية البعيدة والقريبة منها ، التى تخص العالم والشرق الاوســــط بالذات ، فان
مفهومية وواقعية الســـلطة ( الحكومة اوالدولة ) والمعارضة تجذرت فى حقبة الامبراطورية العثمانية
ولو انها شــــاعت فى المنظومة الاوروبية فى وقت غابر، وسبقتها الدولة اليونانية والروم البزنطية وفى عهود النبلاء والقياصرة والكنيسة .
يرى البعض بان اليونانيين هم اول من تطرقوا الى فكرة نشأة الدولة ؛ وجمهورية افلاطون كانت اعلانا واضحا
لنظرية اشـــــاعة الديموقراطية ،وحكم الاغلبية عبر الاقتراع والانتخاب الحر وتنفيذ العدالة بآليات واطر
انسانية وقانونية مشروعة وتحديد السـلطة الفوقية وضمان حقوق الفرد والاكثرية وتحاشى مطلقية الحكم
او افراطها فى التطبيق والممارسة خشية ايذاء الفرد والجماعة وهضم حقوقهم وتهميش دورهم او التقليل من وزنهم ومكانتهم الاجتماعية .
وبما ان مفهومية الحكم ترسخت عبر الزمن ومست مبدأ المواطنة والديموقراطية
ظهرت بظلها مشــــروعية *المعارضة * تقف على الجانب الآخر من الضفة تطالب بالاصلاح والمشاركة
فى ادارة المجتمع والتعبير عن رغباته وتطلعاته فى الحياة الكريمة والرفاه .
لم تكن السلطة والمعارضة بهذه الافتراضية توأمين متآلفين ، بل تقاطعوا فى اغلب الاحيان فى التنظير او التفويض لممارسة الحكم والادارة .
ان مبدأ التفويض الالهى ومعه صكوك الغفران قد احدثا شرخا بين الحاكم والمحكوم وتجاوزا على
العقد الاجتماعى والتكافل االناجز ، حينهاالتجأ الحاكمون الى ميكافيلية بخسة للقفز على كرسى الحكم بالوسائل
الغير المشروعة وترويض الرعية باملاءات وفرمانات القصر والحاشية والشرزمة المتطفلة .
ان النظرة الاستعلاعية للطبقة المتنفذة والاقصائية تجاه الغالبية -الطبقة الوسطى والكسبة والفقراء – وهم شريان الحياة وبناة المجتمــــــع ، ولدت تناقضا حادا بين القطبين المتنافرين اصلا ، اتخذت شكل صراع
مستديم وجر حبل لانهاية لهذه اللعبة مماجرت الويلات على المجتمع بردود فعل لا سلمية وتحولت الى دموية ومأساوية وهلمجرا .
ان الوطن العراقى الذى يتعايش على ارضه مكونات اثنية ودينية عديدة جمعتهم الاقدار والظروف السياسية، تختلف هذه المكونات البشرية فيما
بينها فى اللغة والتاريخ والثقافة والتقاليد والعادات والقيم والمشاعر وحتى فى التراث ونمط العيش والتفكير،
الا ان الانظمة المتعاقبة على دسة الحكم فى البلاد لم تلجأ الى فهم الواقع القومى والمذهبى للسكان والتعامل
الموضوعى مع الجميع وعلى قدم المســاواة وعدم التمييز بينهم فى مســــــالة الخيار الوطنى وبالاخص فى الحقوق والواجبات وتوزيع الثروة والادارة على اساس المواطنة و الكفاءة والحجم السكانى .
وحقبة ما تسمى بالحكم الوطنى اى فترة تاسيس الدولة العراقية 1923م وما بعدها ،لم يشهد العراق الاستقرار والديموقراطية الحقة واطلاق الحريات العامة واشـاعةالعدل الاجتماعى الا فى فترات قصيرة جدا
وهنا بدأ الصراع الكوردى مع الحكام واتخذ شكل صراع قومى من اجل الاقرار بالحقوق القومية والكيان
وتثبيت الهوية ، اما المركز فدوما كان بواد والشعب بوادى اخر مما عمق الخلاف ووسعت الهوة بين
بينهماواضطر ت الجماهير ان تستجمع قواها وترتب امورها للانتقال الى صف المعارضة للعمل كجبهة
كفاحية بهدف اجراء اصلاحات ديموقراطية جذرية تشمل الجوانب السياســـــية والادارية والاقتصـــــــادية والثقافية والاجتماعية والامنية لتوفر الرفاه والعدالة والحرية للجميع .
