الرئيس البارزاني: كنت وسأبقى بيشمركه.. وسأدافع عن طموحات الشعب في أي منصب كنت

كتب: مال اللــه فــرج
تفجرت في الشارع الكوردستاني بقوة، الآراء والناقشات والتوقعات ووجهات النظر المختلفة حول آلية وقواعد وشروط ومحددات الترشيح لرئاسة الاقليم حال تحديد مواعيد الانتخابات في كوردستان عبر قنوات سياسية وأجندات مختلفة، لترفع من درجة سخونة الاجواء السياسية التي باتت تعصف بالبلاد في ظل تفاعلات الازمات المتداخلة ودوامات البحث عن مخرج حقيقي منها يرضي جميع اطراف الازمة او على الاقل معظمها.
فيما حاولت جهات سياسية تحويل هذه التساؤلات، سواء النزيهة منها أم تلك التي تخفي في طياتها اهدافا واتجاهات معينة ربما لارباك المشهد السياسي في الاقليم، اطلاق ادخنة الشكوك والتوجسات مما يقود الى تحويل هذه الممارسة المتعلقة اساسا بقواعد القيم والركائز الديمقراطية المنبثقة اصلا عن الارادة الجماهيرية الحرة اولا واخيرا، الى معضلة حقيقية تستقطب اهتمامات الرأي العام وتغطي بتفاعلاتها على كل الازمات والمشاكل والتحديات الاخرى، فقد بادر الرئيس البارزاني، وكعادته في الامساك مباشرة بمركز الازمات حال انفجارها، بقوة وعقلانية وبشكل مباشر ووضع الحقائق كاملة امام انظار الرأي العام، وبما يسقط كل اهداف ومحاولات التضليل وحرف الحقائق عن جوهرها، بادر الرئيس البارزاني الى ايضاح موقفه من عملية الترشيح ببساطة وموضوعية، في مقال أكد فيه ثوابت اساسية وحقائق موضوعية ووضع النقاط على الحروف، واوصد الابواب امام كل محاولات التشوية المتعمد التي ربما يحاول البعض توجيهها للعملية الديمقراطية ومساراتها، مؤكدا في كل ذلك على ان القاعدة الاساسية في كل التحولات والاجراءات والممارسات والمواقف الديمقراطية يجب ان تنطلق من الشعب مباشرة، وان تكون ترجمة امينة وحقيقية لارادته، وان أي اجراء يحاول القفز على الارادة الشعبية، او تحريفها او التنصل منها او اغفالها لا يمكن ان يمت للديمقراطية، ولا للارادة الشعبية بصلة.
ولعل في الوقوف مباشرة امام ابرز ما تضمنه مقال الرئيس بارزاني ما يلقي الاضواء مباشرة على موقفه من هذه الآراء وما ينير الطريق قبل هذا وذاك امام الرأي العام لتلمس حقائق الازمة وابعادها وموقع مصالح كل الاطياف الكوردستانية منها، وهو يؤكد في ابرز محاوره على:
- أنه ليس رئيساً بل كان وسيبقى بيشمركه، فهو لا يرى اي موقع أقدس من هذا الأسم، وفي ذلك انحياز مبدئي لمبادئ وقيم النضال بكل ما تنطوي عليه من تضحيات ومشاق وتحديات، دون التفكير بالموقع الرئاسي، وهو بذلك يؤكد على حقيقة ان خدمة مواطني الاقليم وكرامتهم بنظره أسمى من كل المناصب والمواقع.
- وردا على بعض الاطراف ومحاولاتها التضليلية للرأي العام وإدعاءاتهم بتمسكه بموقعه الرئاسي، اكد صراحة وبوضوح بأنه لم يطالب لا بتعديل قانون رئاسة الأقليم ولا بتمديد فترة ولايته أو تمهيد الطريق لإعادة ترشيح نفسه لرئاسة الاقليم، وبذلك ومن منطلق نظرته الى أي موقع عبر منظار نضالي، شدد الرئيس بارزاني على ان هدفه ليس موقعاً أومنصباً بل إن هذا الموقع هو مجرد وسيلة لخدمة الشعب والوطن، وانه سعى بامانة عبر هذا الموقع للحفاظ على سيادة شعب كوردستان بعيداً عن الضغوط والصراعات الحزبية.
- كما اوضح ان السبب الرئيس في قبوله بهذا المنصب كان بهدف ضمان الإنتخاب المباشر من قبل الشعب، حيث ان المعيار الاساس لشرعية الموقع بالنسبة له كان وما يزال ينطلق من تأييد ورضا غالبية الشعب العظمى، مشددا في الوقت نفسه على عدم استعداده تحت أي ظرف مهما بلغت قسوته أم ميزاته واغراءاته لتشويه سمعته والماضي النضالي لأسرته من اجل أي موقع أو منصب.
