العراق على أعتاب حرب أهلية

ديفيد هيرست*
منذ الغزو الأميركي عام 2003، أصبحت قصة العراق، هي قصةمكوناته الطائفية أو الإثنية الرئيسية الثلاثة: السنة والشيعة، والأكراد. وأصبح السؤال التالي يتردد بكثرة: هل تبقى هذه المكونات معاً في الدولةالعراقية الموحدة التي أنشأها البريطانيون قبل قرن أو يزيد، أم أنها سوفتنفصل عن بعضها لتكون كل منها دولة خاصة بها؟!
لقد كان الاستبداد والحروب والقمع العنيف في ظل حكمصدام حسين والأقلية السنية هي التي حافظت على وحدة البلاد، أو أقله ذلك ماحدث حتى عام 1991 كنتيجة للاضطرابات الإقليمية التي انتهت بعملية «عاصفةالصحراء»، لتحرير الكويت بقيادة الولايات المتحدة، حين اتخذ الأكراد - لأولمرة - نهجاً انفصالياً.
بعد سقوط حكم دكتاتورية صدام، كان يُفترض بهذه المكوناتالثلاثة للمجتمع العراقي أن تحافظ على وحدة البلاد طواعية «في عراقديموقراطي وبرلماني وفدرالي من صنع الأميركيين».
قد صمم الأميركيون شكلاً من أشكال نظام اقتسام السلطةعلى أساس طائفي - إثني شبيه بالنظام المعمول به في لبنان، وهو النظامالديموقراطي الوحيد الفاعل، والقريب من النموذج الغربي في العالم العربي. وينص هذا النظام - كما في لبنان - على «حوار» متواصل ومؤسساتي ضمن مؤسسةالحكم ذاتها وبين ممثلي التجمّعات أو المكونات الثلاثة للمجتمع العراقي. وهو الحوار الذي من خلاله، تسعى كل طائفة للحفاظ على نصيبها «المناسب» منالسلطة والحكم، مقارنة بالمكونات الأخرى.
حوار طرشان
ولكن ذلك لا يمثل النموذج الأمثل للديموقراطية. وقد كشفتاريخ لبنان الحديث أكثر من مرة أنه حين ينهار هذا النظام فانه يقود إلىاندلاع حرب أهلية. ويبدو أن هذا ما يحدث في العراق الآن.
فقد صمم الأميركيون في العراق منذ البداية، نظام حكم لايقوم على توزيع عادل ومتفق عليه للسلطة والأرض والموارد، كما لا ينص علىآلية دستورية وقانونية ومؤسساتية كفؤة لتنظيمها. وأظهر هذا النظام - منذالبداية وبشكل متزايد - عجزه. فقد أصبح «الحوار» بين المكونات الإثنيةوالطائفية في العراق، حوار طرشان، وحواراً بين أطراف غير متكافئة علىالإطلاق.
وللأسف، فالطائفية التي تشكل الأغلبية، قد تمكّنت منالهيمنة على كل شيء في نظام الحكم على حساب الطوائف الأخرى، مستفيدة منثغرات النظام الديموقراطي الجديد في البلاد. حتى إن نظام رئيس الوزراء نوريالمالكي، ذي الأغلبية الشيعية، أعاد النظام الاستبدادي القديم الذي أقامهصدام حسين في العراق. فقد أقام المالكي نظاماً شيعياً ليس في تركيبته فقطمن حيث جعل شخصيات من الطائفة الشيعية على رأس المؤسسات الرئيسية فيالبلاد، كالجيش والشرطة وأجهزة الأمن، بل في روحه أيضاً. وأوضح توصيفللحالة القائمة ما كتبه المعلق العراقي رند رحيّم، بقوله إنه «بدلاً منالعمل على تعزيز وحدة العراق، رسم الزعماء الشيعة مفهوماً للانتقال منالاستبداد إلى الديموقراطية من منظور منتصر ومهزوم، وثورة المظلوم علىالظالم، وسيطرة الأغلبية على السلطة التي تستحقها».
