الموجهات او العناصر الاساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية في العراق
سأتكلم في هذا المجال كما تعتري التنمية الاقتصادية عندنا في العراق من تحديات ومظاهر سلبية مؤسفة وذات آثار قريبة وبعيدة يصعب التغلب عليها وأحتواؤها بسهولة وفي فترة قصيرة.
وهنا أجد نفسي انه من الضروري ان اتعرض لما هو المقصود بالانماء والتنمية وكيفية تحققها وتطويرها.
فكما نعلم أن النمو الاقتصادي يتحول بالضرورة الى تنمية قومية عامة وشاملة باستيفاء عدد من الشروط او العناصر او الموجهات، في مقدمتها أن يوجد في البلاد نمو متواصل ومستمر لا تتخلله اي تذبذبات وأن يكون نمواً ناتجا عن ارادة المجتمع ومؤسساته العامة.
وكذلك يجب ان ينطلق هذا الانماء التنموي وفق مجالات او قواعد شاملة قدر الامكان واعني بذلك عدم محدودية الموارد الأولية والبشرية فكلما كثرت هذه الموارد وكثرت المجالات او القطاعات التي تسهم في ذلك كلما كان الاداء التنموي افضل واكثر نمواً واتساعا وتطوراً.
وهذا ما يفسح المجال لاكبر عدد من المشاريع بأنواعها المختلفة وفي جميع ارجاء البلاد، أن تزدهر وتتقدم باسهاماتها ونتائجها الاقتصادية والاجتماعية.
أننا لو ألقينا نظرة فاحصة وشاملة الى الوضع الاقتصادي السائد في بلادنا، وجدنا أنه بالرغم من بعض المحاولات في اقامة بعض الصروح الصناعية، فأنها لم تصل الى ما يراد من الطموحات.
فما يزال اسهام القطاع الصناعي (عام وخاص) بمجمله في الناتج القومي الاجمالي ضعيفا او لا يكاد ان يذكر.. أما الزراعة فنصيبها أسوأ وهو يسجل ادنى معدلات لنمو في الاقتصاد العراقي.
ومما يزيد من خطورة الأمر ان العراق وكذلك معظم البلدان العربية منكشفة غذائياً بدرجة واخرى اي بحاجة ماسة الى المواد الغذائية وبأنواعها المختلفة.
وتدل الاحصائيات بأننا كنا ومانزال مستوردين اساسيين للحبوب (القمح) والرز وجملة من المواد الغذائية، وهي في الغالب مرتبطة بشروط سياسية او تعجيزية.
2-هذا عن العنصر الاول، ويأتي بعد ذلك العنصر او الموجه الثاني لتحقيق التنمية وهو يمثل زيادة او ارتفاع القدرة الذاتية الانتاجية وبالطبع لا يكون ذلك الا من خلال توفير التعليم والتدريب المهني اللائقين.. وأن ايجاد او خلق الكفاءات والمهارات المهنية والحرفية الخلاقة ومن خلال النمو الواسع للموارد والقوى البشرية، وأمتلاك القدرة التكنولوجية الذاتية واعني بها اكتساب القدرة التكنولوجية وتقنية المعلومات بما يعززها العلم والبحث والاختبار والتدريب والتعليم بالتجربة والخطأ، وليس عن طريق الاستيراد فالتقدم التكنولوجي لا يتحقق مهما كثرت عدد الطائرات والسيارات والآلات والاسلحة المتقدمة، وما الى ذلك، طالما أن المعطيات البشرية والمادية متخلفة.
وخير مثال على صحة ما نقول، اليابان وكوريا الجنوبية وهكذا نجد ان التقنيات والمعرفة العلمية الواسعة تعد احد الشروط البديهية للتنمية القومية التي ننشدها ونريد الوصول اليها.
3-اما العنصر او الموجه الآخر لتحقيق التنمية فهو ان الانماء والتنمية ينبغي ان يرافقها اتساع فرص ومجالات العمل المنتج والمجزي وكذلك وسعة حجم العمالة الى القدر المتاح.