- ويرى الرئيس بارزاني بتقييمه الموضوعي للتجربة الكوردستانية التي نجحت وبعد التضحيات الجسام في تثبيت وإقرار كيان سياسي حيوي في الاقليم، قابل للحياة وللتطور وللوقوف بكفاءة الى جانب التجارب الاخرى في المنطقة، فإن الأصح والافضل أن يحافظ الجميع على هذا الكيان وتطويره وليس الخلط بين الأبيض والأسود في التوجهات والعمل على وفق نهج وفكر يدمر وطناً من اجل إسقاط سلطة.
- وحيث يوضح ان نظام الحكم في الأقليم ليس رئاسياً وهو لم يتأسس من اجل شخص واحد سواء أحسن ذلك الشخص أم أساء، فإنه يؤكد في كل ذلك على أن الهدف لاي شخص يتولى مثل هذا الموقع الحيوي او سواه يجب ان يكون اولا ودائما وقبل كل شيء احترام اراء المواطنين وتمكينهم من تولي مصيرهم بأنفسهم.
- ولم يفته من جانب آخر أن يؤكد حقيقة موضوعية كثيرا ما يسقط في هوتها قادة ورؤساء جاءوا تحت شعارات الديمقراطية وتحقيق مصالح شعوبهم واذا بمغريات السلطة ومداخلاتها وربما المصالح الحزبية والذاتية تدفع بهم في اتجاهات معاكسة، مشددا في ذلك على ان اغتصاب حقوق المواطنين انما يمثل خطوة نحو التفرد الشخصي والحزبي، منوها في الوقت نفسه الى انه إذا كانت مسودة الدستور لم توضع موضع الإستفتاء فإن الدستور وصياغته قد سارا بشكل اعتيادي وإنسيابي وعلى المواطنين أن يقرروا المصادقة على الدستور من عدمها.
- ومن موقع المسؤولية النضالية في الالتزام المبدئي دائما باحترام ارادة الشعب وعدم القفز فوقها، او تغييبها او تجاهلها تحت اية ذريعة او أي مبرر، فقد حذر بدقة ووضوح من مسألة في غاية الحساسية، بل وربما في غاية الخطورة عند تعلق الامر بقضايا ستراتيجية او جوهرية ،تلك هي اقدام الأطراف السياسية على اتخاذ قرارات والمصادقة عليها نيابة عن المواطنين، وتندرج في ذلك عملية المصادقة على مسودة الدستور، حيث ان موافقة او مصادقة الاطراف السياسية على مسودته لا اساس او سند قانوني لها، بل هي مخالفة لإرادة الشعب وقواعد الالتزام بالفكر الديمقراطي ذلك لان الاستفتاء الشعبي العام المباشر هو الذي يمنح مسودة الدستور شرعيتها ويحول المسودة الى دستور نافذ اذا اقترنت نتيجة الاستفتاء بموافقة الاغلبية الشعبية صاحبة المصلحة الحقيقية في تنظيم حياتها السياسية وخياراتها في انظمة الحكم وفق ارادتها، مؤكدا في الوقت نفسه على حقيقة موضوعية عبر منظار ثوري يتعلق اولا واخيرا بالمصلحة العامة، تلك هي عدم اهمية من الذي يتولى أي منصب او موقع رسمي ،بالاخص اذا كان يحظى بالتأييد الشعبي، ويلتزم مصالح الشعب بكل اطيافه وتوجهاته وانتماءاته وفقا للدستور وللمنظومة القانونية القائمة، لأن الاهم هو المصلحة العامة والامانة والحصانة والنزاهة في خدمة الشعب والوطن، بما يستلزمه ذلك من الاطراف السياسية كافة ومن المواطنين بشكل خاص من توظيف وعيهم الوطني في تصعيد وتائر الحيطة والحذر تجاه اية محاولة مهما كان شكلها او لونها او ادواتها او توجهاتها قد تستهدف السعي، سواء بشكل مباشر او غير مباشر، لعرقلة او ايقاف مسار الاقليم المتقدم الى امام باتجاه مواجهة مختلف التحديات وعبورها وانتزاع فرص جديدة في البناء والاعمار والتنمية ومعالجة الازمات واغناء التجربة الحضارية للاقليم التي بنيت وتعززت بنضال وتضحيات وعطاء جميع اطياف المجتمع الكوردستاني لتمسي حقيقة متوهجة على الارض بعد ان كانت حلما ربما بعيدا في اذهان الاجيال الماضية، مما يتطلب بالمقابل تكاتف وتلاحم كل الاطراف والقوى والاطياف في العمل على ديمومتها وإغنائها والدفاع عنها لانها ثمرة نضال الجميع وضمانة مستقبل الجميع.