لو عدنا الى تداعيات حرب الخليج فى مطلع التسعينيات ، والمستــجدات التى اعقبتها تؤشر بوضوح بان النظم الفردية او الشمولية رغم جبروتها وخطابها الكاذب قد تستطيع ان تملأ مرحلة قصيرة من مسيرةالشعوب
ثم تتهاوى وتندثر امام ارادة الشعوب وتطلعاتها فى السيادة والاستقلال .
فى العراق لعبت الحركة الوطنية بشطريها العربى والكوردى دورا مهما فى تحديد مسارها النضالى المعبد بالدم والتضحيات الجسام
سواء فى العهد العثمانى اوالانتداب البريطانى اوالعهد الوطنى ملكية كانت ام جمهورية ،فالحروب الدائرة فى كوردستان كانت نزهة وطنية للحكومة و كما وصفها احد رجالات الدولة العراقية فى حينه وانما خلفت
اضرارا فادحة بالبنية البشرية والاقتصادية والعسكرية واخلت بمستقبل العلاقات الداخلية ( الوطنية ) وبالاخص علاقة كوردستان بالمركزلاحقا .
فى العرف الديموقراطى الليبرالى ان المعارضة هى الصفحة الثانية للهيكلة السياسية فى البلاد سواء كانت فردا او حزبا او ائتلافا لها برنامج عمل مشترك وشعارات ومطالب انية ومرحلية تسعى لتحقيقها بالوسائل السلمية المتاحة لها وفق معايير مفهومة ومرغوبة لدى الجماهير .
هناك نوعان من المعارضة ؛ الاولى تنطلق من الشارع تتخذها ساحة للاعتصامات والتظاهر والقاء الخطب والبيانات وتعتمد على الهيجان واثارة المشاعر والنقد قد تشوبها العفوية والغليان وتتجاوز السياقات السليمة وتتحول الى تحدى مع السلطة وانصارها -الربيع العربى - حصريا ؛ اما النوع الثانى من المعارضة هى نيابية ، تعمل تحت قبة البرلمان ، تحاور وتناقش وتقدم مقترحات وتبدى رايها فى القرارات
والقوانين بلباقة وحسن نية .
المشهد الكوردستانى فى الماضى ملىءبالمظاهرات والثورات والايام العصيبة لكن انتفاضة ربيع عام 1991 وضعت حدا للملآسى البشرية التى حلت بكوردستان ارضا وشعبا ووجودا.
ان دخول المعارضة الى الساحة السياسية ضرورة لاتمام العملية الديموقراطية فى كوردستان ،ومنذ انتفاضة
ربيع عام 1991 ، جرت فى الاقليم (الفيدرالى ) اربع دورات انتخابية نيابية ، وواحدة اخرى لانتخاب رئيس الاقليم وهو بمثابة ( رئيس الدولة ) وتم انتخاب المناضل مسعود بارزانى رئيسا للاقليم عام2009م
وهى اول بادرة شرعية رائدة وثانى تجربة رئاسية بعد الرئيس قاضى محمد عام 1946 م فى تاريخ كوردستان المعاصر ،ومن حسن الحظ ان هذين الحدثين الرئاسيين قد جريا تحت راية كوردستان الشماء .
ويرى المراقبون ان الخارطة الجيوبوليتيكة ستتغير فى المنطقة كما حدثت سابقا بعيد الحربين العالميتين
وانهيار الامبراطورية العثمانية المترامية الاطراف بالذات ،ومنظومة الشرق الاوسط ملئى بالمفاجئات
والتطورات المثيرة وليس مستغربا قيام دولتين فى قوادم الايام : هما دولة فلسطين واسرائيل، بالاضافة الى الدولة الكوردية .
ويكمن عنصر الحداثة فى ولادة المعارضة (كوردستانيا ) ،دخولها الى المعترك السياسى والنيابى ، وابرز تياراتها هى حركة التغييرالتى يقودها نوشيروان مصطفى وهو احد قياديى الاتحاد الوطنى الكوردستانى وانشق عن حزبه,كما سبقه السياسى المخضرم جلال طالبانى عندما انشق عن الحزب ( الام ) ، الحزب الديموقراطى الكوردستانى عام 1976م ، اى ان هذه الحركه – التغيير – ولدت من رحم الانشطارات الحزبية والخلافات الداخلية الحادة نتيجة عدم الانسجام وتنافر الرؤى والمصالح ،وقاد نوشيروان جناحا
راديكاليا فى صفوف الاتحاد الوطنى وله اراء وتوجهات يسارية ويعتبر نفسه منظرا ووريثا شرعيا ل -مام جلال – واتخذ من مدينة السليمانية معقلا له ولانصاره .