دكتاتورية جديدة
صحيح أن المالكي ربما يكون «منتخباً» في إطارالديموقراطية الجديدة، ولكنه الآن - في نظر خصومه على الأقل - لا يقلدكتاتورية عن صدام حسين. فقد نجح من خلال استكشاف المناطق الرمادية فيالقانون والدستور، في جمع السلطات بيديه تماماً كما كان يفعل صدام. ويبدوأن المالكي لديه ميولٌ طائفيةٌ عميقة، ولديه استعدادٌ - كما كان صدام- لاستخدام هذه السلطات ضد الطوائف الأخرى، بما في ذلك استغلال الجيش - بصفتهالقائد الأعلى للقوات المسلحة - لشن حرب على هذه الطوائف. وفي الواقع،كادت الأمور تصل إلى هذه النقطة في نوفمبر الماضي، حين فشل «الحوار» بينالحكومة المركزية برئاسة المالكي والحكومة الإقليمية للأكراد برئاسة مسعودالبرزاني. فحشد المالكي الجيش على طول الحدود مع الإقليم الكردي، وأصبح فيحالة مواجهة مع قوات البشمركة على الطرف الآخر من الحدود. ولو وقعت الحربفعلاً، فلن تكون بين المتمردين الأكراد والنظام «الدكتاتوري» في بغداد، كماكان يحدث في زمن صدام، بل ستكون - كما أعلن المالكي بنفسه - «حرباً إثنية» شاملة بين العرب والأكراد».
«ربيع» العراق
ولكن الحرب في نهاية الأمر لم تقع، وتمت السيطرة علىالوضع. وعلى الرغم من أن التوترات الإثنية العربية - الكردية قد تراجعت منذذلك الحين، إلاّ أنها شهدت تصعيداً على الجبهة الطائفية بين السنةوالشيعة، لأن العراق شهد فشلاً، منذ ذلك الحين، في إقامة «حوار» ذي معنى فيإطار العراق الديموقراطي الجديد. وليس من المبالغة القول إن العراق- نتيجة لذلك - يقف على أعتاب حرب أهلية.
لقد بدأ السنة في شهر ديسمبر الماضي، وبعد اندلاعالأزمة الكردية مباشرة، حركتهم الاحتجاجية، التي يُنظر إليها باعتبارهاالنسخة العراقية من «الربيع العربي»، وتتركز في الأنبار والمحافظات ذاتالغالبية السنية في وسط البلاد وغربها.
ويطالب هؤلاء المحتجون بإنهاء سياسات الإقصاء والتهميشوالعزل عن الشؤون العامة التي فرضها «النظام الشيعي» عليهم، واستعادةالموقع الذي يستحقونه في نظام سياسي عادل وتمثيلي بحق، حتى لو اقتضى ذلكإسقاط المالكي والإطاحة بنظامه القائم برمّته.
وهناك قيود على الجانبين: فالمتمردون السنة التزموا- حتى الآن - الجانب السلمي في التظاهرات الاحتجاجية والاعتصامات التيينظمونها وطوال عصيانهم المدني.
حسابات المالكي
كذلك، فإن المالكي الذي سخر من مطالبهم، تبنىاستراتيجية الاحتواء الحذر. فهو يتوقع - على ما يبدو - أن يصيب المتظاهرينالوهنُ في نهاية المطاف، وأن التنازلات الطفيفة التي قدّمها لهم ستكونكافية لشق صفوف المعسكر السني، لا سيما على مستوى قيادتهم التي يظن أنهاستعاود التودّد إليه من أجل تحقيق مكاسب شخصية، وهو ما سيعطي نظام المالكيتأييداً سنياً زائفاً، حتى ولو كان جزئياً.