فالأنماء او التنمية اذا رافقها بطالة متزايدة ومتفشية لا تكون تنمية بمعناها الحقيقي الذي نريده او نسعى اليها.
4-الشرط او الموجه الرابع لتحقيق التنمية لكي تكون التنمية حقيقية يجب ان تتخذ الاجراءات الاقتصادية والمالية والتنظيمية التي من شأنها تضييق الفجوة التنموية داخل البلاد.
اي تضييق فجوة القدرة الانتاجية والقدرة على الاداء الاقتصادي، وبما يرافق ذلك من رفع مستويات الدخل والثروة.. هذا على الصعيد المحلي أما على المستوى الاقليمي والدولي، فنحن بحاجة ماسة للمزيد من التدفقات المالية الاستثمارية او التنموية من بلدان السعة المالية.
وكذلك نحن مضطرون ايضا وبجاحة ماسة الى تدفق القوى العاملة من البلدان ذات السعة البشرية والشحة المالية.
*اما العنصر او الموجه الخامس: فلكي تتوفر التنمية الحقيقية علينا ان نزيد من قدرة الحكومة على توفير الحوافز والاطر الفنية والتنظيمية اللازمة للتنمية.. أن العراق يعتمد في توفير هذه المستلزمات على البلدان ذات القدرة والكفاءة الانتاجية العالية لأنه مايزال بعيداً عن الأنماء والتنمية الحقيقية.
*سادسة الشروط او الموجهات هي ضرورة ترسيخ قاعدة المشاركة في وضع التصورات والأفكار، ثم اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي اللازمين والمناسبين. لانه اذا لم يتح المجال لمشاركة واسعة النطاق، فلا يكون بالأمكان بلورة الافكار والتصورات والخطط الانمائية بالصورة الصحيحة المناسبة والتي تستجيب لحاجات ومطالب وتطلعات المجتمع.
وبذلك لن يتوفر الألتزام بالاعباء والجهود التي تتطلبها المواصفات السليمة للتنمية.
*هذا وهناك شرط او عنصر آخر كمدخل او موجه اساسي للتنمية ومفادها انه لا يمكن ان تكون هناك تنمية حقيقية مع وجود وبقاء حالة التبعية الاقتصادية للبلدان الصناعية المتقدمة.
ولا يخفى ان هذه التبعية ذات الابعاد الخطيرة تتخذ اشكالاً وصوراً متعددة.
فهي تبعية تكنولوجية وتبعية معلومات، وتبعية الاستيراد والتصدير التجارية، وتبعية ذات الصفة الادائية، اي قروض مالية، وكذلك تبعية فكرية وثقافية وفي الحقيقة نحن لا نستورد فقط انماطاًً من السلوك والمواد والسلع الاستهلاكية، وأنما نستورد انماطا مختلفة من الثقافات والافكار وهذا هو مكمن الخطر فيما نريد ان نحققه من تطور بالمعاصرة والتحديث والحداثة التكنولوجية والأنماء الاقتصادي والاجتماعي.
*والنقطة الاخيرة التي اريد التعرض لها هنا هي ان من اهم مرتكزات التنمية السليمة وجود الاستقرار واعني بذلك الاستقرار الناجم عما يعرف بالتوافق، مما يؤدي الى الأنسجام والتماسك الاجتماعي. وهذا عنصر مهم من عناصر وموجهات الانماء والتنمية ووسيلة تحقيقه هي الحرية والمشاركة الفعلية العالية والتمسك بالنظام الديمقراطي وسيادة القانون.
هذه بعض التصورات عن مفهوم الانماء والتنمية وبنائها على أسس ومواصفات سليمة ورشيدة وحكيمة.. يبقى بعد ذلك التأكيد أن هذا كله لا يمكن ان يحقق التطور المنشود اذا لم تكن لدينا ارادة العمل الجماعي ضمن تصور وطني واضح ومتكامل لما نريد، وضمن اهداف وخطط نحددها بدقة ووضوح.




