الرئيس البارزاني زاهد في المراتب شامخ في النضال

بدرخان السندي
بدءاً يعلم المخضرمون في النضال الكوردي الشاق الطويل ان البارزاني الراحل كان شخصاً زاهداً لم يفكر يوماً في منصب او نفع شخصي هذا ما يشهد له القاصي والداني وكل متتبع لمسيرته المشرفة ولا بد من الاشارة الى ما تقدم لأن الزهد البارزاني لم يكن توجهاً شخصياً وحسب بل جزءاً من بناء رصين راسخ هو مدرسة البارزاني في النضال هذه المدرسة التي كان ولم يزل احد طلابها المزمنين المخلصين هو البيشمركة مسعود بارزاني.
ان الشعور بأن مجمل النضال والكفاح الدؤوب من اجل القضية الكوردية وفي ثورتين متتاليتين هو في محصلته اثمن بكثير من اي منصب اداري او سياسي مهما كان رفيعاً لدى المناضل الحقيقي الذي صنعت شخصيته وكونت ذاته حروب شرسة مدمرة ومنذ ان كان يافعاً كان يرى قريته تدمر ثم تدمر ثم تدمر وينام في كهف مع ابيه ويصبح في وادٍ ثم يختفي في غابات كوردستان وصخورها.. لعل واحداً يقول وهذا كان دأب البيشمركة كلهم، نقول نعم هذا صحيح ولكن لن ننسى انه بالاضافة الى كونه بيشمركة كان يشعر بالمسؤولية المستمدة من مسؤولية أبيه عن حياة كل البيشمركة ووالله هذا الامر غير بسيط كواحد من مكونات الشخصية القيادية المناضلة.
هذا البناء النفسي المتراكم هو موضع اعتزاز من قبل الرئيس مسعود بارزاني وله حق الاعتزاز به ومن هنا تأتي تأكيداته الدائمة انه كان وسيبقى بيشمركة نعم لأنه عملياً لا يجد في متسع نظرته الى الحياة ما هو ارفع مما فعل ابان الثورتين مثلما لا يجد في متسع روحه ما هو انبل من عمله المباشر مع والده البارزاني الخالد، فأي منصب او درجة وظيفية تنافس هذه المشاعر التي تعمل في ذات الرئيس مسعود بارزاني..؟
المشكلة ان كثيراً من المناصبين ولا اقول المعارضين هم اما طارئون على القضية الكوردية بحكم اعمارهم او بعدهم عن القضية في واقعها المر والقاسي اي قبل أن تفرز مكاسبها و مغرياتها واما يحملون كيداً هو ليس سياسياً او فكريا في جوهره ولا نود الخوض فيه حفاظاً على مقدسات شعبنا لأنه في صلب حقيقته يحمل فايروساً مشخصاً نحن على ثقة ان امتنا الكوردية اسمى بكثير من ان تقع فريسة هذا الفايروس الخفي.
ومن هنا نقول ان هذه النزعة الرفضية وليست المعارضاتية هي رأس المشاكل التي يعاني منها الاقليم لأن اسم المعارضة واجهة ليس الا واساس الموضوع الرفض التام لاسباب غير ديمقراطية ومن هنا وكما يقول المثل (لو نشعل العشرة شمع) فهم لن يرضوا بتقصد وعندما يكون الرفض قصديا تسقط الموضوعية وتسقط معها الديمقراطية.
وللأسف يسقط معها بعض المُضلَلين الذين قد لا يعلمون ان الهدف من كل ما يجري تحت ستار المعارضة في كوردستان هو من اجل اقصاء رمز كوردي وطني كبير يكن معظم ابناء الشعب الكوردي له كل الحب والولاء وللمدرسة التي ينتمي اليها، وبهذا فأن هذه المواقف المتسترة بستارة المعارضة والديمقراطية هي محاولة تؤلم وتجرح مشاعر ملايين الكورد وهذه حقيقة تعرفها المعارضة الكوردية وتحسب لها الف حساب لابل تخشاها لكنها تصبو بصبوات المغامرة على حساب امن وسعادة شعبنا الكوردي.. ليت.. نعم ليت كان لهذا الشعب معارضة جادة موضوعية حقيقية رصينة انا متأكد لاصبحت المعارضة في كوردستان شريحة اجتماعية واسعة.. لكن هذا الذي يجري محاولة جادة لتدمير كل مكاسبنا القومية ومن ثم ربط هذا التدمير بالادارة الحالية للأقليم.
الكل يدري ان في بداية نجاح الانتفاضة عام 1992 كان بامكان الرئيس البارزاني ان يسكت ولا يذكر اي مفردة تتعلق بانتخابات او بسياسة ديمقراطية او تشريع او تأسيس نظام سياسي واضح في كوردستان نعم كان بامكاناته العسكرية المنتصرة والتفاف شعب كوردستان حوله ان يتجاهل العديد من الأطراف والمكونات ويستحوذ على كل شيء شأنه شأن اي قائد ثورة ناجحة بشرقنا الاوسطي.