ولكن الانتفاضة، التي كانت في الأساس عفوية و«شعبية»،تواصلت وتوسّعت ثم أصبحت خاضعة بشكل متزايد تحت سيطرة رؤساء العشائروالزعماء الدينيين، الذين كانوا أكثر تشدّداً وتجذّراً في الطائفة السنية،من السياسيين المحترفين والمرتبطين بشكل رئيسي بقائمة «العراقية» التييتزعمها إياد علاوي، الذي حاول قيادة «الحوار» العقيم من داخل النظامالحاكم نفسه.
صحيح أن مصادمات عنيفة وقعت، بين الحين والآخر، بينقوات الأمن والمتظاهرين، إلا أنها على الأرجح لم تكن ممنهجة أو مخططاً لها. ولكن في الثالث والعشرين من ابريل الماضي حدث تحوّل جوهري في طبيعةالانتفاضة. ففي ذلك اليوم، هاجمت القوات الحكومية ساحة الاعتصام في بلدةالحويجة (شمال البلاد)، مما أدى إلى مقتل 50شخصاً بين المتظاهرينوالمعتصمين وإصابة 110 أشخاص بجروح، في الوقت الذي قامت فيه طائراتهليكوبتر بقصف من وصفتهم الحكومة بــ «المتمردين» في قرى أخرى. ويبدو أنذلك الهجوم - واسع النطاق والمخطط له بعناية - استهدف ردع أي محاولة للجوءإلى العنف من جانب المحتجين.
النزعة الانفصالية
وإذا كان هذا هو ما قصدته حكومة المالكي، فإن النتيجةكانت العكس من ذلك تماماً. وما وصفه المالكي بــ «المؤامرة الطائفية» بدأيتحول إلى حرب حقيقية، فقد دعا قادة الاحتجاج ورؤساء العشائر وشيوخ الدينفي المحافظات الشيعية إلى تشكيل «جيش من العشائر» لحماية «الشعب السني» في«المناطق السنية» من ميليشيات نظام المالكي. وقد أعلن ما يسمى «الجيشالنقشبندي» الذي يقوده «بعثيون» وأعضاء سابقون في الحرس الجمهوري إبان عهدصدام حسين، أعلن نفسه راعياً لــ «المقاومة»، قائلاً إن المحتجين السلميينبدأوا الآن «ينضمون إلى جيشنا الذي استكمل استعداداته للزحف إلى بغداد». وقد أصدر الشيخ عبدالملك السعدي - الذي يحظى باحترام واسع، وما زال يدعوإلى الاعتدال - فتوى اعتبر فيها الدفاع عن النفس أمام هجمات القواتالحكومية «واجباً». ووصلت به الحال الى حد إعطاء موافقته على القيام بأعمالعنف، بقوله: «أحرقوا آلياتهم ومن بداخلها!».
ولم تخلُ اللهجة الخطابية للزعماء السنة من «النفسالانفصالي»، علماً بأن السنة - تاريخياً - كانوا الأكثر التزاماً من بينالطوائف والإثنيات العراقية، بالوحدة باسم العراق والقومية العربية، ولكنهماليوم يلمحون إلى ضرورة قيام «إقليم سني» منفصل، أو الإعلان - كما أعلنالمحتجون في سامراء - انه «إذا لم تسقط حكومة المالكي وتحل محلها حكومةمقبولة للسنة، فسوف نحكم أنفسنا بأنفسنا».
حرب المنطقة
وإذا اندلعت حرب واسعة النطاق بين السنة والشيعة، فإنهاستكون الثانية من نوعها منذ سقوط صدام. وقد هُزم السنة في الحرب الأولىالتي اندلعت خلال الفترة 2006 - 2007، لكن سيكون من الصعب التنبؤ بنتائجالحرب الثانية. لأن الحرب هذه المرة لن تقتصر على العراق، بل ستكون الساحةالرئيسية لصراع أوسع نطاقاً يشمل سوريا أيضاً.