- في ضوء كل ما اشرنا اليه، وتأكيدا لالتزامه بالموقف الشعبي الذي يملك وحده شرعية القرارات الستراتيجية في غياب دستور مقر من الشعب نفسه، لم يفت الرئيس بارزاني أن يؤكد، ويستذكر أنه سبق أن طالب في كل المناسبات ومنذ عام 1991 بالعودة الى ارادة الشعب الكوردستاني مجسدا ايمانه بحقيقة أن الشعب في القيم الديمقراطية هو مصدر السلطات، وان لا إرادة يجب ان تعلو او تتقدم على ارادته او تناقضها، مجددا موقفه الستراتيجي الحاسم الذي عبر عنه موقعيا سواء في ايام النضال الصعبة، أم من خلال تسنمه موقعه في رئاسة الاقليم ممثلا بالتواصل في الدفاع عن طموحات شعب كوردستان في أي موضع او موقع أو في أي منصب كان، داعيا الاطراف السياسية كافة ومن موقع المسؤولية التأريخية الى الالتزام بمصالح واماني ورغبات وإرادة المواطنين وتجسيد ذلك الالتزام بكل امانة وشفافية وليس السير في الاتجاه المعاكس الذي لن يفضي الا الى افرازات ونتائج سلبية، مبينا ان الخوف من الرأي العام انما يعني دليلا على عدم الثقة بالنفس، وقد اكدت معظم التجارب العالمية القديمة والمعاصرة ان الخشية من الرأي العام انما تترجم بعدم القدرة وعدم الاهلية على تقديم ستراتيجيات وبرامج وآليات عمل قادرة على الاحاطة برغبات وتطلعات الشارع الشعبي والاستجابة لطموحاتها واهدافه، فضلا عن أن الشعوب امست من الفطنة والشفافية والذكاء، بل والارادة الحقيقية ما يجعلها لا تمنح ثقتها إلا لمن اثبتت التجارب والاحداث والمعضلات والتحديات على الارض مصداقيته ونزاهته وموضوعيته وقدرته على تحمل المسؤوليات الوطنية الجسيمة واستعداده للتضحية بمصالحه الشخصية من اجل خدمة المصلحة العامة وليس تسخير المصلحة العامة من اجل مصالحه سواء الشخصية أم الحزبية، ولعل التحولات الشرق اوسطية في الدول المعنية ما كان لها ان تتفجر بهذا الزخم الكبير والمؤثر لولا اصطدام اشكالية الحكم بمثل هذه المعضلات وشعور المواطنين بأن مصالحهم الوطنية الجمعية تحول القسم الاكبر منها الى مصالح ذاتية لحكامها او لكارتلات سياسية او فئوية داخل منظومة الحكم فيها مما قاد ويقود لاكبر واخطر حالات الفساد المركب وافرازاته المعروفة .
- في خضم هذه المواقف والتحليلات يخلص الرئيس بارزاني الى الوقوف في قلب الموضوعة الحاسمة تلك هي موضوعة الاستعدادات الجارية للانتخابات القادمة التي باتت كوردستان تقف على ابوابها، والموضوع الاشد سخونة فيها، الا وهو انتخابات رئاسة الاقليم والجدل المحتدم حول ذلك، ليوضح ومن موقع المسؤولية بأن المهم ليس من الذي سيتولى هذا المنصب فهذا المنصب لم يصنع لشخص معين، بل المهم هو عدم مصادرة حق الشعب في تحديد رئيس الإقليم وهو حق طبيعي ومشروع، مشددا في الوقت ذاته، على أن العملية الديمقراطية في الأقليم لن تتراجع ابدا، ومنوها بأن أية محاولة لسلب حقوق المواطنين في تحديد مصيرهم هي محاولة ضد المسار الطبيعي لتقدم شعب الاقليم وسيكون محكوما عليها بالفشل.
خلاصة ذلك كله، تمثلت في الحرص المبدئي الكبير للرئيس بارزاني على الاحتكام للشعب في تقرير مصيره بنفسه، وأن لا صوت يجب أن يعلو على صوت الشعب، ولا ارادة يجب أن تتقدم على ارادته، وتلك ابرز ركائز ومبادىء ومقومات الديمقراطية الحقيقية، ألم تؤكد الفلسفة اليونانية قبل آلاف السنين أن الديمقراطية انما تعني (حكم الشعب)؟
* صوت الاخر