لكن البارزاني اول ما فعله عند نجاح الانتفاضة طلب عاجلاً من الجبهة الكوردستانية اجراء انتخابات حرة وباسرع وقت كي يحدد شعب كوردستان مصيره ونظامه السياسي عن طريق صناديق الاقتراع، وهذه حقيقة لا يمكن نكرانها حتى من الاعداء، ان الديمقراطية اصبحت سمة للحياة في كوردستان. نقولها بصدق لولا شخصية البارزاني المؤمنة بالصيغة الديمقراطية لما وصل الحال اليوم الى هذا التقدم الكبير الذي يعيشه الأقليم لأنه وضع من اليوم الاول حجر الأساس لحياة ديمقراطية دستورية وارجو ان لا يخيل للقارئ الكريم انني في هذا المقال ليست لدي ملاحظات عديدة على الأقليم وسياسة الحكم فيه ولكن من نعم الله على الأنسان ان وضع في عقله القدرة على التفكير بأسلوب نسبي فليست هناك نتائج مطلقة واهداف يجب تحقيقها 100% خلال عقدين وما هذه السنوات الا بفترة قصيرة من عمر التاريخ.. انا ادرك ان ما توصلنا اليه اليوم في عقدين من الزمان هو شيء ليس بالقليل وربما لم تبلغ الكثير من المجتمعات الاوربية ما بلغنا نحن في عشرين عاماً عند بدء اوربا بنهضتها الديمقراطية. اما هناك نواقص نعم هناك فساد اقول نعم وهناك من يجب ان يقبع في السجن لا ان يجلس على كرسي الوزارة اقول نعم.. هيا لنتحدث عن هذه المشاكل لا عن كيف نلغي نضالات المناضلين ونرغب في ان نستأثر بالحكم لاسباب هي في حقيقتها ليست سياسية او ديمقراطية البتة نعم لا ان نقف ضد ارادة الشعب بانتخابات مباشرة صريحة .
لقد ارسل الرئيس البارزاني رسالة رسمية الى المفوضية العليا يعلمها باجراء الانتخابات البرلمانية ورئاسة الاقليم في ايلول القادم وهو بذلك يدعو الى انتخاب جديد سيسفر عن رئيس جديد وبكل شفافية وروح حضارية وحدث بعد ذلك خلاف في الالية التي يمكن ان يتبناها الاقليم في عملية الانتخاب.. فهل يتبنى قانون رئاسة الاقليم رقم 1 لسنة 2005 اي انتخاب رئيس الأقليم مباشرة من قبل الشعب او بحسب رغبة بعض الاحزاب التي تطالب بانتخابه من قبل البرلمان.
الحقيقة ان من يمعن في هاتين الآليتين من الانتخاب يدرك جيداً ان من يرغب في العودة الى الجماهير في الانتخاب هو الأقدر وهو الأكثر شعوراً بالتقبل الجماهيري له ودرجة التحدي والمنافسة عالية عنده واما من يرغب في ان يجري الأنتخاب في البرلمان فهو من يشعر بافتقاره للجماهيرية وحب الشعب له ويشعر بضعف شديد في مستوى التحدي والمنافسة ولهذا فهو يعول على نشاطات ما وراء الكواليس وعقد الصفقات انه مزاد سري لبيع موقع الرئاسة على حساب الشعب من خلال اغراءات ومحاولات شراء ذمم فلان او علان اما الشعب فهو بحر لا يتجرأون العوم فيه. وهكذا بدأت الماكنة الاعلامية للاخوة المعارضين في البرلمان تجأر بالصافرات وملأت الأقليم حديثاً واقاويل كلها على طريقة ( ولا تقربوا الصلاة) معلومات مجتزأة وتعليقات غير منصفة وغير واقعية والتفافات سفسطائية على الحقائق وهروب واضح من الشعب ولعل رمي قناني الماء والشتائم كانت تدل بوضوح على سياسة (قلب المائدة) التي يتبناها دوماً المقامر المفلس على مائدة القمار وحاشا ان يكون البرلمان قاعة قمار لكنهم ارادوه على هذه الشاكلة للأسف.