والمالكي شخصيا ينظر إلى الوضع على هذا النحو. حين قالإن «الطائفية شر لا يحتاج ترخيصا كي ينتقل من دولة إلى أخرى، فقد عادت إلىالعراق من مكان آخر».
ومن الواضح أنه يقصد بذلك سوريا، حيث يخوض السنة صراعاًضد نظام بشار الأسد، وينظر إليهم سنة العراق كــ «شركاء وداعمين لهم» فيصراعهم ضد المالكي.
وهذا يسبب قلقاً عميقاً للمالكي شخصيا ولمؤيديه الشيعة،لأن ما يحدث في سوريا والعراق قد يمثل نقطة تحول كبيرة في اتجاه «حربدينية» بين هذين المذهبين (الأكبرين في الدين الإسلامي)، وهي الحرب التيستصوغ مصير الشرق الأوسط برمته.
«تلاشي العراق»
ومهما يحدث الآن، فإنه من الصعب تخيل عودة السنةوالشيعة في العراق معا تحت مظلة النظام الديموقراطي القائم على المحاصصةالطائفية والإثنية، الذي سعى الأميركيون الى فرضه، أو عودة العراق إلىالصيغة الأولى التي أوجدها البريطانيون أول مرة.
ففي افتتاحيتها التي حملت عنوان «تلاشي العراق»، رأتصحيفة الفايننشال تايمز البريطانية، في عددها الصادر يوم الثلاثاء الماضيأن «انهيار دولة العراق الموحدة جاء نتيجة عوامل تاريخية عمت منطقة الشرقالأوسط، لا سيما الصراع في سوريا والخوف من الفشل في أفغانستان والتصادم فيإيران وفشل مشروع حل الدولتين بين الإسرائيليين والفلسطينيين».
وأضافت الصحيفة انه بعد مرور 10 سنوات على غزو العراق،فإن رئيس الوزراء (المالكي) لم يستطع وضع مصلحة البلاد فوق الطائفية، كماأنه لم يبذل أي مجهود لتقاسم الحكم، الأمر الذي يهدد بتقسيم البلادوتفكيكها.
وأشارت الصحيفة الى أن المالكي الذي ضرب بيد من حديدالاحتجاجات السنية التي نظمت في أرجاء عدة في البلاد، وأغلق العديد منوسائل الإعلام الخاصة بهم، فإنه بذلك يهيئ أجواء مناسبة جدّاً لعودةالجهاديين إلى البلاد.
ورأت الصحيفة - أيضاً - أنّ من أسباب دعم المالكيللرئيس السوري (الأسد) خوفَه من وصول الأغلبية السنية إلى سُدة الحكم فيسوريا، وولاءَه لإيران.
حسابات الأكراد
وكذلك، فمن الأصعب تخيل ذلك بالنظر إلى ما أقدم عليهالأكراد أخيراً. فبينما انشغل السنة والشيعة في صراعهما، أرسل الأكراد قواتالبشمركة عبر الحدود لبسط سيطرتهم على قطعة من الأرض حول مدينة كركوكالغنية بالنفط والمصنفة رسمياً، على أنها منطقة «متنازع عليها» بين الأكرادوالحكومة المركزية. وبرّر الأكراد ذلك بدواعٍ «أمنية». لكن ضابطاً فيالجيش العراقي ندد بهذه الخطوة، باعتبارها «احتلالا كرديا لمدينة كركوك». وكان من شأن خطوة كهذه، لو أقدم عليها الأكراد قبل ستة أشهر، أن تشعل«حرباً إثنية» بين العرب والأكراد، سبق أن حذر منها المالكي. وإذا كان منغير المحتمل أن تقع مثل هذه الحرب الآن، فإن الفضل في ذلك يعود - فقط - إلىأن المالكي منشغل الآن بحرب أكثر إلحاحا: إنها الحرب الطائفية مع السنة.
* خاص القبس
(ترجمة محمد أمين)




