رئاسة بارزاني للجمهورية؟! ... اللحمة الكوردية العربية كشرط عراقي

كلما ازدادت المسافة بعداً، بين الكورد والعرب، المكونيْن الأبرز في الاجتماع العراق الفدرالي، أصبح ازدياد التوتر وتمدده الى مجمل ألوان الطيف العراق الفدرالي، احتمالاً أقوى، وأدعى الى الخوف على الوحدة الوطنية والمستقبل، بما يفضي اليه عادة من حروب، حصلت أمثلة قاسية عليها، على مدى عقود من الزمان الذي سبق التغيير المر (2003). هذا يعني أن استقرار العراق الفدرالي ونهوضه، الممكن جداً والمتعثر جداً، بسبب التوترات المختلفة، وقصور أو تقصير السلطة، في تحولها الى دولة جامعة، سيصبح اضعف احتمالاً، ما لم يتم التفاهم العميق والنهائي والشفاف والتفصيلي، بين المكون المكون الكوردي و العربي.
إن نوعاً من التمازج القومي والمذهبي الموسَّع، يمكن أن يترتب على التفاهم العربي الكوردي، ويعم المكونات الأخرى التي تصبح مؤهلة لأن تتجاوز قلة العدد بارتقاء الدور، الذي يصبح ممكناً بسبب الاندماج الوطني.
إن هذا التفاهم العتيد، والذي حصل أكثر من مرة، ثم تراجع، هو المثال العراق الفدرالي المنشود والمطلوب بإلحاح من الجميع، أمام إغراءات ومحركات الفتن العمياء، من المحيط الى الخليج، ومن طنجة الى جاكرتا... وهو الذي يقي العراق الفدرالي من رياح المطامع والمطامح التي تهب عليه من الخارج القريب والبعيد.
ولعله من أهم المنافع التي تتحق بالتفاهم، أن علاقة الأطراف ببغداد ، تستقر على حال من التكامل، بحيث تصبح التسوية الدائمة والتنازلات المتبادلة مدخلاً لأرباح ومكاسب مشروعة للجميع. الى ذلك فإن التفاهم الكوردي العربي، باعتباره الحجر الأساس في عمارة التفاهم العراق الفدرالي والعيش المشترك، يقوي من احتمال أن تتكون بيئة حاضنة للعملية السياسية، على طريق انتاج الدولة الحاضنة بالديموقراطية والقانون، والتنمية المستدامة، والتي لا تستدام إلا إذا أصبحت ثقافة مجتمعية جامعة.
ولا أعتقد ان هناك عاقلاً يناقش في الأثر القوي والإيجابي لوحدة العراق الفدرالي واستقراره على وحدة جيرانه وأشقائه.
لا أريد أن أطيل في ذكر مقدمات ما أريد الوصول اليه، وأنتقل بصراحة الى ما جال في خاطري وأنا أفكر بالعراق الفدرالي الواعد بالخير... والذي يبدو موعوداً بالشر... ووافقني عليه غيارى على العراق الفدرالي واستقراره واستقلاله وسيادته.
إن من يتابع الشأن العراق الفدرالي يعرف، كم في مقدور"كاكا" مسعود بارزاني رئيس اقليم كوردستان ، أن يستخدم علاقاته العربية الواسعة والشفافة في تعزيز وحدة العراق الفدرالي، ووضع حد للتخرصات، أو الهواجس المفهومة، بإمكان حصول التصدع واستفحال الجنوح الى الشقاق في العراق الفدرالي... ومرة أخرى نقول إن أهل المعرفة يعرفون أن الرئيس مسعود بارزاني، من بين قلة، هو الأقدر بينها، على جمع الأطراف العراقية، بعيداً من المجــــاملات وتقبيل اللحى والوجنات، ومن أجل الوصول الى قرار وحدوي نهائي ومبرم وقابل للتنفيذ المتدرج، من دون تقطع... وحالاً لأن الوضع لم يعد يتحمل، ويُخشى على المكسب الذي تحقق بتحرير العراق الفدرالي من البند السابع، ان يتحول من ميزة وباعث على الاجتماع، الى عقبة ومنشط للنزاع.