لقد اصدر برلمان كوردستان وهو اعلى سلطة تشريعية في البلاد مثلما في كل العالم، قانونين يمدد بموجبهما مدة البرلمان ورئاسة الاقليم ولا ندري اليس المفروض بالأقلية البرلمانية ان تحترم مشيئة الاكثرية، أليست هذه الديمقراطية؟ ام ترى إن الصافرات وقلب الكراسي هي التي تحسم مصير الديمقراطية في الأقليم؟
الا يجدر بنا ان نحترم البرلمان وقوانينه التي لم تستجد وتشرع الا لبعد نظر في ما قد تؤول اليه الأمور لو سارت بالأتجاه الذي ترغب فيه المعارضة التي قد اختلف عندها مفهوم المعارضة فعادت تعتقد ان كل ما هي ترتئيه ليس صواباً فحسب بل يجب ان ينفذ من قبل الأكثرية. اليس من واجب رئيس الأقليم ان ينظر بجدية الى ما صدر عن البرلمان من قانونين وحقيقة نحن لا نحسد الرئيس البارزاني على قدر ما يخصه بالقانون الذي مدد رئاسته وجرى التشاور بشأن اصداره وهو خارج البلاد لأن القانون وعلى سلامة النية ورجاحة الفكر البرلماني في التعامل مع الأزمة التي خلقها البعض وخشية ان تتعمق، فقد وضع القانون سيادة رئيس الاقليم في مأزق كان الخروج منه دليلاً على نباهة وسمو ادراك سيادته ودل على مدى القدرة لتحمل المسؤولية والتعامل مع الأزمة من دون التحيز لحزب او لجهة من دون الأخرى وحقيقة كلما فكرنا في الحل الذي خرج به الرئيس البارزاني في كيفية التعامل مع الموقف الذي آل اليه ومفاجأته به بعد عودته الى الوطن وجدنا كم كانت تلك الايام قبل اعلانه لقراره الأخير في رسالته الاخيرة اياماً عصيبة محيرة.
ولكي يكتسب رأيه الذي تحول الى قرار فأنه وكما جاء في رسالته لم ينفرد فيه بل ركن سيادته الى عدد من المشاورات وتبادل الاراء في اتخاذ القرار النهائي.
في حوارات اخوية جرت بيني وبين عدد من الاخوة العرب والكورد وجدت ان هناك حقيقة مغيبة عن الكثير في رسم صورة الموقف البرلماني وما حدث وما توصل اليه من قرار.. وقد اشار الرئيس البارزاني الى ذلك بوضوح في رسالته فليس الأمر كما يعتقد البعض خلافاً بين المعارضة من جهة والحزبين الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني من جهة اخرى ، نعم الصورة الحقيقية ليست كذلك فهناك عدة احزاب مناضلة كان لها دورها النضالي الواضح والمميز ايام الظلم والقهر وهي بدورها لها رأيها ووقعها ووزنها في البرلمان وهي ليست مع رأي المعارضة وتوجهاتها ابداً.
وللأسف فأن المعارضة اخذت تستخف بهذه الكتل السياسية وارائها ولا نفهم كيف يمكن لكتلة نيابية تسعى الى التغيير لكنها لا تستطيع تقبل الآخر؟
لقد نجح الرئيس البارزاني حقاً في تلافي حدوث اي فراغ قانوني او دستوري كان يمكن ان يقود الاقليم الى مشاكل مستعصية -لا سمح الله- ومن هنا جاء توقيعه على قانون تمديد مدة برلمان اقليم كوردستان وكذلك التوقيع على تمديد ولاية الرئيس باجماع كل القوى السياسية المنضوية تحت قبة البرلمان الى حين توصل البرلمان القادم (الدورة الرابعة) الى ايجاد آلية سريعة بعد انتخابات 2013/9/21 للتوصل من خلال توافق المكونات البرلمانية وباقل من سنة الى تعديل مشروع الدستور وآلية انتخاب الرئيس ومن ثم الشروع بانتخاب الرئيس الجديد.
لانعلم ما هو الحل البديل الامثل لهذه المشكلة سوى ما قدمه الرئيس البارزاني من حل لايخرج قطعاً عن الاصول البرلمانية مع اعلانه الصريح عن عدم تأييده اسلوب وجوهر القانون الذي لم يوقعه سيادته.
هنا لابد من الاشارة الى شعور البعض بلا تقليدية الحل .. نعم جاء الحل مفاجئاً للكثير وخارج التوقعات علماً بأننا لم نكن نحمل حلاً قاطعاً في اذهاننا وهنا لابد ان نؤكد ان حلول الازمات الطارئة وخاصة المفتعلة تفاجأ بحلول غير تقليدية وهذا هو الحل غير التقليدي في ادارة الازمة.
ختاماً نحن على ثقة تامة ان الرئيس البارزاني زاهد في كل منصب وهو في ضمير شعبنا الكوردي اكبر بكثير من اي منصب وان نسبة كبيرة جداً من شعبنا الكوردي تتمنى ان لا ترى الرئيس مسعود بارزاني رئيساً لاقليم كوردستان وحسب بل رئيساً لدولة كوردستان وان رئاسة الرئيس مسعود بارزاني من عدمها لا تغير من ضمير شعبنا الكوردي ازاءه ولكن سؤالاً يلح في العقل الجمعي الكوردستاني مفاده من البديل القادر على حفظ الموازنات السياسية والاجتماعية والعشائرية والمدنية في كوردستان التي امسك بها الرئيس مسعود بارزاني بجدارة من خلال تراثه النضالي وخبرته وقدرته على التحمل واحترامه لكل المكونات وحظوته بحب الناس له؟ .. ياسادة المعارضة لماذا تخشون الركون الى الشعب بانتخابات مفتوحة.. سؤال نعم مجرد سؤال؟؟




