٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

بارزاني واللاعب الكردي

المصدر: KDP.info

غسان شربل

في هذا الشرق الأوسط الرهيب الذي تتداعى أنظمته أو حكوماته وترتعد خرائطه وأقلياته. ها نحن نشهد ولادة لاعب جديد. إنه اللاعب الكردي.

في القرن الماضي قست لعبة الأمم على الأكراد. وزّعتهم على الخرائطأقليات في تركيا والعراق وإيران وسورية. وزّعتهم من دون سؤالهم. أصدرتالجغرافيا حكماً مبرماً على هذا الشعب وذيّل التاريخ الحكم بتوقيعه. إننانتحدث اليوم عن ما يقارب 35 مليون كردي.

وقبل عقد واحد، كان هناك من يعتقد أن قَدَر الأكراد أن يتوارثوا حكاياتآلامهم في الجبال ومشاهد حلبجة وحملة الأنفال وأن يبتلعوا مرغَمين ظلمحملات التتريك والتعريب. كان إنكار حق الأكراد بنداً ثابتاً في برامجحكومات الدول الأربع على رغم تجنّب المجاهرة به وادعاء العكس. فجأة كَسَرَتالمغامرة الأميركية المجنونة بغزو العراق هذه اللعبة الراسخة. ما كانللغزو أن يحصل لو لم يجاهر التحالف الكردي - الشيعي برغبته في إطاحة نظامصدام حسين بأي وسيلة وأي طريقة. وهكذا تقاضى الشيعة بغداد وتقاضى الأكرادإقليم كردستان بموجب دستور جمهورية العراق الفيديرالية.

للمرة الأولى في تاريخهم المغموس بالدم، يمضي الأكراد عقداً كاملاً منالاستقرار. يعيشون تحت عَلَمِهم وإن احتفظوا بالعَلَم العراقي. يدرّسونأولادهم بلغتهم ويرددون مواويلهم في الساحات. يشقّون الطرق ويبنونالجامعات. ويجتذبون المستثمرين والسياح. وكان العقد حافلاً بالمشاهد. مسعودمصطفى بارزاني يقود الإقليم منتخباً بكفاءة رجل الدولة بعدما قادالبيشمركة بكفاءة الفدائي والسياسي. وجلال طالباني يجلس في مكتب صدام حسينرئيساً للعراق. وهوشيار زيباري يقود الديبلوماسية العراقية باحثاً عن مصلحةالعراق بين الظل الأميركي والنفوذ الإيراني. ثمة مشهد آخر لا يقل أهمية. هبطت في مطار أربيل طائرة رجل اسمه رجب طيب أردوغان. وفي رسالة تاريخية قالالزائر ان اليوم الذي كانت تُنكر فيه حقوق الأكراد ولّى إلى غير رجعة. جاهد بارزاني لإخفاء غبطته وقرر البناء على هذه العبارة.

سألتُ مسعود بارزاني عن بدايات الصفحة الجديدة بين تركيا أردوغان وأكرادأوجلان، فردّ معترفاً بدوره في تشجيع الفريقين على اختصار الآلام وسلوكطريق الحل السياسي. وقال ان نجاح العملية سيكون «حدثاً تاريخياً وتحولاًكبيراً على مستوى المنطقة». ورأى أن انطلاق العملية مؤشر على تناميالواقعية لدى الجانبين، فهذا النزاع استنزف الأكراد والأتراك معاً.

سألتُ بارزاني ايضاً إن كان ما يعيشه إقليم كردستان العراق من استقراروازدهار يحرّض أكراد الدول المجاورة على الاقتداء بالتجربة، فأجاب: «ليسالمطلوب أبداً استنساخ تجربة إقليم كردستان. هناك الظروف والخصوصياتوالتوازنات والمعادلات. الظلم المزمن يجب ألاّ يدفع إلى التهور. نحن لانطالب بتمزيق الخرائط وتغيير الحدود. لا نريد الاشتباك. نريد العيش بسلاممع الأتراك والعرب والفرس. نريد أن نكون عامل استقرار وازدهار. لكن الأكيدأن زمن اغتصاب الحقوق والإقصاء والتهميش قد ولّى. إن ثقافة عدم الاعترافبالآخر هي ثقافة مدمّرة».

أعرب بارزاني عن ألمه لما تشهده سورية «الموجودة على حدودنا» من أعمالقتل واسعة وتدمير رهيب. تخوَّف من انقسام مديد فيها يوفّر بيئة لسيطرةالمتطرفين. نفى ضلوع الإقليم في أي تسليح لأكراد سورية وتمنّى أن يرى هذاالبلد المجاور يعيش في ظل الديموقراطية واحترام حقوق جميع مكوناته.

رفض مسعود «شخصنة» الخلاف الحالي مع نوري المالكي معترفاً في الوقت نفسهبأن العلاقة مع النهج المسيطر حالياً في بغداد «تقترب من عتبة اللاعودة». وشدد على أن الأكراد لا يطالبون بأكثر من احترام الدستور والاتفاقات،لافتاً إلى أن النهج الحالي أنجب أزمة عميقة مع المكوّن العربي السنّي.

اختارت تركيا نهجاً آخر في التعامل مع أكرادها. وحين تصمت المدافع فيسورية، سيكون المكوّن الكردي حاضراً حول طاولة المصالحة. أكراد إيرانسيراقبون في انتظار موعدهم. ساهم نجاح إقليم كردستان في تغيير المصائر.

سألتُ بارزاني عما يريده أبناء مقاتلي البيشمركة، فأجاب مبتسماً: «يريدون الكومبيوتر والتكنولوجيا والجامعات وفرص العمل والمستشفيات. لكن فيهذا الشرق الأوسط المعقّد عليك أن تكون حذراً. عليك أن تستعد أيضاً للحربكي لا تقع».

استفسرتُ منه عن حساسية الإقامة بين محمود أحمدي نجاد ونوري المالكيوبشار الأسد ورجب طيب أردوغان، فضحك واكتفى بالقول: «نريد تحويل الحدود إلىفرص تعاون لا فرص اشتباك. علينا التفكير بكرامة الإنسان والاقتصادوالتعليم. لا عودة الى الوراء».

 

* جريدة الحياة

أخبار ذات صلة