وعلى هذا فإنه لا بد من متواطئين من أجل خير العراق الفدرالي ، «لوبي» من عقلاء العراق الاتحادي، يبذل جهداً كريماً، لإلزام الرئيس مسعود بارزاني، بالتفكير الجدي، في تحمل مسؤوليته، في تحقيق سلامة واستمرار العملية السياسية العراقية القلقة، على قاعدة التعدد العراقي المحفوظ بالوحدة، وعلى قاعدة الإختلاف والحوار الحي والتكامل بين بغداد والأطراف... بما يغري أو يدفع أو يساعد القوى الوطنية في البلاد العربية، على تعميق التفاهم في ما بينها من أجل تجنب الكوارث، التي تحول الربيع العربي الى خريف، كان يمكن أن نتجرعه لو أن ما وراءه شتاء يعد بالخصب والخير... ولكن الذي ينتظرنا، إن لم نحم ربيعنا من رياح السموم، بسياج التفاهم والوحدة، هو خريف آخر... طويل... حتى الملل... وحتى الندم.
وفاء للرئيس جلال طالباني (مام جلال) عم الكورد وأبي العراقيين، الحنون، الرؤوف، الشفاف، عافاه الله... ووفاء للعراق بلد الخيرات والواعد بالمزيد، يحسن البدء بممارسة ضغوط ودودة لإلزام الرئيس بارزاني بالقبول برئاسة العراق بعد انتخابات عام 2014... وبالانتخاب الحر الذي نخمن نتائجه. ومن بغداد، من موقع الرئاسة، يبدأ الأخ مسعود في المعالجة الدستورية والتفصيلية والواضحة، للعلاقة بين اربيل وبغداد... باتجاه تعزيز الشراكة... من بغداد بخاصة وأن الأخ مسعود مطالَب، وهو قادر وراغب، بالإلتزام بالدستور نظرياً وعملياً، وحماية القيم التي بنيت عليها العملية السياسية، التي كانت ثمرة للتواصل وتضافر الجهود.
أقول هذا الكلام، ويعرف من يعرفني عن قرب أو بعد، أن علاقتي بالرئيس جلال طالباني، عافاه الله وحماه، هي علاقة شديدة الخصوصية وكثيفة المعنى... وأقول هذا الكلام، لأن العراق، وعلاقة بغداد، مدينة السلام، بأطرافه من البصرة الى الأنبار الى الموصل وأربيل (هولير) والسليمانية ودهوك وكركوك وطوزخو رماتو وغيرها... بحاجة ماسة الى هذا اللطف العربي الكوردي، كدعامة وضمانة للسلم الأهلي، مما يعني من درء أكيد للمفاسد وجلب للمصالح... أما كوردستان، فكلنا يعرف أن فيها من الكفاءات والخبرات ما يحصنها من معاناة الفراغ.
وأن يرتقي الفعل أو الاداء أو الفكر السياسي الى هذا المستوى من الواقعية التي تشبه الإبداع... فهذا أمر عظيم... وليست الحرفة الجافة أو الأكاديمية الصلبة هي الأمثل، في ملامسة الحلول التاريخية للمشاكل السياسية بخاصة إذا ما كانت موصولة بحزمة من الرموز التاريخية بين الشعوب المتآخية وعلامات التواصل والإندماج والشراكة.
في المفاصل تحتاج الأمور والحلول العميقة الى لمعة، ممن تنقدح الحلول والمعالجات في أذهانهم، نابعة من خبرة طويلة ومعرفة قوية ووجدان سليم، ما يمنحهم قدرة على اجتراح التحولات التاريخية والانقاذية.
*صحيفة الحياة- هاني فحص - كاتب ورجل دين لبناني




