العصا والجزرة
عماد برهو
يبدو أن اتباع الرئيس الأميريكي سياسة "العصا والجزرة" تجاه تعامله مع الأزمة السورية، خاصة بعد التطور اللافت في مسارالأحداث بعد استخدام النظام السوري للأسلحة الكيمياوية ضد المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في ريف دمشق، وارتكب مجزرة الغوطتين، التي ذهب ضحيتها أكثر من (1400) مواطن سوري، بينهم (400) طفل.
إن استخدام النظام السوري للأسلحة الكيمياوية ضد السكان المدنيين العزل، ساهمت بشكل كبير في خروج المجتمع الدولي عن صمته، إزاء تجاوزات نظام الرئيس السوري بشار الأسد في استخدام القوة العسكرية المفرطة و"الممنوعة" ضد أبناء شعبه، وذهب الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميريكية، والتهديد باللجوء إلى استخدام القوة العسكرية، التي تردع نظام الأسد من خلال توجيه ضربة عسكرية "محدودة" لترسانة الأسد الكيمياوية، والذي اعتبرها الرئيس الأميريكي باراك أوباما "خطاً أحمر" لا يمكن السماح بتجاوزه، وعليه يجب محاسبة النظام السوري على تجاوز هذا الخط الأحمر.
بدأت الولايات المتحدة الأميريكية تشكيل حلف دولي بغية توجيه ضربة عسكرية ضد نظام بشار الأسد، وأيدته دول غربية مثل (فرنسا وبريطانيا وألمانيا واستراليا وكندا وإيطاليا واليابان وكوريا الجنوبية وإسبانيا..)، إضافة إلى تركيا ودول الخليج العربي، كلاً بحسب موقفه وقناعاته بجدوى الضربة العسكرية في ردع نظام الأسد عن الاستمرار في قتل شعبه، وضرورة محاسبته على استخدام الأسلحة الكيمياوية.
كما دعا الرئيس الأميريكي الكونغرس للتصويت على طلب أوباما بتوجيه ضربة عسكرية "محدودة" لنظام بشار الأسد، وشل قدراته العسكرية، وتقديم الدعم العسكري لقوات المعارضة السورية، والمساهمة في تغيير التوازن على الأرض لصالحها، وإرغام النظام على الذهاب باتجاه الحل السياسي بحسب مبادرة "جنيف"، خاصة بعد حدوث نوع من التراجع في المواقف الدولية للدول المؤيدة للضربة العسكرية، ومن بينها عدم حصول رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون على موافقة من مجلس العموم البريطاني، وأعربت فرنسا عدم ذهابها بالخيار العسكري منفردة...
وفي المقابل، وفيما يستعد الكونغرس الأميريكي للتصويت على قرار توجيه الضربة العسكرية، وبعد تصريحات وزير الخارجية الأميريكي جون كيري حول إمكانية تفاديالنظام السوريللضربة العسكرية الأميريكية المرتقبة إذا قام بتسليم ترسانته الكيمياوية، وتفكيكها وتدميرها فوراً. تلقت الديبلوماسية الروسية الإشارة الأميريكية بوجود حل آخر غير الضربة العسكرية، وقامت ببناء مبادرة جديدة على طرح الوزير كيري، وقدم مشروعاً لمنع الضربة العسكرية ضد سورية، والعمل على إخراج الرئيس الأميريكي باراك أوباما من موقف محرج قد يوضع فيه، إذا لم يوافق الكونغرس الأميريكي على قرار توجيه الضربة العسكرية، وذلك من خلال دعوة النظام السوري إلى الموافقة على هذا الاقتراح، وتسليم ترسانته الكيمياوية "فوراً"، ووضعها تحت الرقابة الدولية، والتوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة الكيمياوية.
بالفعل، وعلى الفور، وافقت الحكومة السورية على لسان وزير خارجيتها وليد المعلم على هذه المبادرة، وأعلنت أنها ستقوم بوضع ترسانتها الكيمياوية تحت الرقابة الدولية، والسماح لمفتشي الأمم المتحدة بدخول سوريا، وتفكيك وتدمير هذا السلاح.
من هنا، يبدو أن الرئيس أوباما أدرك أن الاستمرار في خيار الاعتماد على موافقة الكونغرس الأميريكي، لن تؤتي بثمارها، وربما تضعه في موقف محرج في حال فشل في إقناع الكونغرس، ولم يقم الأخير بالتصويت "ايجاباً" على قرار توجيه الضربة العسكرية، وبدأ بإتباع سياسة "العصا والجزرة" في تعاطيه مع الأزمة السورية. "الجزرة" من خلال إعطاء النظام السوري ومن ورائه الحليفة روسيا في أعقاب مبادرتها، التي قلبت المعطيات في اليومين الأخيرين. "الجزرة" التي لوح بها أوباما، كانت طلبه من الكونغرس الأميريكي التصويت حول الضربة العسكرية ضد نظام الأسد، ومنح الفرصة أمام التحرك الديبلوماسي، الذي فتح آفاقه موافقة النظام السوري على التخلص من الأسلحة الكيمياوية، تطبيقاً للمبادرة الروسية، والتي تشير الأنباء إلى أنها كانت محل بحث بين الرئيسين أوباما وبوتين منذ أشهر، والتي ستكون أيضاً على طاولة المفاوضات بين وزيري خارجيتهما في جنيف، اليوم الخميس، أما "العصا" فكانت عبر كلمة الرئيس الأميريكي للشعب الأميريكي، والطلب من الكونغرس تأجيل البت والتصويت على قرار الضربة العسكرية، ودعوة القوات المسلحة الأميريكية بالبقاء على أوهبة الاستعداد لأي تحرك عسكري قد يتم اللجوء إليه إذا فشلت المساعي الديبلوماسية، وحاول النظام السوري الالتفاف على المبادرة، وإغراقها كسابقاتها في التفاصيل إلى حد إفراغها من محتواها، وبعض أبقت عليها كـ "فرنسا" التي تستعد للتحرك في مجلس الأمن، وتقديم "مسودة مشروع" يتضمن دعوة النظام في سوريا للكشف عن ترسانته الكيمياوية خلال فترة لا تتجاوز 15 يوماً في ظل معارضة روسية على المشروع الفرنسي، وخاصة في نقطة استخدام القوة العسكرية ضد سوريا، وتعهد الغرب بعدم اللجوء إلى القوة، وهنا قد تلجأ فرنسا مجدداً إلى مجلس الأمن مع إمكانية تقديم تنازل يتعلق بالفصل السابع، وتعويضه بالفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، فإلى أي مدى يمكن للحل الديبلوماسي أن ينجح في سوريا، خاصة أنه جُرب على امتداد عامين وأكثر.
الأيام القليلة القادمة ستكشف ما إذا كان النظام السوري يستطيع أكل "الجزرة" دون تلقي ضربات "العصا" الأميريكية، عبر تنفيذ المقترح الروسي على الفور، ودون تسويف وتأخير ومماطلة كما هي عادة النظام السوري، وأما أن يضع نفسه تحت مرمى "العصا" الأميريكية، لأنه قام بأكل "الجزرة" ولم يقم بتنفيذ ما هو مطلوب منه.
ويبقى موضوع استخدام الأسلحة الكيمياوية ضد المدنيين العزل، ومحاسبة مرتكبي هذه المجازر برسم المجتمع الدولي، الذي أثبت يوماً بعد يوم، عدم قدرته على تحمل مسؤولياته الإنسانية والأخلاقية تجاه معاناة الشعب السوري المستمرة منذ أكثر من عامين ونصف العام.




