الانفلات الإعلامي الصارخ إلى متى..؟

عبدالغنی علی یحیى
لم یقولوا عبثا : «فی التأنی السلامة وفی العجلة الندامة» أو «العجلة من الشیطان والتأنی من الرحمن» ولما كان الإنفلات الإعلامی موضوعا وعنوانا لمقالی هذا، اقول بادئ ذی بدء، أن من ممیزات وخصائص الإنفلات الإعلامی هو التسرع والقول اللامسئول وتشویه الحقائق عن عمد أو غیر عمد، وأمراض وعیوب أخرى یضیق بها المجال. فقبل أیام قلب الإعلام مضامین صورة فوتوغرافیة لتظاهرات حاشدة مؤیدة لرئیس الوزراء التركی رجب طیب أردوغان على الضد مما توخاه الأخیر من تلك الصور التی عرضت وكأنها تظاهرة ملیونیة ضد أردوغان وحزبه وحكومته. وفی العراق وصفت وسائل إعلام التظاهرات فی ساحات بعض المدن العراقیة السنیة على ضیقها على أنها مظاهرات ملیونیة والحال أن المشاركین فیها فی أغلب الاحوال لم یكونوا یتجاوزوا بضع مئات. ومنذ أسابیع تلاشت تظاهرات المعتصمین فی الموصل ضد حكومة المالكی، ومع ذلك یورد الإعلام الموصل ضمن المحافظات الستة المنتفضة. وتقوم عدسات آلات التصویر بإخفاء الرقعة الضیقة للإعتصامات والمعتصمین وتظهرها خلاف ذلك وكأنها لا أول لها ولا آخر. فلو كانت ملیونیة حقا لاسقطت حكومة المالكی منذ زمن مثلما أسقطت حكومات مبارك وشاه إیران وبن علی ومرسی. وهكذا فإن جعل الإعلام من الحبة قبة لن یؤدی إلا إلى ذر الرماد فی العیون والتحایل على الداخل والخارج والذی تدفع ثمنه الشعوب والبلدان طبعا.
ویلاحظ أن الانفلات الإعلامی یشتد فی أوقات الأزمات والإضطرابات وفی ظل سیادة الانفلات الأمنی وتراجع حكم القانون بالأخص. وارتأیت أخذ عینات من هذا الانفلات من أحداث ثورة 30 حزیران فی مصر والتی امتدت لأیام قلائل إلى أن أسقطت حكومة الدكتور محمد مرسی.
فی خبر نسب إلى وكالة رویتر للأنباء أن الجماعة الاسلامیة فی مصر اقترحت على مرسی اجراء انتخابات رئاسیة مبكرة وعلى أثر ذلك تبارت وكالات الانباء ومواقع إعلامیة لا تحصى فی أخذ الخبر ونشره على أوسع نطاق، إلا أن الجماعة تلك سرعان ما كذبت الخبر ونفت أن تكون قد تقدمت باقتراح ینص على اجراء انتخابات رئاسیة مبكرة!! إن وكالة رویتر الموقرة التی تعد من أعرق وأقدم وكالات الانباء فی العالم عرفت فی السابق بدقتها فی نقل الانباء والابتعاد عن الكذب فإذا كان هذا حال رویتر فكیف تكون حال الوكالات الانبائیة الأخرى یاترى..؟
یفترض فی وكالات الانباء أن تكون أكثر مصداقیة فی نقل الانباء من وسائل الإعلام الأخرى من صحف وإذاعات وفضائیات، سیما بعد أن أصبحت فی الأعوام الأخیرة مصدرا ومرجعا رئیسا للأخبار،حتى أن كثیرا من الصحف والاذاعات استغنت عن مراسلین لها، واكتفت بالتعامل مع الوكالات تجنبا من الوقوع فی الخطأ، غیر أننا وجدنا هذه الوكالات ترتكب اخطاء تلو اخطاء ایام الثورة المذكورة، والأمثلة على أخطائها كثیرة منها: أن وكالة (أ.ف.ب) ذكرت بأن محمد البرادعی وشیخ الأزهر والبابا تواضروس وصلوا إلى وزارة الدفاع المصریة لمقابلة الفریق عبد الفتاح السیسی القائد العام للقوات المسلحة المصریة، فی حین نفت وكالة (أ.ش.أ) ذلك وقالت أن شیئا من ذلك لم یحصل، وتوزعت الوكالات بین مصدق للخبر ومكذب له بشكل حار فیه الناس من أمرها، أیهما تكذب ,ایهما تصدق. وفی الخبر الذی نشرته (أ.ش.أ) ورد بأنها أسندت الخبر إلى مصدر عسكری مصری مسئول. والاطرف من كل هذا أن فضائیة التغییر العراقیة وهی من الفضائیات العربیة السنیة والتی أتابعها یومیا قالت أن البابا شنودة ومحمد البرادعی.. ألخ یحضران اجتماعا مع وزیر الدفاع المصری عبد الفتاح السیسی. علما أنه قد مضى أكثر من عامین على وفاة المرحوم البابا شنودة!! هذا الخبر بقی لساعات لا یفارق شاشة فضائیة التغییر.
وفی خبر لفضائیة الحرة عراق الأمیركیة أن قوات الحرس الجمهوری فی مصر دخلت مبنى التلفزیون الحكومی المصری وسیطرت علیه ثم أخلته من العاملین فیه من غیر الاسلامیین باستثناء الابقاء على مذیعی الهوا فقط. ومن مضمون الخبر نفهم أن تلك القوات أبقت على الاسلامیین وطردت العلمانیین وبشكل أوحى ان الحرس الجمهوری المصری مع مرسی وحزب الحریة والعدالة، بینما كان العكس هو الصحیح، فلقد داهمت تلك القوات ذلك المبنى لإنهاء هیمنة الاسلامیین على التلفزیون الحكومی المصری وفیما بعد قامت القوات عینها بغلق اربع قنوات دینیة تابعة للاخوان المسلمین.
وكما نعلم أن تسرع وسائل الإعلام فی نقل الأخبار هدفه تحقیق سبق إعلامی أو صحفی وقد یكون من أجل نصرة هذا الطرف على ذاك وربما تكون للمتسرعین مآرب أخرى، بلا شك فإنه لو مضت الحال على هذا المنوال فسیأتی یوم تفقد وسائل الإعلام مصداقیتها سیما تلك التی تعتمد العجالة والتسرع فی نقل الأخبار. إن وسائل الإعلام هذه لا بد ان تسقط فی عین القراء أو المستمعیین أو المشاهدین فی نهایة المطاف، ما یدفع بالثالوث القارئ والمشاهد والمستمع إلى إنتظار البیان الأول للعسكر الذی یأتی أصدق إنباء من وسائل الإعلام.
ختاما ما أحوج الإعلامیین والصحفیین إلى نصیحة موجهة أصلا إلى سواق السیارات (أخی السائق لا تسرع فالموت أسرع) وإذا كان تسرع السائق یتسبب فی موته وربما أفرادا معه فإن تسرع الصحفی والإعلامی قد یتسبب فی الحاق الدمار بشعب أو حزب برمته. فحذاری من التسرع.




