المحكمة الدستورية في العراق ومبدأ سيادة القانون
يمكن القول بانه مهما كان للطبيعة القانونية لوظيفة المحكمة الدستورية عندنا في العراق في رقابة دستورية القوانين من اهمية من الناحية النظرية ، فانه مما لا جدال فيه ان المحكمة لا تعتبر جهة قضاء عادية ، اي جزءا من السلطة القضائية ولا تدخل في نطاق الهيئات القضائية بأي شكل من الاشكال . ذلك انها لاتدخل في مجال سلطات الدولة التقليدية ، وانما تعتبر سلطة قائمة بذاتها تقوم بدور جوهري عهد اليها الدستور الجديد هو كفالة احترام الدستور في شتى المجالات والامور .
ويبدو ان تكوين المحكمة الدستورية احدث ما يشبه الهزة في نظام الدولة العراقي الذي استحدثه ، كالدستور الجديد والذي ينص على ان العراق دولة ديمقراطية وشكلها نيابي .
اذ لم تقابل المحكمة في اول عهدها بالترحيب لا من قبل السلطات السياسية ولا من لدن كبار رجال القضاء في القضاء العادي كما قابلها معظم اعضاء البرلمان والبعض من اعضاء الحكومة بغير قليل من الارتياب ، لتوجسهم من اي عقبة تقوم في سبيل ممارستهم لنشاطهم السياسي والتشريعي في حرية كاملة .
وكان لهذا الشعور صداه فيما اتخذوه من مواقف تدرجت من التوتر الى النقد ثم الى الصراع الصريح في بعض الاحيان مما انعكس اثره على قضاء المحكمة . واصبح عنصرا مميزا من عناصر الحياة العامة في العراق ، وواقعا قائما في ميدان هذه الحياة .
والواقع انه قد يكون (للبرلمان) بعض العذر في ان يرى في المحكمة الدستورية منافسا . ذلك ان جوهر الديمقراطية في النظرية الغربية التقليدية ، وسواء كانت هذه النظرية صحيحة ام غير صحيحة ، هو ان الشعب مصدر السلطات وانه يفوض في ممارستها نوابه الذين ينتخبهم ليمثلوه في المجالس النيابية ، بحيث اذا قبل (سيادة الشعب) وجب ان يقال (سيادة البرلمان) مجسدة في الاغلبية البرلمانية ، ومن ثم سيادة ما يسنه هذا البرلمان باغلبيته من قوانين دون منازع له في ذلك . وقد يكون للبرلمان بعض العذر فيما يحسه وفيما يتخذه لنفسه من مواقف ازاء المحكمة حسب هذه النظرية .
اذ قد يرى فيها سلطة خولت رقابة دستورية القانون دون ان تكون مفوضة ومنتخبة من الشعب بطريق الانتخاب المباشر لتقوم بهذه المهمة .
على انه يبدو ان الدستور العراقي الجديد لم ينظر الى الديمقراطية وفق المفهوم القديم ، وانما استحدث مفهوما جديدا للديمقراطية حين قرر ان السيادة للشعب ، مما يترتب عليه الا تكون ثمة سيادة لاحد او جهة سواه حتى ولا للبرلمان . كما انه تضمن نصوصا كثيرة تتعلق بضمان حريات الافراد في الوقت الذي كفل كذلك حقوق الاقليات والمذاهب الدينية والفئوية .. وكذلك يبني من استقراء جملة نصوصه بشأن سلطات الدولة وخاصة السلطة التشريعية ان البرلمان لم يعد قائما على مبدا (الاغلبية البرلمانية) بقدر ما يقوم على (التوازن بين القوى السياسية) . وان رئيس الدولة اصبح يقوم بدور فعال تقريبا في النظام الجديد لا ينبغي الحد من قيمته . وكل هذا يؤدي بالضرورة الى ان النظام الذي استحدثه الدستور ليس ديمقراطية مطلقة وانما ديمقراطية (ليبرالية) .
ومن هنا يصح القول بان انشاء المحكمة الدستورية في العراق وما خولها اياها الدستور الجديد من اختصاصات ولا سيما فيما يتعلق بالرقابة على دستورية القوانين يتفق تماما مع النظرية التي تحكم نظام الدولة باعتبار المحكمة هيئة دستورية من نوع خاص منفصلة عن سائر سلطات الدولة الاخرى ، وقائمة بذاتها ومستقلة تمام الاستقلال عن غيرها ، مهمتها المساهمة في منع او وقف كل انحراف محتمل عن نصوص الدستور ومبادئه .
جریدە التاخی