اما التيار الثانى من المعارضة فيمثله (الاسلام السياسى ) بثلاث احزاب رئيسية: الاتحاد الاسلامى الكوردستانى والحركة الاسلامية والجماعة الاسلامية ، والاسلام السياسى الكوردستانى امتداد لحركة الاخوان المسـلمين
فى مصر التى كان من ابرز قادتها حسن البنا والســـــيد قطب ، ويشير البعض بان هذا التيار هم من اتباع
الحركة الوهابية فى السعودية ،ويمثلون الجناح( المعتدل )فى العمل الجهادى فى ا لوقت الحاضر وهم قريبون
من طروحات حزب العدالة والتنمية التركى الى حد ما مع فارق الجغرافيا والوضعية السياسية.
ووجه المفارقة بين جناحى العلمو-اســـلاموى المعارض حاليا يشوبه الغموض والاستغراب بالعــــرف الســـــــياسى الدارج ،لان حركة التغيير حسب نهجها المعلن من قبل قادتها تهدف الى اقامة دولة علمانية قومية ؛الامر الذى يتقاطع مع اجندةالاسلام السياسى بانشاء امارة اسلاموية لا تعترف ب ( قومية الدولة ) .
ان هذه التوليفة المتضادةالمأتلفة تستشف منها هشاشة الديناميكية والتفاعلية على المديين القريب والبعيد
لان التيارين يمثلان قطبين مختلفين فى النهج والاسترتيجية ربما يتفقان مرحليا وكما يعلنونها للناس بين
الحين والاخر فى وسائل اعلامهم وبياناتهم بانهم يعارضون سلطة حكومة الاقليم فى الظاهر بدعوى محاربتهم الفساد وعدم الشفافية والتحزب وغيرها ، ويا ترى ماذا سيحصل لو تحقق للتغيير ما يريده
هل يترك حلفاء اليوم ولا يقطع اصبع شهادتهم ! وبالمقابل تماما ماذا يكون مصير التغييريين فى ظل الامارة الاسلامية افلا يسلمون من التلقين والتوبة والشفاعة والعمل الرسالى ؟
والمطلوب من اية معارضة سياسية ان تكون نظيفة السيرة والتاريخ والمنحى
هذه مجرد تصورات وهموم تطرح نفسها وتقفز على السطح ونحن نعيش اجواء انتخابية ، والكل عين
على القسم البرلمانى والكابينة الوزارية الجديدة .
ان الادارة الذاتية الكوردية تمخضت عن افرازات المرحلة الساخنة فى العراق ؛وجاءت عبر انتخابات
شرعية جرت فى اقليم كوردستان وباشراف المفوضية العليا للانتخابات فى العراق ، ومراقبة منظمات
اقليمية ودولية متخصصة عديدة ، حيث تنافست كيانات مختلفة ، وكان نصيب قائمة الحزب الديموقراطى الكوردستانى بقيادة الرئيس مسعود بارزانى حصة الاسد فى حصد اصوات الناخبين والمقاعد ، كما فازت قوائم عديدة اخرى .
وشهدت العملية السياسية فى الاقليم تجاذبات وصراعات كثيرة واتخذت منحى خطيرا لاسيما فى السنوا ت الاخيرة بين المعارضة والسلطة ، لان الاولى قد حولت خلافاتها مع الحزبين الرئيسيين الحاكمين الى صراع حاد ، ونعتت السلطة بعبارات التشهير والطعن بذريعة الفساد والحزبية وغيرها من التهم كما
باشرت بصب غضبهاعلى الحزب الديموقراطى الكوردستانى وهو ( صانع الثورات وباعث الانجازات
والمكاسب القومية وصمام الامان للديموقراطية) والذى حاول بقدر المستطاع عدم الانجرار وراء المهاترات الجانبية التى تلحق الضرر بالجميع ، وحاول من جانبه عدم تضخيم الامور وتأزيمها ، حفاظا على استقرار الاوضاع والمصلحة الوطنية العليا .
وتاجيل المسائل الخلافية الى ما بعد الانتخابات الحالية.
وطبقا لقوانين الاقتراع فى العراق وكوردستان معا ،ستتم تشكيل الكابينه النيابية ، ومن ثم يباشر بتشكيل
حكومة مؤتلفة وربما توافقية للفترة القادمة ؛وهناك احتمال دخول المعارضة الى التشكيلة الوزارية الجديدة
ويرى المحللون بان ثمة صعوبات امام القوى والاطراف الفائزة لتشكيل الحكومة ، يؤمل ان تنتصر ارادة الخيرفى النهاية ،لان كوردستان حاضنة الجميع ؛ وحسبنا ان تطوى صفحة المفارقات وترسو السفينه فى المرفأ بسلام .




